(١)

وحي وروح الفطرة لقائم الوجود بالحياة
رافع
صاحب وقائم الرتب

حديث الجمعة

٢٧ جمادى الأولى ١٣٩٠ هـ - ٣١ يوليو ١٩٧٠ م

يا هذه الدنيـــا أطلـــي واســــــمعي

أبي معــي… لم يفارقنــي في قيامــي ولا مضجــعي…

إنه معي، لم يغب أبدا عني، فهو ممتد فيمن صدقَ معه، باقٍ لمن صاحبه حقا، لا يغيب عنه، ولا يحتجب.

فمن لم يجد في صدره مستقرا ومقاما له، فما تابعه! ومن لم يجد في عقله امتدادا لفكره، فما صَدَّقه! ومن لم يجد قلبه ينبض به، وأنه سر الحياة فيه، ما عَرفه.

كان لنا قدوة، وكان لنا مثلا، وكان منا وكنا منه… وسار وعاش بيننا من العمر الكثير، حتى نقتدي به، وحتى نكون له أبناء وأخوة، ومريدين، وأتباعا… فهل كنا له كذلك؟!

من لم يكن، فأمامه باب الطريق مفتوح على مصراعيه، ليحقق ما فاته. ومن كان… فأمامه أيضا الفرصة لينمو فيه ويستزيد.

إنه حي معنا… فهل نكسبه فنحيا؟! أم نتركه فنموت؟ إن من يُغيِّبه عن وجوده، يُغيِّب معنى الحياة له، وإن من يراه متكاثرا ممتدا… يكسب معنى الحياة فيه.

إنه حقيقة، وإن الحقيقة لا تموت أبدا… ولا تزول أبدا… ولا تنتهي أبدا… إن حياته خير لنا… ومماته خير لنا، فهو في كلتا الحالتين روح ونور، يسري فيمن يرتضيه لنفسه قدوة وأسوة.

لقد بَدَّل مفهوم الموت عندنا، فأصبح الموت هو الحياة، وأصبحت الحياة هي الموت، أصبح موت النفس هو حياة الحقيقة، الحقيقة التي لا تغيب أبدا، الحقيقة التي ترعانا وترشدنا في خطانا، وتمهد لنا السبيل.

إنه حقيقة… حقيقة كبرى، تحاول أن تساندنا فيجب مِن جانبنا أن نستعد لنستقبل فيضها، وأن نكون أهلا لها…

إنه لا يستطيع أن يقدم لنا شيئا لا نريده، ولا نرتضيه، ولا يستطيع أن يقدم لنا شيئا نمانعه… هذا هو قانون الحياة، الذي التزم به، والذي يلتزم به كل متصل بروح الحياة، وكل عارف بالله.

فلنهيئ أنفسنا إذن لاستقباله، حتى نكون لرسالته، ممتدة فينا، مقيمين… وللدرس الذي أعطاه لنا، منفذين… ولمعناه فينا، مُكبِرين… حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

يجب أن يكون حيا في صدورنا، وأن نتخذه دائما قبلتنا في صلواتنا، بمعناه، المتكاثر المتجدد…

إنه رائدنا، وإنه حياتنا، وإنه روح الوجود لنا… إنه كل شيء لنا…

إننا لا نستطيع أن نعيش بدونه، فهو روحنا، إذا نسيناه فلن يكون لنا وجود، بل لن نصبح قادرين على الوجود.

إن الوجود في وجوده… والبقاء في بقائه… والحياة في حياته…

فنرجو الله أن يديم علينا وصلتنا به، وأن لا ننسى قيامه فينا، وأن يحقق طريقنا ورسالتنا به، وكان فضل الله علينا عظيما، وما كان هو إلا فضل الله القائم، بقيامنا فيه.

اللهم ارحمنا به.

اللهم اجعلنا له أبناء صادقين.

اللهم اجعلنا في متابعته صادقين.

اللهم أرشدنا إلى الطريق الصحيح الذي اختاره لنا.

اللهم لا تحرمنا منه، ولا تجعلنا ننساه، ولا تجعلنا نفترق عنه…

إنه قبلتنا، وإنه طريقنا، وإنه جمعنا ومعنانا.