(١٦)
الحق المتواصل بموالد لا تنفصل
في بيت الذكر، لقائم الأقدس لا يحتجب
أمة الله ورسوله، بقائم دائم، بين سبق ولاحق
واقعية الرسالة والرسول في واقع الحياة
حديث الجمعة
١٥ ربيع الأول ١٣٨٧ هـ - ٢٣ يونيو ١٩٦٧ م
{النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[١].
هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[٢].
{وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}[٣].
يا أمة الله ورسوله، لا تفرقوا بين الله ورسوله، ولا تفرقوا بين الرسول وأهل البصيرة من عترته، ولا تفرقوا بين المؤمنين وأئمتهم من العترة.
{أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات، ليس بخارج منها}[٤].
اذكر ربك في نفسك، يوم تراك وقد سرى نور الله من الرسول إليك، فيكون فيك لمعناك روح مبناك. لا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله، فهو لكم فيكم معلوم الرب لمعناكم به، والمربوب بمبناكم منه، بنوره للسماوات والأرض يمشي به أمامكم فيكم، {النور الذي أنزل معه}[٥]، ولم يرفع من بعده، قائما فيمن يدعون بدعوته، على عين بصيرته، من أهله وعترته، دائم البسملة بأمته.
{فلا وربك، لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت، ويسلموا تسليما}[٦]، أمر بين الناس في دوام قيام، يؤدي عمله، ويقوم في رسالته، نصب الصلاة، وقبلة الحياة، وكتاب الإيمان، مملكة القلوب وسيادتها للقوالب.
{ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم، جاؤوك، فاستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله توابا رحيما}[٧]. فهل تعطل إعمال هذه الأحكام الفطرية؟
الرسول بينهم ببصائره قطب الرحى لأمنهم وسلامهم ورحمتهم، ووسيلتهم يوم تستقيم الأمور لجمعهم، {واعلموا أن فيكم رسول الله}[٨]… لا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله.
الرسول ورب الرسول والمؤمنون بالله ورسوله جمع واحد وأمر واحد وحق واحد، وقيام متعالٍ واحد في الله الواسع العليم لمطلقه ولانهائيه، هذه هي حقائق أو أقانيم الفطرة في دين الإسلام.
ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، وما جعلناك أبترا، وما جعلناك فردا، بل أقمناك كوثرا وأمة، حقا لله وملئه وظلا له، لدائم عباد الله وحقائقه مزوية لك الأرض ممهدة لك عوالم السماوات. {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم}[٩].
السمو بلا حد والسماوات بلا عد قبلة الرجاء والدعاء، والملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه، والرفيق الأعلى لا يَشهد ولا يُشهد، إلا معية المؤمن للمؤمن. (المؤمن مرآة المؤمن)[١٠].
في مثل هذه الأيام من كل عام، نحتفل بما نسميه مولد رسول الله، وما جعلنا له في الحياة، دائمة متجددة، مولدا دائما متجددا، وما جعلنا له في الوجود لموجودنا واقعا، وما جعلنا له في مجتمعنا متجددا متصلا، وجودا متجددا متواصلا، وما جعلنا له في أنفسنا قائمة، أثرا قائما، ولا عند عقولنا، متقيدة أو متحررة، خبرا مرددا، وهو الذي أبرزه الله رحمة، بكنودنا لله قطعناها، وجعله لنا كافة حقيقة قائمة، بجهلنا أنكرناها.
وجعله بدائمه لنا بيننا قدوة وأسوة، بكبريائنا أغفلناها، ووعدنا لمآلنا، بحاله وأمره في عالم لنا من إنشائنا عطاء ورحمة، حقيقة كفرناها، وجعل لنا في متابعته واقتدائه، فناء عنا وبقاء به جزاء لنا، حقيقة كلما أسفرت، جفوناها. وعرفنا أنا بذلك، إن وقع منا مع الرسول به، إسلاما، كان منا لله ولاء، ومنه عطاء، وقد جعل الله في الرسول للباطل فناء، وللحق بقاء، ولنا سلاما، فوجهنا ولاءنا للمردة والشياطين، باسم الله والرحامين.
مرج فينا لوجودنا البحرين يلتقيان، بموجودنا من الظلام، وبموجودنا من النور، لموجودنا من الحق، في موجودنا من الباطل، بموجودنا من الدوام، في موجودنا من التوقيت، بموجودنا من الآخرة، في موجودنا من الأولى، بموجودنا من الحقيقة، في موجودنا من الخليقة، بموجودنا من الإنس، في موجودنا من الجن، بموجودنا من الطبيعة، في موجودنا من الحقيقة.
وهدانا، إلى نفسه في أنفسنا، شاكرة أو كافرة، وإلى ربنا في موجودنا، مباركين، وإلى الله في معيتنا، مؤمنين، وإلى قدرة الله في رعايتنا مجاهدين، وإلى عزته في مظاهرتنا، متوكلين، وإلى معرفته في مشهودنا مبصرين.
وهدانا إلى النجاة في طلب تواجده في وجوده، في موجودنا متطورين، منا متحررين من بلائه متخلصين، إليه بنا، بعطائه فائزين، في أئمتنا أمة، بتوحيده متوحدين، في اتحاد قلوبنا، وفي تآلف نفوسنا، وفي تزاوج عقولنا، وفي تراص مبانينا، تواصيا بمعانينا، في اجتماعنا من شتاتنا، إلى أحدية أشتاتنا، حول نصب من أنفسنا، ميسرة لنا في كل مكان، وفي كل زمان، كما هدانا إلينا متعطلين، على مكانتنا ممسوخين، حتى نكشفنا ونرانا مبلسين، مردة وشياطين.
المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا، المؤمنون كأعضاء الجسد الواحد، هذا الجسد الواحد، متصلا لدوام، هو رسول الله، المتجدد في القيام، قامه محمد الله وعبد الله ورسول الله والذين معه كوثرا لدوام، لا أبتر، ولا إلى انعدام.
هذا البنيان، وهذا البيت، كان حق الله، بيت يذكر فيه اسم الله، تطوف حوله العقول، وتعكف في ساحته النفوس، وتسلم في وصلته الذوات، موضوعا لمرفوع، يرفع لموضوع، بحر الحياة، وسفن الخلاص والنجاة، وطريق الاستقامة، ودار السلامة، وهو ما طمره الناس بموهوم أمته ومزعوم شيعته. وأغفله فحرمه الناس بالتفرقة بين صوره بالأنبياء لقائم ودائم رسالة الله بالحكماء.
هذا الذي نحتفل بما نسميه مولده، وهو المولود به في ميلاد كل وليد، وهو المتجدد في البشرية، ما تجددت البشرية بجديد، بيت قبلتها وعرفات اجتماعها، وهو ثمرة الحق لها، ما أثمرت شجرتها، كلمة لله بوليد، وما بعث فيها أمر لله بجديد، بكهل مجرب رشيد، أو موعود ينتظر بقلب واسع ودود، رجل متوفى بعقل متحرر سديد، أو قائد وإمام لا عوج له، ذي بصر حديد، أو حكيم يبعث حوض ماء للحياة للورود ميسر، لا آسن ولا متوقف عن الفيض المديد، بل نهر عذب جارٍ، يغذي جداول سارية، تملأ كل فراغ لكل آنية، يوم لا يمنع الناس الماعون، عن الامتلاء بنور الله، وماء الحياة، من صامد بحارها، لإنسانها رحمة للعالمين، لا أبترا، ولا فردا، ولكن كوثرا يتفجر من الأرض عيونا، ويتصاعد من الأرض سحبا، ويعود إليها أمطارا وأنهارا، (حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم)[١١] … (الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة)[١٢]… (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر)[١٣].
فماذا كان من الناس؟ إنهم فيهم أماتوه! ونور الله به فيهم أطفأوه! وبقوا بأنفسهم مظلمة وبأشلائهم متعفنة، وما أماتوهم، لمعاني موته، فبعثوه لمعاني حياتهم، ولكنه أبتر وصفوه، وفردا منفردا ذكروه، لا رحمة للعالمين، ولا أصلا لظلال النبيين، ولا أمة من العباد الصالحين، ولا قيما من نور الله للعالمين.
لا، ولا عرفوه بحرا زاخرا، بالناس هادرا، ولا أرضا بَكَّت ماءها تتصاعد منه سحب الحقيقة بهم، لا تتثاقل إلى الأرض، لتتخلص من أملاحها في عالم الاختبار والبلاء سبحا إلى أجواز الفضاء، بالثمرة والعطاء، جُعل بظاهره مثل الحياة الدنيا في طبيعتها، تعبيرا من المبدع لها، عن حقيقة الحياة في جوهرها، بمخبرها.
يرد إلى الأرض بأحواض الحياة، بمائها العذب، بكلمات الله وجنوده على متن السحاب، بحقائق الله للإنسان في الإياب، آوية للرحامين، إلى أبنية الابتلاء، جيئة اسم الله وملائكته، في ظلل من الغمام، بناموس {يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين}[١٤].
فيداني باسم الرب، لمعنى الإنسان، وتداني الكلمات هو في معيتها لمعنى وجوه ورسالات الرحمن، بقانون لا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله، خطابا إلى أرض البشرية، هاؤم اقرؤوا كتابي، عودا إلى أرض البداية، إلى قائم حق، لحق النهاية، إلى أرض الخلافة ودار الضيافة. قائم وقيوم الأب والآب للناس أجمعين.
وذلك في دورات قائمة في دوام، تسفر في دورتها بأيام، هي أيام الله، لخلقة الزمان، قرونا وعشراتها، وآلافا ومضاعفاتها، عطاء من الحق إلى الخلق غير مجذوذ، وحقا متجددا بلا تعدد، وخلقا جديدا بلا توقف، بلا بدء يدرك، وبلا انتهاء يرتقب، في اللانهائي الصمد، لبدايات لنهايات به فيه بالإنسان للإنسان في الإنسان.
هذا ما جاء به رسول الله حقا، أصبحنا ولا واقع له عندنا، ولا ظلال له بيننا، اللهم إلا بكل شيطان مريد. يأتينا مع فقهائه، من حوله، ملائكة له متابعين، يتكلمون عنه مزوي النعم، وجماع الكلم، فقهاء ومستوزرين، معبودا منهم، على أنهم عنه عن الله يتكلمون، بموهوم علم وبهتان مبين يزعمونهم باسم الهدي يقومون، وكتابا لله يتلون.
تأملوهم يحتفلون بما يسمونه مولدا لرسول الله، فلا يطيب لهم الحديث عنه، ولكنهم يتحدثون عن غيره الذي يتعشقون، وإذا تحدث أحدهم عنه، تحدث عنه في احتفال مولده، متفها له ولمولده، منكرا على ما أكبره بعض أهل السبق به، يوم عرف السبق شيئا عنه.
(من رآني فقد رآني حقا) [١٥]، من منهم حاملين أمانة الدين بزعمهم؟ قال إنه الحق رآه… وإنه الوجه لله… وإنه الأمر لله لمعنى مولاه… وإنه الخالق له بيده، والمجدد لخلقته بنظرته، والماحي لباطله بنوره، والباعث له، إلى حقيقته بحقه وروحه من أمره.
من قال منهم إنه شعار لا إله إلا الله وعلمها؟ من عرف منهم أنه حصن لا إله إلا الله وقيامها؟ من أدرك منهم أنه مقيم لا إله إلا الله، فيمن دخل لا إله إلا الله، حصنا لله وقيامها؟ من عرفه منهم بيت الله طافه؟ من عرفه منهم ساحة الله اعتكافه؟ من دخله منهم اسم الله وجهه وهيكله، وحق الله عينه وجوهره؟ من عرفه بمشهوده لموجوده؟ إنه حق من حقائق الله، مطلقا في حقيقته لا حد له، يوم يقوم بحقائق الله قائم، قائم عبد الله ورسوله، فطلبه لنفسه، وعمل في طلبه، فطابت له الحياة به. {كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}[١٦]… {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون}[١٧]… {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير}[١٨].
إنسان الرحمة للعالمين… إنسان القدوة للطالبين… إنسان الطريق للسالكين… إنسان الله للمؤمنين… إنسان الكتاب للحكماء العالمين… إنسان الحياة لمن كانوا للحياة مفتقرين… إنسان النجاة للمتخلصين من عثرات الطريق إلى الحياة.
محمد رسول الله… محمد عبد الله… محمد وجه الله… محمد يد الله… محمد قدم سعي الله… محمد مطية الله عند مطاياه… محمد نفس الله بين نفوس خلقها الله لنفس الله… محمد الله، لكل طالب لله بالله، ولكل متحدث بالله، عن الله، عند الله، {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا}[١٩]… {وأما بنعمة ربك فحدث}[٢٠].
محمد الله كائن أصلحه الله لنفسه، فصار من خلقه إلى حقه مضافا إلى الله عند الله، ثم جاء حقا من الله إلى خلق الله مضافا إلى خلق الله رسولا من أنفسهم، ثم رجع من عالم خلق الله إلى عالم عليّ الله، محمد الله، بين قديم الله، وقادم الله، بقائم الله حقا واحدا في الله لله. هذه هي أقانيم الإسلام… هذه هي حقائق الإسلام… وهذا هو شفع وتعديد الإسلام، عند العقل ليدرك وتر الإسلام، عند القلب ليشرق.
الشفع والوتر في الإسلام… التوحيد والتعديد في الإسلام… والوحدانية والواحد والأحد، والوجود لا شريك له، والموجود لا غيبة له، والمعبود لا عجز له، قضايا في الإسلام، وأمور تناولها البلاغ، وأقامتها وحققتها الطريق، وكشفها البيان، وقامها الصادق من الناس بالإنسان.
من صلح أصلحنا له، من صلح من آبائه، ومن صلح من ذرياته، ومن صلح من مخالـليه وأزواجه، ألم يصلح رسول الله لله، فيصلح الله له من صلح من آبائه ومخالـليه وأزواجه، وذرياته؟ فبذلك كانت وبه تدوم رسالته، وعملت وتعمل بيننا عترته، فينتشره فينا كتابه، ويحققنا نوره، ويمحي بالله منا على ما أمحى منه ظلامنا وظلامه، مغفورا لنا ما تقدم وما تأخر من ظلامنا، كما فعل الله له في قديمه وقادمه بظلاله، فنبعث بالحق فينا، وفيمن حولنا، لقيامنا وقيامه، قائم الله لا شريك له، شهداء على الناس، الرسول علينا الشهيد، مبعوث القديم، وقدوة القادم، ورحمة القائم، الأمر الوسط وجوامع الكلم.
إن رسول الله بصلاحيته لله، باجتماع قديمه لمعنى ربه، على قائمه وقادمه لمعنى عبده وحقه، ذكر لذكر، وأمر لأمر، وإنسان لإنسان، رب لرب، وعبد لعبد، عَلما على المعلوم لهما، والقائم بيننا بهما، والمقيم لنا قياما لهما، كان بإبرازه، أن أبرز الله رحمته. وبطريقه أبدية، أبَّد الله نبوته. وبالروح أزلية قوَّم الله رسالته. فكانت به النبوة للشهادة هي الطريق، والروحية لها بها الرسالة والصديق، والقيام بهما كتاب وإمام رفيق.
{ففهمناها سليمان}[٢١]… {إنه من سليمان وإنه باسم الله الرحمن الرحيم}[٢٢]… {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين}[٢٣]، في كتاب أمين، في إنسان ثمين.
كل شيء أحصيناه في كتاب مبين… في كتاب خالد… في كتاب وجود قائم… في إنسان الزمان. (إن الزمان قد اسـتدار على هيئته كيوم خلق الله السـموات والأرض)[٢٤] بمولد محمد، أول عباد لأول عابدين، وأول عابدين لأول عباد. {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر، يأتين من كل فج عميق}[٢٥]، صرهن ثم أدعهن إليك يأتينك سعيا، هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[٢٦].
{أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم}[٢٧]، ما كانت السماوات والأرض لشهودكم، إلا إنسانا بظاهره قائما لوجودكم، أو دارا له إن شئتم، أو هيكلا ونفسا له إن أدركتم، {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون}[٢٨]، عن أمرهم من مطلق الله.
سبحان الله وتعالى عما يصفون، {وما قدروا الله حق قدره}[٢٩]، سبحان من جعل نهاية المعرفة عنه، في إدراك العجز عن المعرفة عنه، سبحان من جعل معرفة الإنسان عنه، في معرفة الإنسان عنه، {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء}[٣٠].
{اقرأ كتابك، كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}[٣١]… {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}[٣٢]، إنكم مقابر الموتى على الأرض تدبون، لِمَ لا تحيون قلوبكم فتشهدون؟ لِمَ لا تطلبون الحياة حتى أنكم في قلوبكم بالحق تبعثون، وأنفسكم خلقية، عنكم وعن معانيكم تسقطون، فبالله ولله تقومون، وبالله ولله تتعارفون؟!
تعرفون من يعلوكم، فيمن هم دونكم، منكم بهم تحيطون وهم بالله يبعثون، فأنتم بين يدي رحمته تقومون، يوم أنكم أنفسكم لله تُعبِّدون، فيد الله تقلكم بمن دونكم لها تشهدون، {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون، وخلقنا لهم من مثله ما يركبون}[٣٣]، فتشهدون من عليكم يعلون، يدا لله لكم يظلون فيمن دونكم لكم بالله يتواضعون، فبين يدي رحمته من فضله تقومون، أمرا وسطا تبعثون وتشهَدون وتشهِدون.
هكذا علمكم الأمين رسولا لله تعرفون وتلاقون، فهل تعلمتم أو تتعلمون؟ وهكذا في دائم معكم يعلمكم رسول لله لرسول الله، ألا تذكرون؟ رسول الله لكم، هو أنتم بحقائقكم، بحقكم في أنفسكم، ظلالا له تتواجدون، ووجودا بعد وجود تقومون، بكرات تشهدون، وبقيامات تبعثون، وببدايات في الفطرة تعادون وتُغفَرون.
كلما أسأتم إلى أنفسكم، عفا عنكم، وإلى حق بدئه، معه في دورته تعودون، لتعملوا غير الذي كنتم تعملون، وتغيروا ما بأنفسكم إليه وجها لله من أنفسكم له تشهدون، ولكنكم يا حسرة على العباد، فيما كنتم فيه به له تواصلون، وما بأنفسكم لا تغيرون، {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون}[٣٤]. أفإن كان آباؤكم لا يفقهون شيئا ولا يعقلون! تتخذونهم لكم الهادين، وهم لكم الضالون المضلون! وبضلالهم تضلون، وباقتفاء آثارهم تُضلون، وللضلال تُجددون، وكلما جاءكم من الله أمر بهدي تخاصمون، فعلى مكانتكم تمسخون وتبلسون، وبرحمته في إبلاسكم تنظرون، ومن السماء تردون، بعد سكرة الموت بالحق تجابهون، ولكنكم على هذا الدين المتين، متجددا مع القرون، فيه تبعثون يشاهد معلوم أنتم على الفطرة تنكرون، ومولدكم على الفطرة يتجدد بكراتكم على الأرض تجحدون.
سيروا في الأرض فانظروا ماذا كانت عاقبة من كان قبلكم من المكذبين، فمن عليها كانوا، وعلى مثالكم عليها كانوا، يدبون، امَّحت آثارهم، ومُحي ذكرهم، إلا من كان وجها لله، فوجوها لله يُذكرون، واسما لله يعملون، وإليكم في ظلل من الغمام في دوام يعودون، وعلى متن السحاب دوما يرجعون، ونور الله في قلوبكم يَسْرُون، وبكم بجديد أمر لهم يبعثون.
ها هي ذي رسالة الروح، يقوم بها الروح لرب العالمين، هلا فتحتم صدوركم للقادمين… هلا هيأتم قلوبكم للزائرين… هلا أعددتم عقولكم لاستقبال المالكين… هلا عرفتموكم في دائم في يوم الدين.
وهل هناك يوم للدين، ويوم لغير الدين؟ وهل قمتم أنتم وآباؤكم وأبناؤكم إلا في يوم الدين، يوم هو القرون، بل هو آلاف السنين؟ إنكم تنتظرون يوم الفصل، وأي فصل تنتظرون؟ إنكم تنتظرون يوم الفصل فيما كنتم به تكذبون، وسكرة الموت في دوام به آتية لو تعلمون، لو أنكم لكلام الله تسمعون، {وجاءت سكرة الموت بالحق}[٣٥]، ذلك ما كنتم منه تحيدون، والرسول يبينه لعقولكم فإلامَ تنتظرون؟ وحتامَ تكذبون؟ (القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار)[٣٦]… (من مات فقد قامت قيامته)[٣٧]، فأي يوم للدين تنتظرون؟ (لكل منكم سـاعة)[٣٨]، (لكل منكم قيامة)[٣٩] أفلا تتأملون؟
إنه لكم هو يومكم، يوم أنكم في قائمكم تموتون، وللحق معكم تكشفون وتكسبون، قبل أنكم بانقطاع عملكم له تفقدون، وعن ربكم في أنفسكم تنفصلون، وبظلالكم بظلامكم تبعثون، موتى تُشهدون، والموتى فيكم لكم تَشْهَدون.
{والذين كفروا، أعمالهم كسراب بقيعة، يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ووجد الله عنده}[٤٠]، وهو الذي كفر به من قبل، وهو معيته، وهو ما زال معه، وهو الحياة، وهو قيوم الحياة وقائمها، أشرك بالحياة، كفر بالحياة، ففقد الحياة، وجدها كانت له وكانت عنده.
جاءت سكرة الموت بالحق… أي موت وأي حق!؟ وهل أنتم إلا موتى!!
(دع الموتى يدفنون موتاهم وابق مع الحيـاة)[٤١]، مع كلمة الحياة، مع حوض الحياة، مع وجه الحياة… مع إنسان الحياة… وهل كان إنسان الحياة إنسان الشيطان؟ إنسان البهتان؟ إنسان الكفران؟ شياطين الجن والإنس يوحي بعضهم لبعض زخرف القول وزورا.
ليس الشأن أن تكون محل وحي، يُوحى إليك، أو يُوحى منك، ولكن الشأن، أن تعرف من يكون هذا الوحي، هل هو من الشيطان وللشيطان بك؟ أم هل هو من الرحمن وللرحمن لك؟ هل هو إبليس اللعين؟ أم هل هو الروح الأمين؟ هل هو إنسان الحق؟ هل هو رسول الله؟ فإذا أوحيت، وكنت وحيا، به أوحيت، فبك أوحى الله، بك أوحى الروح، بك أوحى الأمين، هذا ما كان رسول الله، وحيا إليه، أو وحيا منه، أو وحيا عنه، أو وحيا به، وما زال به على ما كان وحيا يوحى.
هل عرفت أمته من كان وحيه؟ وهل عرفته وحيا؟ وهل عرفت من كان محلا لوحيه وإيحائه من عترته وظلاله وأبنائه وعشيرته وأصحابه وأنصاره وأمته؟ إنها تحتفل بما تسميه مولد رسول الله، مولدًا فيه قَبرته، ما جددته، وما ولدته، وما دخلت بيته، وما كانت به له ولدًا أو والدًا أو أخًا أو جديدا، وما عرفت فيه له والدًا أو سبقا أو قديما، وما كانت له جسدا، وما عرفت له بين الأجداث قَلبا أو قالبا، تجددت الأجساد لها ولم يتجدد بينها… سبحان الله، هل يؤاخذ الناس على مخالفة من لا وجود له بينهم؟ هل يُطلَب إلى الناس أن يقصدوا لقبلتهم من لا كيان له في شهودهم بوجودهم؟
لو أنهم جاءوا الرسول… أين هو الرسول اليوم يجيئونه؟ أعند قبره ينادونه؟ ولو أنهم في أنفسهم يطلبونه، مع معلم أو رائد أو إمام يلاقونه لوجدوه واجتمعوه ولا يكونون بعيدين عنه دونه.
ألم يُطلَب إليهم أن يَصلُوه، وأن يُصَلّوا عليه، وأن يروا القبلة المنسكية المشروعة، ما هي إلا رمز له بيتا وضع للناس؟ هو لهم بها وفيها الحق والحقيقة، والناس من حولها له ظلاله، ومظاهره لموجوده بهم بالخليقة، فالناس به بحقه لمن فيها بحقيقته، مع من يستقبلونها، يتواجهون في الله وجها لوجه، وجوه ناضرة لوجوه لربها ناظرة… ملأ لملأ، الملأ الأعلى، والملأ الأدنى، يجتمعان في صعيد واحد، الله من ورائهم الظهير، وهو بهم الظاهر، وهم في أدناهم، على ما هم في أعلاهم، ينشدونه ويطلبونه، يوم أنهم يقدرونه ويعلونه، فكلما أعلوه يتواجدونه، وكلما تواجدوه يعرفونه ويؤمنونه، بما أحاطوا عن أنفسهم له به يحيطونه، فكتابه يقرأونه، ووجهه يطالعونه، وأمره يقومونه، وحقه يشهدونه، وأسماءه وصفاته يجتمعونه. (المؤمنون كأعضاء الجسد الواحد)[٤٢]، يتعالى ويعلونه، {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}[٤٣]، ويرتفعونه، وفي البيت المرفوع وحوله، على ما هم في البيت الموضوع وحوله، يتجددونه.
هذا ما عَلَّمنا رسول الله، فماذا تَعلَّمنا مما عَلَّمنا رسول الله؟ لا شيء! إلا متابعة الشاردين، وخشية الماردين، والسجود للطاغين، والاستماع للضالين، ومتابعة المضلين، بالضلال معهم وعنهم متحدثين باسم الدين، ووصف المتوكلين، ولاؤنا لمانح الخير، ومزديه[٤٤]! ولي النعم ومؤمنيه! خازن المال ومفتونيه، نفوس متأكسدة في كنودها للأرواح بينهم متجسدة، بالوسطاء والرواد قائمة متجددة.
يتخذون بعضهم بعضا أربابا من دون الله، وهو بهم ومعهم جميعا بما كسبوا، وهذا هو الناموس، الناس بعضهم لبعض، رب ومربوب في أنفسهم، وفي اللاهوت، وفي الطاغوت، في مطلق الله هم بمعانيهم لقائم العبد والرب فيهم، الله هو الحق المعبود، وهو الحق المقصود، يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ويفتن بالسلطان من به تسلط، ومن عليه سُلط، فلا طاعة لمخلوق قام في سلطان، على مخلوق تابع لسلطانه، ما قام صاحب السلطان في البهتان، وما عنون عن الله في الله عن الله النسيان. (فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)[٤٥]، ولا عزة لمن اعتز بعزة بعيدة عن عزة الله. ومن اعتز بعزة الله، لا عزة له على عباد الله إلا بما يرضي الله، قياما في طاعة الله لنفاذ أمر الله.
{أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر منكم}[٤٦]… طاعة لا تتعدد ولا تنفصل، ولكنها طاعة متصلة. طاعة أولي الأمر هي طاعة الرسول. وطاعة الرسول هي طاعة الله. وطاعة الله في طاعة الرسول. وطاعة الرسول في طاعة أولي الأمر… أولي أمر الله… وليسوا أولي أمر الطاغوت، {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها}[٤٧].
وما كان أولو الأمر إلا {عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}[٤٨]. ألم يأمر الله… هو {الرحمن فاسأل به خبيرا}[٤٩]؟ ألم يُعلِّم ويهدي الله {ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا}[٥٠]؟ فما كان المراد بأولي الأمر إلا من أوتوا الحكمة… من أوتوا المعرفة… من أوتوا العلم… من أتوا أحواض الحياة… من أوتوا أنوار الوجود… من كانوا مصابيح الله… من كانوا نصب الله على الأرض… من كانوا أوتاد الأرض، أن تميد بالناس… من كانوا سرج الحياة ووهيجها، يُشهدون في القلوب للقلوب، ويُشهدون في العقول للعقول، يتواصى الناس حولهم بالحق، ويتواصون بينهم معهم لأمرهم فيهم منهم بالصبر، {ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا}[٥١].
(المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل)[٥٢]، (والمؤمن مرآة المؤمن) [٥٣]، فلينظر أيكم من اختار له من بين مجتمعه مرآة، يشهد فيها نفسه وجها لما وراءه من قائم مولاه، {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة}[٥٤].
لا تجهر بصلاتك، ولا تجاهر بصلتك، ولا تخافت بها، ولا تمنع الحكمة أهلها، إن وجدت سائلا فأجبه، وإن وجدت مستعينا فأعنه، وإن وجدت مفتقرا فأغنه، وإن وجدت ضالا فخذ بيده، وقل له في نفسه قولا بليغا، مما عرفت وبنعمة ربك شهدت، ولها أخذت، وبها قمت، فلها عليها أحطت، وعلى ما عَرفت عَرَّفت لمن تُعرِّف، يوم أنك للظن به أحسنت، {وقل لهم، في أنفسهم قولا بليغا}[٥٥]، تحدثوا عن الله، ولا تتحدثوا عن أنفسكم، تعرفون يوم يعرف الله.
لا تجعل حديثك عن نفسك، ولكن اجعل حديثك لهم عن أنفسهم، من الله وفي الله على ما عَلِمتَ الله لك. بشِّرهم بالله لهم، بنعمة ربك، حدثهم عنهم محلا لنعمته التي عرفت.
هذا مما جاءكم به هذا الإنسان، الذي في أنفسكم أمتموه وقتلتموه، وفي تراب الأرض ذكرتموه، وفي قبره سجنتموه، وفي مُتَصَوَّر من ذات يوما حصرتموه، وفي مبنى من تراب أرض زرتموه، حرما سميتموه، وروضة أسميتموه، إليها منتهيا قدرتموه، لا مثيل له متجددًا واهمين أكبرتموه، جهلة به علمتموه، كنودين له بوصف المؤمنين به تابعتموه، لا ربا من ربكم عرفتموه، ولا إلها لقدسكم طلبتموه، ولا عبدًا لعليكم قمتموه، ولا نورا في أنفسكم استقبلتموه، بل أغلقتم دونه أبوابكم، وبظلامكم، لأنفسكم زعمتموه، وببهتانكم تصدرتم فقمتموه، وبعيدا عن إنسانكم بالحق قدرتموه، ثم قدوة خيالية بكلام تصدرتم فقدتموه.
أين هي هذه القدوة تقوم؟ وأين هو هذا الباب يُطرق؟ وأين هو هذا السراج يستضاء به؟ أين هم نصب الحق يُسجد له، ويُؤمَن به، ويُعرف في النفس؟ يوم نعرف أن الله أقرب إلينا من حبل الوريد، وأن الله معنا حيثما كنا، وكيفما كنا، ومتى كنا، يوم نعرف أننا في الله قمنا، وأن الله فينا يقوم.
يوم نعرف أنه ما بين الله فينا قائم، وما بين الله علينا قيوم، تقوم أسوار أبداننا، بمادي وجودنا، بتراب هياكلنا، وأنه يوم تسقط هذه الأسوار يجتمع من فيها، على من هو عليها قائم، يجتمع من في الدار، بمن حول الدار، يوم تسقط الأسوار، وتوضع الأوزار، ويزول الجدار. (حائط المبكى) والبكاء في الحج عند الأستار، وأمام باب الدار.
أما اليوم ونحن في أسوار أبداننا، فإن الله قريب، يجيب نداءنا، ويلبي دعوتنا، ويدخل بنوره في بيوته من قلوبنا، نور على نور، فيجتمع قيومه علينا، على قائمنا به بقائمه فينا، {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}[٥٦].
وإنهم لا يرشدون إلا يوم يعرفون أنهم الموتى، وأنت بينهم بماديك من أنفسهم ميت، وهم ميتون، وإنك مت عن موتك، وإنهم يوم هم عن موتهم يموتون، بك يبعثون، تقوم وتتقلب في الساجدين، بعثا بالحق لهم بنور الله منك، له يشهدون. {وقل جاء الحق، وزهق الباطل}[٥٧]، لو أنكم تؤمنون… لو أنكم لحديث الصدق تصدقون… لو أنكم بأُذن الله لكم، لفم الله بينكم، تنصتون ولا تُصمون، فصوت الله تسمعون، بأُذن الله فيكم لها تملكون، وبها تقومون، يوم أنكم بنور الله مشكاة صدوركم تنيرون، يوم أنكم لسرج قلوبكم تشعلون، ولأرواحكم تضيئون، ولعقولكم تحررون، فالطريق تسلكون، والاستقامة تقومون وتعنونون، وحول رسول الله بينكم تطوفون، وقبلة لكم إلى قلوبكم تتخذون، يوم أنكم في حصن لا إله إلا الله، تدخلون، فبمحمد رسول الله، تبعثون، وله تشهدون، ويوم أنكم به تقومون، نور الله تنتشرون.
اللهم بمن جعلته لنا وللعالمين، رحمة ويوما للدين… اللهم به فارحمنا وبه فابعثنا، وقياما له ألحقنا، وظلالا له شرفنا، ووجودا له حققنا، حتى نكون لك، بمن كان لك، فنكون بك، يوم أنَّا به نكون.
هذه هي أقانيم الإسلام، أنت والرسول وربه، حق واحد، وإله واحد، ورب واحد، وعبد واحد، وحقيقة واحدة، وإنسان واحد، وبيت واحد، في مطلق الله.
من الذي يرفض ذلك، يوم يعرف أن له ذلك! وأن آباءه من الصالحين كانوا كذلك، وإنه للصالحين ولد، وللمصلحين سَند، وإنه بصلاحه للحق وجد، وإنه في أبنائه يتواجد، فعلمت نفس ما قدمت وأخرت، وعلمت نفس ممن وُلدت، وكيف ولدت وتوالدت. إنسانية صالحة، بعضها من بعض.
آباؤهم الأبناء والأحفاد، وأحفادهم الآباء والأجداد، أُمة واحدة، ارتفعت فوق المكان، بكينونتها لله، وارتفعت فوق الزمان بقائمها لله.
سعدت في وجودها برسالتها قيومة على الوجود، لقائمها قيوما على قائم الوجود لها، مسقطة وجودها الخلقي إلى وجودها الحقي، أُمة وسطا وخير الأُمم، تأمر بالمعروف وهو الله، وتنهي عن المنكر، وهو وهم ما سواه.
أمة تبذل الخير، الله عندها هو الخير… أمة الخير… أمة الرسالة… يوم هي أمة الرسول… وأمة الله يوم هي بالله، ظهير الرسول، وظهيرها الرسول، قائم الرسول، ويد الرسول، ولسان الرسول… أمة واحدة، هي فرد الرسول، وفرد واحد هو أمة الله ورسوله… هذا ما جاءنا به دين الفطرة، وما قام به بيننا رسول الله، وقامته بيننا أسرته وعترته وبيته وصحبته وأنصاره، يوم كانوا في صحبته، ويوم قاموا في نصرته.
بذلك كان الرسول للناس جميعا أُبوة الروح وأُبوة الدم… أول العابدين آدما، وأول الحق كلمة، وأول الكائنات وجودا، جعله الله للكل قدوة، وجعل فيه للجميع بالله أسوة، وأدامه بين الناس عترة، وجعله للناس غاية آلًا وأمة، وجعله للحق لهم في أنفسهم مآلا وحقيقة، وجعل من خلقيته ونصبه بينهم، للقيام وللعمل، مثالا وحقية، وفي متابعته والتخلق بخلقه، نظاما وقياما وشريعة.
جعل ذكره قرين ذكره، وجعل أمره قرين أمره، وحقه قرين حقه، وبعثه بالحق قرين بعث الحق به، لا يرى غيره، ولا يشهد إلا إياه، يوم هو نورًا له في القلوب يراه.
تحيا به القلوب، نورا على نور، وعطاًء على عطاء، وجزاء على جزاء، ورحمة على رحمة، وهدية على هدية، ونعمة على نعمة، عطاء غير مجذوذ، فنعلمه الله أكبر، ونقومه لا إله إلا الله، ونتعالى فيه إلى أكبر فأكبر، يوم نستخلف من علمنا بعملنا لنا فينا، بلا إله إلا الله، خليفة وخليفة، وخليفة، بعثا لمخلفٍ، ومخلف، ومخلف، يوم نصلح لله، فيصلح لنا من صلح من آبائنا، ومن ذرياتنا، ومن أزواجنا.
هذه قدوة من تحتفلون باسم مولده، على أن له مولدا، وهو حق لم يولد، ولم يلد، ولم يتوالد. ولكنه حق قديم بمظهره يعرف به يتجدد، ويتجدد، ويتجدد، وهو بقديمه وجديده لا يتعدد، هو الحق الواحد. هو الإنسان الواحد… هو الأمر الواحد… هو الرسول الواحد، والمرسل الواحد، والمــُرسـَل إليه الواحد. وهو الواحد بالمرسل والرسول والمرسل إليه، لمعاني الحق الواحد.
لا إله إلا الله، لا شريك له، محمد رسول الله، لا غيبة له. هو الأب وسر الأبوة، وهو الابن وسر البنوة، وهو الأخ وسر الأخوة، وهو البيت بالآباء والأبناء، هو عبد الله، لا جديد له، كلنا فيه يتواجد، وكلنا إليه يعود، وكلنا يه يقوم، في قائمه لا إله إلا الله، وقائم الحق من الله، لموصوف العبد له.
اللهم به فاكشف الغمة عن الأرض… اللهم به فاكشف الغمة عن بلاد المسلمين، اللهم به فاكشف الغمة عن بلاد المؤمنين بكل بدين… اللهم به فأَيقظ أُمم الغافلين… اللهم به فارحم الساهين والضالين، واهد المضلين… اللهم به فانشر السلام في العالمين… اللهم به فوحد القلوب، وحرر الأرواح، وأنر العقول، وأشعل النفوس، وقوم الجوارح.
لا إله غيرك ولا معبود سواك.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الأحزاب - ٦ ↩︎
سورة الشعراء - ٢١٨-٢١٩ ↩︎
سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎
سورة الأنعام - ١٢٢. ↩︎
سورة الأعراف - ١٥٧ ↩︎
سورة النساء - ٦٥ ↩︎
سورة النساء - ٦٤ ↩︎
سورة الحجرات - ٧ ↩︎
سورة الرعد -١٥ ↩︎
حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎
من حديث شريف: “حياتي خيرٌ لكم تُحدِّثونَ ويُحدَّثُ لكم ووفاتي خيرٌ لكم، تُعرَضُ عليَّ أعمالُكم فما رأَيْتُ من خيرٍ حمِدْتُ اللهَ عليه، وما رأَيْتُ من شرٍّ استغفَرْتُ اللهَ لكم”. أخرجه النسائي والطبراني. ↩︎
حديث شريف تقول معظم كتب الأحاديث إنه لم يثبت عن الرسول ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎
من حديث شريف: “عن جابر بن عبد الله قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله: أول شيء خلق الله تعالى ما هو؟ فقال: نور نبيك يا جابر، خلقه الله ثم خلق منه كل خير.” رياض الجنان: مخطوط. بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎
سورة يس - ٢٦-٢٧ ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
سورة آل عمران - ٧٩ ↩︎
سورة البقرة - ٤٤ ↩︎
سورة آل عمران - ١٤٦ ↩︎
سورة النساء - ٦٣ ↩︎
سورة الضحى - ١١ ↩︎
سورة الأنبياء - ٧٩ ↩︎
سورة النمل -٣٠ ↩︎
سورة يس - ١٢ ↩︎
حديث شريف: “إن الزمان قد اسـتدار كهيئته يوم خلق الله السـموات والأرض.” أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود. ↩︎
سورة الحج -٢٧ ↩︎
سورة الشعراء - ٢١٨-٢١٩ ↩︎
سورة يس -٨١ ↩︎
سورة غافر - ٥٧ ↩︎
سورة الأنعام -٩١ ↩︎
سورة البقرة - ٢٥٥ ↩︎
سورة الإسراء - ١٤ ↩︎
سورة الذاريات - ٢١ ↩︎
سورة يس - ٤٢:٤١ ↩︎
سورة الزخرف - ٢٢ ↩︎
سورة ق - ١٩ ↩︎
حديث شريف: “القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.” أخرجه الترمذي والطبراني. ↩︎
حديث شريف: “إذا مات أحدُكم؛ فقد قامتْ قيامتُه؛ فاعبدوا اللهَ كأنكم ترَوْنَه، واستغفِروه كُلَّ ساعةٍ”. أخرجه الديلمي في الفردوس، ورواه العسكري في الأمثال، وأبو نعيم في (حلية الأولياء)، وغيرهم. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة النور - ٣٩ ↩︎
“فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ فَاذْهَبْ وَنَادِ بِمَلَكُوتِ اللهِ».” (لو ٩: ٦٠). ↩︎
حديث شريف: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.” صحيح مسلم. ↩︎
سورة فاطر-١٠ ↩︎
أزدى تعني صنع معروفا. والمزدي هو صانع المعروف. ↩︎
من حديث شريف، أخرجه الحاكم والطبراني واللفظ لهما وأحمد مختصرا. ↩︎
سورة النساء - ٥٩ ↩︎
سورة البقرة - ٢٥٦ ↩︎
سورة الفرقان - ٦٣ ↩︎
سورة الفرقان - ٥٩ ↩︎
سورة البقرة - ٢٦٩ ↩︎
سورة الكهف - ١٧ ↩︎
حديث شريف: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”. أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎
حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎
سورة الأعراف - ٢٠٥ ↩︎
سورة النساء - ٦٣ ↩︎
سورة البقرة - ١٨٦ ↩︎
سورة الإسراء -٨١ ↩︎