(١)

الإمام
نقطة تحول في الطريق ما بين ماضيها بجمعها ومستقبلها لاجتماعها لدورة الحياة قائمة دائبة ببداياتها ونهاياتها حق يُبعث ويقوم ببيت للقبلة
بإنسان للروح
يسري ويبعث بنوره وروحه فيمن يتابعه

٢٤ ذو الحجة ١٣٧٦ هـ - ٢٢ يوليو ١٩٥٧ م

في جلسة التدريب الدورية الخاصة لخمسة من الإخوان مع الرائد في مساء الأربعاء من كل أسبوع خطر للسيد الرائد في أثناء التدريب خاطر مفاجئ، أن يسأل السيد الـروح المرشد (سلفربرش) أن يصلي ولو مرة واحدة برواد الجمعية الإسلامية إماما صلاة جامعـة، فسأل السيد المرشد ذلك، فأجاب السيد هذا الطلب وحقق لـه هذا الرجاء، وحدد مساء الإثنين ٢٢ يوليو ١٩٥٧ ليصلي بأعضاء الجمعية فريضة المغرب، وهو الوقت الفطري لانسلاخ الليل من النهار وانطلاق النهار بنوره وجلبته، وتخليف الليل بهدوئه وسكينته، به انقسم اليوم إلى أمرين والواحد إلى اثنين. وفي هذا اليوم والذي يليه كانت البلاد تحتفل بمرور خمسة أعوام على قيام حدث اعتبرته عيدا من أعيادها القومية، وحرر تاريخ اليوم رقم ٢ لدوام الإثنيـن.

وقبيل الموعد المحدد للصلاة بفترة قصيرة اجتمع السادة الأعضاء بدار الجمعية بشارع على باشا مبارك رقم ٢٨ في المكان المخصص لصلاة الجماعة بدارها، وجلسوا صفوفا كالمعتاد في الصلاة الجامعة، وقـد رتبهم السيد الرائد، في قربهم من الإمام، مراعيا نظرته الخاصة في الاستعداد الوساطي والتقييم الروحي لكل منهم جهد الإمكان، وكان عددهم نيف وأربعون شخصا، وقد رتبهم عشرات إلى أربع صفوف تقريبا.

وجلس إنسان الجماعة ورائدها وابن إنسانه السيد رافع وعن يمينه مختار السيد الروح المرشد لنفسه السيد (عليّ)، صفا أماميا ترك فراغه عن اليمين وعن اليسار للسادة الأرواح الذين شاركوا في هذه الصلاة. وجاء السيد الوسيط (محمد عيد غريب - أب سريع) وأخذ مجلسه من القبلة على الكرسي المعد له في صدر المكان في مواجهة المتهيئين للصلاة.

أطفئت الأنوار وبدأت تلاوة جماعية بصوت جهوري لفاتحة كتاب الإسلام مرددين بعدها وعلى نفس الصورة من الجمع والجهر لألفاظ آيـة النور {الله نور السماوات والأرض…} إلى قوله تعالى: {والله بكل شيء عليم}[١] كالمعتاد في جلسات الاتصال دائما.

وتوجه الجميع بقلوبهم إلى الله مرددين لفظ الجلالة في إبراز كامل لكل حروفه بالذكر القلبي، مع الأنفاس الطويلة، محددة للبدء وللانتهـاء، منتظمة مع الشهيق والزفير ابتداءً وانتهاءً مع حروفه مشبعة مع المراقبة والمرابطة، بالتخلي عن كل ما يشغل الخاطر عن الأمـور الزمنية، والتركيز على ما يجب أن يشغل القلب والعقل والهمـة عن الأمور الحقية، في مصاحبة خافية وعينية للأبوة الروحية، يمثلها عندنا ويقوم بها بيننا الوسيط المعلوم لنا في بشريته، المعنونة عن علمية علم لمرشده، مرشدا وروحا أمينا وحقا ربانيـا لنا، وفي مصاحبة أمامية وعينية للرائد، مع الاستعانة بهمتهما بقائم القرب والاتحاد بهما والتخلي عن النفس إليهما، لطرد الأغيار والتخلص منها، واعتقاد المصاحبة الأمامية لموصوف الظل للأبوة الراعية الخلفية بقائم الابن لعين الأب، للمشاهدة والمتابعة، للإمامة الرائدة، ولقائم وظاهر وجه الحق للحقيقة القائدة، وباب الخلاص للقدرة السائدة.

وبعد دقائق لم تطل، قَطع السيد الرئيس رهبة الصمت المؤنس بالتحية المحيية كالمعتاد ملقيا سلام السلام على الجميع، ثم أمر بإضاءة النور الأحمر الذي تمت فيه كل مناسك الصلاة، وبعد ترديد بضع أنفاس عميقة غادر الكرسي ووقف ثم سار متجها في خطوه الثابت الوئيد إلى القبلة مستقبلا لها على ما شرعت، وإن كان هو القبلة على ما عرفت، لعارف بها، في معرفة بالله، قامها عارف في قائمه بالله.

فوقف الجميع صفوفا خلفه وأَذّن السيد الرائد للصلاة وقيامها، فقامت الصلاة خلف السيد الروح المرشد ولم تتدخل نفس الوسيط قيد أنملة، فظهر بالأداء والنطق على أكمل وجه، في حال من الروعة والرقة والحنان بادية للجميع، وسَاد الجميع حال من الرهبة والخشية، ممتزج مع الشعور بالجمال والطمأنينة.

قرأ السيد المرشد الفاتحة بعد البسملة بصوت رتيب أجش اختفـت معه نبرات صوت الوسيط تماما في نطق رتيب يسبغ الجمال، وحسن الاستقبال للألفاظ والحروف العربية ومخارجها من الفم والشفاه، ثم قرأ بعدها بدون بسملة مسموعة آخر آية من سورة النحل في الركعة الأولى، وفى الثانية قرأ آخر آية من سورة التوبة وذلك في الركعتين الجهريتين من صلاة المغرب وفق السنة، وقد خفف الركوع والسجود في الركعة الأولى، وأطالهما قليلا في الثانية، وامتد بهما قليلا في الثالثة. ولعل في اختياره للآيات وعناوين السور المأخوذة منها حكمة غير خافية.

قرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة قوله تعالى {واصبر وما صبرك إلا بالله، ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}[٢]، وقرأ في الركعة الثانية بعد فاتحة الكتاب {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم}[٣].

وجلس جلسة التحيات كما هو مسنون مرتين وتحا بصوت خفيض غير مسموع ثم ختم الصلاة بالسلام يمنة فيسرة بصوت مسموع، ثم قـام واقفا وواجه المصلين خلفه وقال: (تقبل الله) ثم جلس على الكرسي وتوجه للجميع مخاطبا بحديث موقظ للهمم، جاء فيه هذه العبارات تقريبا (لقد أُمرت أن أؤدي هذه الصلاة، وهذه هي المرة الثانية التي أتلقى فيها مثل هذا الأمر. وقد كانت الأولى منذ أربعمائة سنة، حيث صليت بإخوان لي من المسلمين في الأرض، وإني أشكر لأخي وأخيكم السيد/ رافع أن هيأ لي هذه الفرصة. وقد كنت أحب أن أطيل المكث بينكم والحديث معكم، إلا أن الوسيط تعب، وأرجو أن أراكم قريبا، والسلام عليكم). فرد السيد الرائد التحية نيابة عن الجميع بقولـه (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، وبذلك انتهت جلسة الصلاة المفروضة في دين الإسلام على صورة ظاهرة مشروعة كمـا سنها بإمامة جبريل للرسول، والرسول لنا بدورنا خَلف السيد الروح المرشد (سلفربرش) كأمر عادي لم نعلق عليه كبير أهمية.

وأثناء جلسة التدريب العادية لوسطاء الدائرة الأولى من دوائر الجمعية الإسلامية الروحية، أثار القائمقام مهندس السيد/ أحمد قدري حديثا عن رغبته ورغبة الأعضاء في تكرار هذه الصلاة مرة أخرى خلف السيد الروح المرشد في أقرب فرصة يسمح بها السيد الرئيس، فأجاب السيد بأنه يتمنى ذلك، وأن هذا الذي أُمر به وما قام به من إمامة فريق من المسلمين على الأرض، على الصورة التي تم بها، هو أمر جسيم بالنسبة له، وخطير الشأن عنده، وأنه رُقي له ما بعده رُقي.

فقال الأستاذ الرائد مخاطبا السيد المرشد، هل يمكن أن نفهم من هذا يا سيدي أن هذه الصلاة كانت نقطة تحول في الطريق ما بين ماضيهـا من إرشاد نفس لنفس، وعقل لعقل، وذات لذوات، ومستقبلها من الاسترشاد بكم وبعالمكم؟ فعقَّب السيد… إنها بَدء الإمامة على الأرض، في هذه الجماعة، وبهذا الإمام ومن يكون معه.

فقال السيد/ أحمد قدري، إذن يصح أن نعتبر هذا اليوم عيدا لنا، ونطمع أن نؤدي الصلاة خلف السيد المرشد في مثل هذا اليوم من كل عام. فأجاب السيد المرشد أنه لا يرفض ذلك، وأنه يطمع لهذه الجماعة فيما هو أكثر من ذلك.

وفي إحدى جلسات التدريب اللاحقة بعد بضعة أشهر، أشار السيد الروح المرشد في حديثه المعتاد إلى هذه الصلاة، مشيرا إلى خطرها وأهميتها، كاشفا بالإشارة بعض ما تصبو العقول إلى معرفته من أمر رسول الله وعلاقته بتعريف ما يجري من الأمور لأمر الله بهذا العالم، فقال السيد: (عندما حَمل إليّ الرسول الأمر بأن أصلي بكم في عالمكم، استبشرت كثيرا لانتصار قضية السلام على أرضكم. فيجب أن لا تستهينوا بقوتكم، وأن لا تفرطوا في أمركم لبارئكم، وأن لا تعبثوا بهذا الوجود لكم، وعليكم أن تهيئوا لنا من أجهزتكم، قوة نعمل بها، حتى نحقق لكم النصر لقضية السلام في هذا العالم، المغلوب على أمره).

لا جديد في الحق. فبعد أن فُرضت الصلاة على الرسول وأُمته، وصلى الروح الأمين بالرسول إماما، بزغ نجم الإسلام وعلت كلمة الله على الأرض. فنحن نعيش الآن في ظل دين قائم، وصلاة مفروضة، ولكنا نفتقد من نصلي خلفه فيرفع عنا سهونا وقراءتنا، وتصح صلاتنا باتجاهنا نحو قبلتنا، فتتجمع بالمؤمنين في الله أُمتنا، ويرفع في الله بيتنا، ويبعث لنا بنا فينا حقنا…

فنرفع على الأرض شعارنا بلا إله إلا الله، ونقيم في الله أمرنا بقائمنا محمدا رسول الله، فتقوم بنا أُمة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف لأمر اللـه ورسوله وكتابه وتنهى عن المنكر من الشرك به، أُمة من الصالحين بعضها من بعض، بناموس الفطرة، بالأب وأبيـه، والابن وبنيه، أُمة وسطا لا ينقضي خلقها ولا يختفي حقها، ولا يتعطل أمرها، ولا يطفأ نورها، ولا تخبو نارها، ولا تجف شجرتها، ولا تنقطع ثمرتها، ولا يجذ عطاؤها.

(كيف بكم وقد نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم [فأمكم منكم])[٤]… (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[٥]، (حياتي خير لكم ومماتي خير لكم)[٦]… (لا زالت طائفة من أُمتي قائمون بالحق، لا يضرهم من خالفهم إلى أن تقوم السـاعة)[٧]، (لا تقوم الساعة إلا ويظهر على الأرض آدم)[٨]، (تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي)[٩]، (أول من تنشـق عنه الأرض أنا)[١٠]، بدائم ناموس الفطرة (قبل آدم مائة ألف آدم)[١١]، (أنا كائن قبل آدم)[١٢]، (كنت نبيا وآدم بين الماء والطين)[١٣]، (أقربكم مني منازل في القيامة أحاسنكم أخلاقا)[١٤]، (كنت نبيا ولا ماء ولا طين)[١٥]، (أنا الطريق والحق والحيـاة[١٦]، أنا القيامة[١٧])، {فاتبعوني يحببكم الله}[١٨]، (لا دينونة الآن على من دخل في قلب يسوع)[١٩]، (مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا ومـن تخلف عنها هلك)[٢٠]، {والسلام عليَّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا}[٢١]، {إن شانئك هو الأبتر}[٢٢]، {إنا أعطيناك الكوثر}[٢٣]، (تقوم وتتقلب في الساجدين)[٢٤]، {جعلنا له نورا يمشي به في الناس}[٢٥]… {إن إبراهيم كان أمة}[٢٦]، {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي}[٢٧]. إن موسى وعيسى ومحمدهم، هم إنسان وآدم واحد، يبعث في دوام على الأرض، ذكرا محدثا للذكر القديم بالإنسان لله، في حال تمام وِترٍ فيه.

فأرقى مقامات الوصول، وأقوم ما تقوم الإمامة، يوم يصبح الكائن البشري ذاتا لروح أو يصبح الكائن الروحي روحا لذات. وهو ما يتم للبشرية وللروحية في هذا العصر بقائم روحي في عالم الروح، له قائمه الذاتي في عالم الذوات، وبقائم ذاتي في عالم الذوات له قائمه الروحي في عالم الأرواح. {إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت، وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت}[٢٨].

بـذلك يعمل في الطريق الآن بدل الآدم آدمان لثالث في الحسبان، وبدل الإنسان إنسانان لثالث للوجدان، وبدل الحق الواحد بإنسـان حقان لإنسانين لإنسان، ينتظران ثالثا في الميزان، لقادم من الزمان. إنه الناموس، {إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون}[٢٩]، {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون}[٣٠].

ذلك في حق الله الجامع لكل حق، وإنسان الله الجامع لكل إنسان، وجوه لله وأسماء لله وحقائق لله بعباد لله مصابيح الطريق، ورفاق المحب والصديق، يجمعهم حق رسول الله بكوثره ورسالته، العروة الوثقى بين الخلق والحق بعالمه.

الإمام… هو الإنسان الأول في جماعته. وهو الإنسان الأول لكـل مفردات جمعه. وكل فرد في جماعته هو الإنسان الثاني معه، وهـو له الصِّديق وبه الفاروق، ومنه الابن للروح، وفيه الأب للجسد. هـو معه دورة الحياة، بدوائرها لا تحصى ولا تحصر. هو مع متابعيه البداية والنهاية لهـم، وهم معه البداية والنهاية له. الأئمة هم الربيون أو الربانيون أو الأرباب بالله في أُمة كل نبي {وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير}[٣١] في حرب النفوس الحرب الضروس المشعلة دائما بين الحق الخالق والباطل المخلوق بين العقول والنفوس.

إن الإمام للمأموم هو الدين… وهو الكتاب… وهو السنة… وهو الطريق والرفيق… وهو الحق والسداد، والحظ والتوفيق، وليس لمؤمن مع إمام أن يكون إماما لمؤمن مع إمامه. وإن تفاوتت أقدارهم ومعارفهم، ولكن هو مؤمن مرآة مؤمن في قائم الإمام، مرآة للأعلى لمعنى المؤمن والرفيق الأعلى لقائم بالله ورسوله، في الله ذي المعارج.

فإمامة الأنبياء في أممهم مفروضة من الغيب، وإمامة أصحابهم لمن رآهم أو لم يرهم من بعدهم، منهم بهم مسنونة، وليس الرسول بدعا من الرسل في ذلك، أما في شأن رسول الله لموصوف بيت موضوع يذكر فيه اسم الله وهو أمر هو صاحب الأولية فيه، فهو شأن آخر، تجاوزت به النبوة أوضاعها السابقة عليه، وأصبحت النبوة وحكمتها وكتابها أمرا قائما في بيته لعترته، ممن واصلوا عمله وبصيرته، ممن كسبوه روحا ودما وعلما وبصيرة، وخلقا وخلقا على ما كانت عليه دعوة أبيه إبراهيم، وما كان من أمره. فبذلك حققت البشرية خطوة تقدمية لكسب الحق بجعل معنى النبوة لمن يصطفي ويقيم هو من عترته، إذ يقوم ويتقلب في الساجدين بإرادته مظهرا لإرادة ربه ورفيقه الأعلى، وبذلك تأخرت الإمامة المسنونة لأصحابه عن موضعها منه، إلى موضعها من العترة (من كنت مولاه فعَليٌّ مولاه)[٣٢]. وتعرض أصحابه للاختبار في إيمانهم به حقا وأمرا متواصلا متصلا، وبذلك أخذ الرسول وضعه من قومه، لموصوف الحق عندهم قيوما عليهم بقيامه خلف حجابه بعترته، لقائم ملائكته وأهل حضرته.

إن الأمة المحمدية لم تنتفع بعد بإمامة مفروضة أو مسنونة على ما يجب أو على ما يمكن، وإن قامت بها ظلال لرسول الله، لم تتهيأ لها الأسباب للانتشار بأنوارها بسبب التحريف الباكر لما جاء به الرسول وكتاب الله معه، ومقاومة الأمة لها وكنودها معها، وعجلة معظمهم للأمور بأمرهم، وحرصهم على المجد الذاتي لأنفسهم عند الناس لنقص أحوالهم عن بلوغ الكمال المهيأة أسبابه لهم، برغبتهم في بقاء ذكرهم بينهم، مما أضفى ستارا كثيفا على الحق القائم في دوام برسول الله خفيا بينهم، قائما ظاهرا بيتا لهم، سائرين في ذلك على خطو وسنن أصحاب الرسول وما كان منهم في شأن أنفسهم منه كنودين، وقائمه منهم جاهلين، وقيومه بينهم منكرين جاحدين غافلين، لأنفسهم ظالمين، وما كان منهم معه بعترته بينهم لحكمة اقتضتها إرادة الله لسلامة الدعوة المحمدية من شوائب الشرك والخلط والبهتان، حتى تقوم بين الناس على متواصل خطو وئيد ثابت مسنود بالعلم والواقع حتى يتبين الحق بموجوده لنفسه بالوجود عند المتواجدين بـه، على ما قامت عليه رسالة الفطرة لمن يعيها به، بمن وعاها في مراحلها ورحلتها وارتدادها بناموسها الفطري من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب في دورة سرمدية، كانت الرسالة المحمدية العروة الوثقى بين حلقاتها الشرقية والغربية، وقائم جماعها في اُمة تجمعها، بخالد صورها وألوانها ومعارجها وأزمانها، وأطوارها الصمديـة، الأرض لإنسانها مزوية والسماوات له مطوية، وحاله للكـل معشوقة منشوده مرضية، الله يمنحها منه إليه به للمؤمنين بالله ورسوله عطية وهدية…

يوم توضع الأمور في نصابها، عن إدراك لها وإيمان بها، يوم تلبي الأُمم الأُمة المحمدية، عند تواجدها كلما تواجدت، بالحق لها، بدعوة به، فتجادل لبيان الحق للإنسان بالإنسان في الإنسان مبشرة، مبينة مُعلمة معلِمة عن قائم حق الله بالوجود، ومنشود الحق للإنسان لنفسه، بعمله، ليتواجد بموجود الله له بأمانة الحياة.

فتخاطب أهل الكتاب، تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، قامها رسولنا وقامتها رسلكم، ويقومها المؤمنون بالله ورسوله، غير مفرقين بين رسلـه في قديمهم، وغير منكرين عليهم في جديد بقائهم لدوام رسالة الله إلينا، (لا شرف لعربي على أعجمي إلا بالتقـوى)[٣٣].

روح الله لنا ولكم، وعلمه بنا وبكم، وعلمه وهديه لنا ولكم. فتعالوا إليه معيتنا ومعيتكم، فلا نعبد إلا الله، ولا نشرك به أشياءنا وما ملكت مـن أشيائها، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دونه، هو لنـا عبادا وأربابا، وليتخذ بعضنا بعضا أربابا به لنا عباده وحقه، وبـه لهم أئمتنا ووجه لوحدة جمعنا، عَلم وحدانيته، حول قبلة له بيننا، بهيكل يسري فيه بنوره، وتسري منه إلينا أنواره، رأس وقلب مجتمعه، نواة الحياة لمجتمعنا.

ولنؤمن بالإنسان بقائمه في أُلفته في جمعه، في عَلميته على غيبه، بحقه له من النور والظلام. ولنعلم أن الإنسان في وتره بحقائقه لظاهره، لموصوف الابن والأب والآب، في غرفة كونه، لقائم داره بالكون، في مطلق الوجود، لا نشهد في سفور رسالته بقدس الحياة لنا على أرضنا، من قائم الحياة به إلا مقام الابن له، وفي سماواتنا إلا مقام الأب له، وفي عقائدنا إلا قيوم الأب لمتحرره في الوجود، مسيحا وعَلما لقائم الحق في مطلقه، وبه الإطلاق للمسحاء به فيه له، طبقا عن طبق من السمو في العليّ به لقائم الله لا شريك له.

إن الخدمة الزمنية على الأرض، هي لظل الابن، بقائم الآدم، لخلقه بحقه. والخدمة الروحية لطالبها، لظل الأب، المتخلي بمقام الآدم لمصطفيه، لمعنى خليفته، أو لمعنى الابن له، لقائم الآدم قبل الآدم. أما الاستعانة والمدد من قيوم الغيب، لواجب الوجود، عند الموجود بـه، فهي للآب، بقدرته وعزته في قربه وبعده، قياما في حي الوجود المطلق، الغني عن العالمين، يتواجد بظلاله بيننا ولا يظهر لنا.

وإن حلقة الاتصال بين هذه الحقائق في وحدتها لوترها، وبين الناس في وحدتهم بخلقهم لحقهم، هي لما نسميه رسول الله، لعالم ما بينهما بحقائقه وخلائقه.

إن ظلال الآب والأب والابن ماثلة في حياة البشرية دائما، ولكنها أمور يمثلها مفردات لا تظهر ذواتهم للناس إلا لأهل القلوب بتآلف القلوب، على قائم ذكـر الله من ظلال ظلالهم، (رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره)[٣٤]، (أخفى الله الولي في الخلق)[٣٥]، والبشرية فـي مراحلها وأطوارها إلى غايتها بالحياة في قائم دائم بها. لم يظهر لها برسالة الحياة بين مفرداتها في سفور بحقه لحقها إلا قدم الابـن بين حقائق الإنسان بالله، ولم يظهر لها في عالم وحياة الروح إلا قَدم الأب، ولم يلاقي عارج منها في معراجه متحررا من الزمان والمكان إلا قَدم الآب، في مطلق الوجود، لقائم وقيوم الله.

وهذه الأقدام، في عوالم الروح، وظلالها في البشرية، هي حقائق الإنسان، وهو ما لم يقم تعميم أمره وإدراكه بعد، في قائم بشرية الأرض أو بشرية الروح لها، ليتلاحق به المتحررون من سجن المكان وقيود الزمان في العالمين فرارا إلى الله برسول الله، لدائم قيام به فيه، في حضرة الرشاد، القائمة بناموس الوجود، في كل الوجود، طليقة فيه، حرة بعزته، وهو ما أسمته الديانات القديمة بالفردوس الأعلى من الجنان، وجوه لله في لقاء لوجه لله، بدعوة كل أُناس بإمامهم، بقانون أَذن في الناس بالحج يأتوك.

إن الذات المحمدية، بآدم إنسانها بين آدميه، أمرا وسطا بينهما، لحق رسول الله لحقهما، بحقه، في استيفاء علمهما بعلمه. قدمتها الفطرة كافـة للناس لكسبهم واستقبالهم، قانونا فطريا ثابتا في أمر الإنسان، إعمالا للقانون الثابت في الطبيعة للفعل ورد الفعل. وهو الناموس الذي كشفه الروح الأمين في قوله للرسول (منك وإليك يا رسول الله)[٣٦]. وهو ما يقوله كل روح أمين لإنسان تُوفي إلى معنى الإنسان أو الرجل الرشيد في متابعة رسول الله، إماما بمعناه لكل كاسـب لمعناه، في موجود الوجود بالله، وهو ما كشفه رسول الله، عن الأعلى له، وأنه عينه، بما حَمل إلينا في قوله له (لا فرق بيني وبينك)[٣٧]، وهو ما قامه رسول الله بيننا، لاقتدائنا وعلمنا، لقوله لعليّ وحسن وحسين ظاهرين لنا من أصول عترته فرعا وأصلا له هم مني وأنا منهم، لدورة الحياة الخالدة، وقد بدأت حديثها منه به إليه عن تواجداتها الخلقية بدءً من القاع لتصاعد إلى القمة لتمام آدمها، ثم استقبلت نور الحقيقة لذاتها، لأول البعث بحقائقها، فكانت بذلك للناس في قائم ودائم مثاليتها، بإمامة قيامها، بكوثرها، بالوجود لها لا يبتر، شجرة مزهرة لا ينقطع لها ثمر. فكان بذلك معلم البشرية، ورائد الروحية، زويت له الأرض وطويت له السماء، وتبلغ أُمته ما زوي له من الأرض، وما طوي له من السماء.

ويوم يتحقق للبشرية في قائمها لظاهرها ما أصبح لباطنها به، يقـوم ويدوم به على الأرض السلام، ويستقيم بين أهلها الكلام بظهور به لهم، للاقتداء بها، الأعلام.

قام السيد الروح المرشد (سلفربرش) عن طريق دائرته في القاهرة من مدن الشرق الأوسط بين دوائره المتعددة في الشرق والغرب، لنشر رسالته العامة للعالم أجمع في ألوانها المتميزة بقصد خدمة البشرية خدمة عقائدية أو علمية أو علاجية تُقَدم لطالبيها والمفتقرين إليها. قام هنا بخدمة إرشادية وعلاجية متواصلة في عدة جلسات من كل أسبوع لأكثر من ربع قرن حتى الآن، يباشر هو مع مظاهريه لداني مجاله لنفسه، من قائم عينه من حقائق عالم الرشاد، مرشدا… مهيمنا… مدربا… كما باشر بمعاونيه وعلى رأسهم، السيد (إيجـل) الروح المرشد بمقامه، الخدمة العلاجية التي يؤديها بصحبته، كما باشر بآخرين، كان على رأس فريق منهم السيد (فِزر) لخدمة علمية وإرشادية وعلاجية في بعض الدوائر الفرعية لدائرة القاهرة.

وقد واصل هذه الخدمة هنا، هذه الفترة الطويلة بعيدا عن تقديم شيء من الظواهر المادية التي قدمت الرسالة الروحية الكثير منها في الغرب، والتي سوف يكون لها في القريب العاجل في رسالة هذه الدائرة دور له خطره وعلى صورة متميزة.

استدعى السيد المرشد بعد سنوات قلائل من بدء نشاطه هنا مع بعض المشتغلين بالاتصال الروحي السيد الرائد الأُستاذ (رافع) للقائه، فاستجاب لدعوته طيبا بها، وفي هذا اللقاء دعاه السيد الروح إلى مواصلة هذا اللقاء بالاشتراك في جلسات التدريب التي يعقدها السيد في نظام دوري مساء يوم الخميس من كل أسبوع، فلبى بالاستجابة لهذا اللقاء مرحبا به، وسار مع السيد في طريقه ومدرسته ورسالته معملا لها في نفسه، عاملا بها في جمعه، روحا لروح… وروحا لذات… وذاتا لروح… في صفاء كامل وجد شامل.

دخل بذلك السيد الرائد مرحلة جديدة في الحياة وفي الطريق، إذ كان قد تم تدريب حضرته وسلوكه في طريق القوم، إلى نهاية ما عندهم من المقامات والأحوال لمبنى ومعنى الذات لكائن يطرق باب الحياة في الكينونة العامة لقائم كون في الوجود، وقد اجتاز مع مؤاخٍ له منهم كان بقية من أثر القوم بظاهرهم لباطنهم، فنى عنه إليه متوحدا معه، ذاتا لذات، ونفسا لنفس في قائم النفس الكلي، لمحل اعتقادهما لإنسان رسـول الله في ظاهره لعَلمنا، طلبا لنفس رسول الله في باطنها لعلمه، واعتقادا وإيمانا بنفس رسول الله في علم الأعلى لـه، حتى إلى نفس الله لمعبودنا، وواجب الوجود لوجودنا، في علمه ومعلومه له، لا شريك له في علمه بنفسه عن نفسه لنفسه.

وبالعناية تلاحقه من الله ورسوله، اجتاز الفترة الحرجة لنقطة الانعكاس الزمني وهو ما تعثر فيه الكثيرون من طالبي الحقيقة مما وصفه القوم بأوحال التوحيد، فمن الناس من آمن بالماضي وكفر بالحاضر، ومن الناس من آمن بالحاضر وكفر بالقادم أو المستقبل… فالانعكاس الزمني يمحو وصف الزمان بالماضي أو بالمستقبل لمعنى الأصل والفرع للوجود وما يتواجد منه لقائم الأشياء وما تنقسم إليه أو يتفرع عنها أو يتوالد منها، أمرا ماثلا للإنسان في الأب والابن إلى لا أب ولا ابـن، ولا ماضي ولا مستقبل، لدورة الحياة في قائم الوجود، وهو ما يدركه سالكو الطريق بما يقوم من الاتحاد بين المفردات البشرية والإنسانية بقائـم لها لموصوف السابق مع اللاحق، أو لموصوف اللاحق مع السابق، بمن يتآخى معه المؤاخي، من الناس، بالقبل والبعد معه، لقائم الأمر الوسط لقائمه بحاضره، علما وعملا، قياما وتخلقا، وهو ما تعثر إدراكه لمصاحبه من بقية الماضي، تخلفا عـن الركب مع أئمة اعتقاده، لحكمة اقتضتها إرادة الله ورسوله لأمر الطريق في جديدها، متميزة به عن معلوم قديمها.

وبالعناية المتصلة، اجتاز أيضا عقدة الانعكاس الكوني في متبادل الكينونة بين موصوف الأعلى والأدنى والأصغر والأكبر في الكائن بهما إلى كيان لهما، حتى لا أعلى ولا أدنى، ولا أصغر ولا أكبر، ولا أب ولا ولد، في قيام وحدانية جمعه بمصاحبه، ومن تعلم عنهمـا لحسـه وشهادته، فرد في جمع، وجمع في فرد، فلا معلم ولا متعلم، لا موجد ولا وجود، شتات بجمع تجمع في فرد، وفرد متجمع تشتت في جمع، وهو ما تعثر فيه مصاحبه في النهاية، لزمان اجتماعهما، على الحق فيهما لنشدانه، وكان ذلك تحقيقا لما كشف لصاحبه عن أمره في بداية سلوكه مع معلمه، ولم يفد منه بإدراكه على ما يليق بالمعرفة، وبذلك كان صاحبه، وما تكشف به من الحق في قائم أمره بذاته ونفسه ومعناه، مدركا له، محوطا منه، كتاب علمـه، وبما جرى أمامه على ذاته كان معلمه حقا وحقيقة، إذ لم ينكر هـو على نفسه عند نفسه قائمة بما شهد من أمر صاحبه، متعظا به، مدركا لأمر الإنسان في ربه، وكنوده مع إنسان ربوبيته في صحبته، دخولا في الإيمان وخروجا منه، بدخول في إنسان وخروج منه، لعلم إمكانية الدخول وإمكانية الخروج، بما وقع أمامه ولمشاهدته مـن دخول صاحبه في شيوخه وخروجه منهم، على ما شهد في قيامه بقائم شيوخه لقيامه، لموصوف مريد لصاحبه، صادقا في صحبته، راكنا إلى الله ورسوله في أمره.

وبالعناية تلاحقه، قدم السيد الروح المرشد من الحكمة ما وافق باطنه بها، قدمه بالأقوال والأحوال، بالإشارة وبالعبارة، بالإفاضة وبالإلهـام، استقبالا من الإحاطة أو من الأعلى أو نبعا من الذات، بيانا لما بين يديه من الكتاب ومواصلة لما كان له من تذوق فيه، ووضع قائم به، فعرفه فيما كان، ما كان له إلا منه، فاستقبل منه أضعافا مضاعفة من الإدراك، ومن الشعور بالافتقار لمزيد من المعرفـة، وما زال، حتى فنى عنه إليه، وصار به معه، روحا متجسدا، روحا صغيرا في روح كبير لروح أكبر يواصل مسيرته لصلاحيتـه بمراقيه الخلقية والحقية في معارج الطريق للذات والروح، تلاحقه نعمة الله، بعيدا عن تزكية نفسه، بإدراكها، فما زالت دون ما يصبو إليه، راغبا في المزيد بصحبة مرشده، من الاتحاد الزمني للماضي وللمستقبل مـن أعماق الأزلية والأبدية، لقائم الحاضر بكرته، في قائم الكينونة المتوحدة لمتوسع الأنا الوجودي لذاته ومعناه في مجال ارتباطه بإمامه الروحي، مع وجهه الظاهر له به، بحقائق الرشاد، هي في مظاهرتهما، لقائمهما بها، لمواصلة الرسالة الحقية لإقامة السلام بنشر الوعي الصادق عند العقل عنه، وعند النفس عنها، في قائم الله لهما في المجال العامل بهما، في الوجود الجامع لكليهما، حتى إلى مرحلة أكثر سفورا، وأكثر قوة، وأكثر تمكينا، وأكثر انتشارا، بروح وذات، لموجودهما النوعي في الوجود القائم لهما.

كما كشف له عن الرباط القديم بينهما، بالروح والأسرة والدم، وما يربطهما بالوعي والغاية، والأهداف والعمل، في وحدة للكينونة، ذاتا وروحا، وروحا وذاتا، في وحدانية النفس الإنسانية الكبرى، لنفس إنسان رسول الله، لمعنى الرب أو الرفيق الأعلى، أو قيوم القديم على محدث القائم. كما كشف له عن معلومه هو عنه، مما يجهل بحكم قيامه فيه، وقد ذكر له أنه في كرته القائمة يقوم بما سبق أن قام به في خمس كرات سابقة في الدورة الخالدة لآدم، وأنه كان في صحبته في كل كراته على ما هم في قائم صحبتهم، ومتجدد رسالتهم، مشيـرا، ومذكرا له، أنه مع ارتباطه به هو في رباط مع الأعلى لهما، بناموس وحدانية الإحاطة للأعلى، بالعلِيّ والأدنى، في قائم المحيط، بلا اتجاه.

كما أعلمه وكشف له عن بعض الشخصيات العاملة معهما، المشار إليها بأسماء رمزية، مشيرا إلى معلوم مجال لبعضها عند البشرية بالمقدسين في الديانات المعروفة عند الناس، لقائم الأمر الوسط لهم، كما جمعه على كثير من الشخصيات العاملة دون ظهور في ميدان النشاط الحالي، في أسمائها الرمزية أو الواقعية، لقائم الأمر الوسط لها، بما يكشف عن خطر الرسالة القائمة، ومقام العاملين فيها، لموصوف حقائق قديمه مع قديم حقها، تقوم اليوم على البشرية في حاضرها لها، خلقا منها أو أبناءً لها، في قائم إحاطتها لعَليّ محيطها، جمعا للأدنى على الأعلى لقاءً فيها.

وأسفر له أيضا ببعض جوانب شخصيته لحقائقه، مما نزعمنا نعرف بأسماء نرددها لأقداس نذكرها، وبذلك ميز له بين النفوس والعقول والأرواح والأشباح ومثاليتها من الغيب ومن الشهادة بالإنسان في ألوانه.

إن الرسالة القائمة بالاتصال بين العالمين الآن، يجب أن تنسب بكلها وكليلها لعالم الروح والأرواح المرشدة العاملة منه، القائمة بالتعريف عن الحق الأعلى والأدنى، وإقامتها للحق عند طالبه، فهي رسالة الوجود بالحق عند موجوده، بالكون لنفسه.

أما رواد الرسالة من البشرية سواء كانوا أرواحا متجسدة بين الناس، أو في عوالم البشرية من الروح لقائم كلمات لله، أو وسطاء غيبوبة واعية، يحملون للناس حكمة الغيب عن الشهادة، أو وسطاء غيبوبة كاملة يحملون أنباء الروح، أو علماء وحكماء وفلاسفة، أو أدعياء للعلم والفلسفة يجهلون قائم وساطتهم ويفيضون على الناس من نبع ذواتهم، فهم مجرد نصب مقامة للرسالة للهداية أو للاختبار في العالمين، قامت بهم غرف للقبلة لإقامة الصلاة لهيكل يذكر فيه اسم الله في العالمين، أو نصب للهداية أو للفتنة في العالمين… وهذا ليس أمرا غريبا على البشرية، وليس جديدا عليها في العالمين.

فالبشرية في قائمها بحقها بعالميها من الغيب والشهادة عالم من عوالم الروح. وهي بين ما فوقها وما تحتها من عوالمه، عالم التقائهما لمعنى سدرة المنتهى لهما، والسماء السابعة عندهما.

إن رسالة عالم الروح القائمة الآن هي أخطر من كل ما سبق من رسالة للسماء، هي أخطر مما يتصور الناس، وأخطر مما يصح أو يمكن أن يتجول في خواطرهم، وستكشف الرسالة بعملها وبما سيشهد الناس من الأحداث، يجهلون مصدرها، أو يعلمون مصدرها، أو يزعمون علمهم بمصدرها مما يقع أثره على حاضرهم ومستقبلهم وماضيهم أيضا ما هم معرضون له، وما هم قائمون فيه فعلا، وما هو ناموس حياتهم.

وإنهم بيقظتهم لخطرها، وغفلتهم عنها، يكيفون هم لون الأحداث التي يتعرضون لها ومداها. إن الأحداث آخذة الآن وضع رد الفعل المقارن للفعل نفسه قرين إتيانه. إنها أشبه ما تكون بصدى الصوت لمـا يصدر عن الأرض موحى إليها من حَق ومن جلبة وهراء وافتراء يصطرعان، لأن ما هو متجمع في العالمين بفعلهما في دورة الزمان لبدء لها، أصبح باتصال العالمين بمعلوم الحق لهما وقيامه بهما، أصبح الحق في سفور بقائمه، وأصبح أمر الله بالناموس لقائـم الناموس على ما هو لموصوف خلق الله وحقه بالكون في حالـة سفور، بكشفه للأعمال بلا إمهال في قائم الأمر بلا إعجام، حتى يتبين للعالمين أنه الحق في قائمه لدائمه بحاضره، في كرة الحاضر بقائمها ليومها اجتمعا لها طرفا الزمان، ظهر بهما في قائم أمرهما بأطواره في قيامه، حقي الإنسان، على تباعد بين أشتاته تكشف عن خلقة الزمان المعلوم بأطواره وبحركة المكان.

فالإنسان لأمره بمعناه وكونه مركزا بين قوسين لبدئه وتمامه لقائم دائرته لظاهره وباطنه، بالعوالم والأكوان، بفرده لجمعه بأشتاته، وجمعه بأشتاته لفرده لجماع ذاته.

إن الأحداث الدنيا تتكرر على وتيرة واحدة، وإن اختلفت الأمكنة والأزمنة والأسماء، وهو أمر يدركه المتأمل ولا يختفي على الحكيم، ويقبله العاقل، ويحسه الصادق، ويقوم فيه السالك، ويعتقده الفارق. إن الأحداث إنما هي حديث معبر عن معاني سامية مرادة من المتحدث بها إلى المتحدث إليه عنه فيها. إنها حديث وأمر الموعود لكل موعود في قائم الوجود.

إن الحياة المادية الزمنية لا تتجاوز في تقديرها في مدرسة الحقيقة أن تكون حروفا بارزة على صفحات الأثير، يقرأها المتعلم للقراءة، ويعيد كتابتها المتعلم للكتابة، في مدرسة الحياة لأبنائها من إنسانية الرشاد بكلمات الله لمعاني الآباء أو بكلمات الله من الآباء، لمعاني الأبناء في قيام حضرة الذات بحقائقها أو لمعنى الأشباح والأرواح في قيام الوجود بأكوانه وعوالمه. إنها أمر الإنسان، عند أخيه الإنسان وعند نفسه، في قائمه وقادمه من قديمه. إنه الإنسان أولا وآخرا ودائما.

ولكن الإنسان لا يريد أن يتعلم ليعرف عنه بحديث وعلم ومعرفة عن إنسان يعتقد صدقه في معراجه في الحقائق والأكوان، ويريد أن يضع تحت نظره وسلطانه وبيانه حقائق الرحمن. وإذا زعم الإيمان بإنسان على ما هو عليه في العرفان ووصفه مسرفا بما لم يكن لهذا الإنسان في الحسبان، وبما لم يكن له بحق في الوجدان. الإنسان بخلقه جبلته الكفران وحاله الطغيان، والإنسان بحقه فطرته الإحسان، وحاله الإيمان، وحديثه العرفان.

فإذا قال رسول الإسلام والسلام إن رسالته فطرية، وأن الإسلام الذي جاء به هاديا ومعلما هو (دين الفطرة)، أي وعي الكائنات بفطرتها قائمة في وعيها، أو أن الفطرة بقائمها هي قائم الحق وأن ما جاء به إنما هو ما صدر عن قائم الحق، في قائم وحدة الفطرة في حقها لها بلا شريك، فلفظ “فطرة” فيه الدلالة عن اللفظ المشير إليها المصطلح عليه لاستعمالنا بيننا بكلمة (الله). فسواء أردنا بدين الفطرة استقامة الكائنات لفطرتها، أو أردنا سلطان الفطرة على كائناتها، لمعنى العبد والرب عند كائن الإنسان، فكلا الأمرين من الرسول مقصود بتعبيره (الإسلام دين الفطرة)[٣٨].

إن الخطأ الشائع عند الأمم القائلة بالدين، للفظ الله، أن ترى في الرسالات التي هي عندها - وهي ليست إلا تاريخ حياة إنسان وأحواله- دلالة أو تعريف عن الغيب أو الغائب لمسمى الله، بما تحدث به هذا الإنسان وجماعه ألصقت نفسها به من ألفاظ يتناقلونها، ويقدسونها ويجمدونها، ولا يأكلونها ولا يشربونها ولا يهضمونها ليكونوها فيكونوا كيانها، فيتجددونها ويجددونها، فيتجدد إنسان إعجابهم ومثاليتهم بناموس الفطرة، في كل معجب به، في أطوار حياته متواصلة لقائمه الفطري، ما بين الأصول والفروع له لقائم إنسانه لذاته لتواجد الأنانية روحا صار لقائم القديم من أرواح الآباء، وقائم القادم لأرواح الأبناء، لبعث الآباء بهم من خلاله، ذاتا وأرواحا بين الأرض والسمـاء، حتى تمامه لتمثيل الفطرة تمثيلا صادقا (بكلمة الله) له لقائمه ومعناه. فلفظ الله باستعماله في الديانات منصرف إلى الإنسان إنسان الفطرة في تمامه لا إلى الفطرة في قائمها المطلق.

فإذا غيب الناس الله لمعناهم ومعنى الوجود من حولهم، إلى منشود بعيدا عن موجود الوجود، وقائم الفطرة، فقد ضلوا الطريق لتطورهم إلى المراد لهم، وحرفوا الدين إلى ألفاظ ضلوا بها، ولم يهتدوا بإعمالها لكشف أمرهم في أنفسهم. وقد جاء محمد تمام إنسان فطري يقول للناس في أنفسهم قولا بليغا، بمقاله وحاله وصحبه وآله، مبشرا ونذيرا… مبشرا بما للإنسان من فطرته، ومحذرا له من عدم إعمالها وآلام كشفه يوما لفقدانها. وكان بأمره كافة للناس، فكان بوعيه رسولا مرضيا عند من ارتضاه لنفسه، مقبول به من قبله، عند من لنفسه قبله لعنونته، من قديم الإنسان لمحدثه. فخوطبت البشرية منه من قديمها لها، {اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا}[٣٩]، في الإسلام للرسول بينهم مخاطبا {وتمت كلمة ربك}[٤٠] بتمام أمرك.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة النور- ٣٥ ↩︎

  2. سورة النحل – ١٢٧، ١٢٨ ↩︎

  3. سورة التوبة – ١٢٨، ١٢٩ ↩︎

  4. حديث شريف. أخرجه البخاري ومسلم بلفظ: “كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم.” ↩︎

  5. تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎

  6. من حديث شريف: “حياتي خيرٌ لكم تُحدِّثونَ ويُحدَّثُ لكم ووفاتي خيرٌ لكم، تُعرَضُ عليَّ أعمالُكم فما رأَيْتُ من خيرٍ حمِدْتُ اللهَ عليه، وما رأَيْتُ من شرٍّ استغفَرْتُ اللهَ لكم”. أخرجه النسائي والطبراني. ↩︎

  7. من الحديث الشريف: “لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الدِّينِ ظاهرينَ، لعدوِّهم قاهرينَ، لا يضرُّهم مَن خالفَهُم؛ إلَّا ما أصابَهُم مِن لأواءَ حتَّى يأتيَهُم أمرُ اللَّهِ وَهُم كذلِكَ. قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، وأينَ هُم؟ قالَ: ببيتِ المقدسِ وأَكْنافِ بيتِ المقدسِ”. أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. وعبارة “حتى تقوم الساعة”، من الحديث الشريف: “لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة.” أخرجه الحاكم. ↩︎

  8. عبارة للسيد رافع يمكن فهم معناها ومغزاها من السياق. ↩︎

  9. إشارة إلى حديثين شريفين: “إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض”. أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده. و"إني تارك فيكم ما إن استمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما". جاء في سنن الترمذي: ↩︎

  10. من الحديث الشريف: “أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ.” صحيح ابن ماجه. ↩︎

  11. حديث شريف ذكره ابن العربي الحاتمي عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله خلق مائة ألف آدم”. واستعمال كلمة “آدم” عند السيد رافع لها معان كثيرة تناسب السياق الذي جاءت فيه. ↩︎

  12. استلهاما من الحديث الشريف: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم “قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوة؟ قال: وآدم بين الروح والجسد.” أخرجه الترمذي، وأحمد بلفظ مقارب، والحديث الشريف “إنِّي عندَ اللهِ مكتوبٌ خاتمُ النَّبييِّنَ، وإنَّ آدمَ لمنجَدلٌ في طينتِه…” أخرجه أحمد وابن حبان باختلاف يسير. ↩︎

  13. حديث شريف ذات صلة: “إنِّي عندَ اللهِ مكتوبٌ خاتمُ النَّبييِّنَ، وإنَّ آدمَ لمنجَدلٌ في طينتِه…” أخرجه أحمد وابن حبان باختلاف يسير، وأخرجه البغوي في ((شرح السنة)) واللفظ له. والحديث الشريف “أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوة؟ قال: وآدم بين الروح والجسد.” أخرجه الترمذي، وأحمد بلفظ مقارب. ↩︎

  14. حديث شريف: “إن أحبكم إليّ أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إلي المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة”. أخرجه أحمد والطبراني وابن حبان. ↩︎

  15. عبارة مرتبطة مع جاء في بعض الأدب الصوفي من حديث “كنت نبيا وآدم بين الماء والطين”، ثم زاد العوام عبارة “كنت نبيا ولا ماء ولا طين.”. ↩︎

  16. (َأنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي.) (يو ١٤: ٦) ↩︎

  17. قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا" (يو ١١: ٢٥) ↩︎

  18. سورة آل عمران - ٣١ ↩︎

  19. “إِذًا لَا شَيْءَ مِنَ ٱلدَّيْنُونَةِ ٱلْآنَ عَلَى ٱلَّذِينَ هُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، ٱلسَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ ٱلرُّوحِ. لِأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ ٱلْحَيَاةِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ ٱلْخَطِيَّةِ وَٱلْمَوْتِ”. رُومِيَةَ ٨:‏١-‏٢ ↩︎

  20. الحديث الشريف: “مثل أهل بيتي مثل سـفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.” أخرجه الحاكم في المستدرك. ↩︎

  21. سورة مريم - ٣٣ ↩︎

  22. سورة الكوثر- ٣ ↩︎

  23. سورة الكوثر - ١ ↩︎

  24. استلهاما من {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين} سورة الشعراء - ٢١٩سورة الشعراء - ٢١٨ - ٢١٩ ↩︎

  25. سورة الأنعام - ١٢٢ ↩︎

  26. سورة النحل - ١٢٠ ↩︎

  27. سورة آل عمران - ٦٨ ↩︎

  28. سورة الانشقاق - ١- ٥ ↩︎

  29. سورة يس - ١٤ ↩︎

  30. سورة يس - ٢٠ ـ ٢١ ↩︎

  31. سورة آل عمران - ١٤٦ ↩︎

  32. حديث شريف، يوم غدير خم، بعد حجة الوداع، حيث أخذ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، بيدِ عليٍّ رضي الله عنه، فقال ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسِهم قالوا بلى قال ألستُ أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسِه قالوا بلى قال فهذا وليُّ من أنا مولاه اللَّهمَّ والِ من والاهُ اللهمَّ عادِ من عاداهُ. صحيح ابن ماجه، أخرجه ابن ماجه وأحمد. ↩︎

  33. حديث شريف: “يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى.”. أخرجه أحمد بن حنبل. ↩︎

  34. حديث شريف: " رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، ذِي طِمْرَيْنِ، تَنْبُو عنه أَعْيُنُ الناسِ، لو أَقْسَمَ على اللهِ لَأَبَرَّهُ". أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) بلفظه، وأصله في صحيح البخاري ومسلم بنحوه. ↩︎

  35. مقولة للإمام عليّ (عليه السلام): إن الله أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته، فلا تستصغرن شيئا من طاعته، فربما وافق رضاه وأنت لا تعلم. وأخفى سخطه في معصيته، فلا تستصغرن شيئا من معصيته، فربما وافق سخطه معصيته وأنت لا تعلم. وأخفى إجابته في دعوته، فلا تستصغرن شيئا من دعائه، فربما وافق إجابته وأنت لا تعلم. وأخفى وليه في عباده، فلا تستصغرن عبدا من عبيد الله، فربما يكون وليه وأنت لا تعلم… بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎

  36. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  37. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  38. إشارة إلى الآية الكريمة {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} والحديث الشريف: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ. صحيح ابن حبان. كما أخرجه البخاري ومسلم مطولا. ↩︎

  39. سورة المائدة ٣ ↩︎

  40. سورة الأنعام - ١١٥ ↩︎