(١١)
ماذا ننتظر بعد رسول الله
روح قدسه لا يحتجب ولا يغيب
وهو في كل يوم وفي كل قوم في شأن من لباس جديد
حديث الجمعة
٧ ذو الحجة ١٣٨٤ هـ - ٩ أبريل ١٩٦٥ م
قل جاء الحق… قل هو الله أحد.
الله لا إلـه إلا هو، الحي القيوم.
ذكِّر إن نفعت الذكرى، سـيذكر من يخشـى، ويتجنبها الأشـقى.
بُرِّزت الجحيم للغاوين، وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد… ولمن خاف مقام ربه جنتان… وجنى الجنتين دان… إن الدين لواقع.
قل انتظروا، إني معكم من المنتظرين، بعترتي وأهل بيتي عاملين، كادحين، لخلاصكم قياد وسـفين، حي في قبري مع الرفيق الأعلى لا يعزلني عنه بجسـد سـجين، (تُعرض على أعمالكم فإن وجدت خيرا حمدت الله وإن وجدت شـرا اسـتغفرت لكم)[١]، تنشـق الأرض عني كوثرا بي وكوثرا لكم. تنشـق الأرض عني في دوام أولية لعابدين. وأقوم بينكم في سـلام بمن امتد فيهم بنور الله أُنزل معي. رحمة للعالمين جئتكم، ورحمة للعالمين أجيئكم، ورحمة للعالمين فارقتكم، ورحمة للعالمين أفارقكم.
أتخلق بأخلاق الأعلى دائما، وأقومها بينكم لتقوموها، على ما قمتها بينكم معلوما منكم مشـهودا لكم. لكم من الله ما لي، وعليكم ما علي، قدوة لكم فردا أبرزت، وبالخير أُمة برزت، وللشـر حجبت.
ولو علمتم ما أعلم، لبكيتم كثيرا، ولضحكتم قليلا، ولاخترتم الرهبانية على التكاثر، فخيركم بعد الألف من القرون والليالي العشـر، لفجر قيامي إذا غم الأمر الخفيف، الذي لا زوجة له ولا ولد، يومئـذ (القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر)[٢]، (الأولاد مبخلة مجبنة)[٣].
أُمرت اليوم أن أخاطبكم على قدر عقولكم، وها أنا فاعل، وهكذا أفعل دائما، كلما أسـفرت، وبفعل لي ظهرت، أقوم وأتقلب في السـاجدين، ماحيـا مواتهم ووجودهم من الظلام، باعثا لهم فيهم حقيقتهم، رجال يؤمنون بي ولم يروني، هم أحبابي، لهم من الله ما لي، حتى تنشـق الأرض عني وقد جحدتم آيات الله بي لكم، فأحدثكم مرة أخـرى عن الله معكم، وعلى كل نفس قائم، ومن ورائها بإحاطته، وبهـا محيط، هي له وجه يبقى، ما حرصت على أمرها، وتفقده ما فرطت في أمر الله لها.
إن الله قد أعطى كل شـيء خلقه، الإسـلام دين الفطرة… فإذا ما تخلق الخلق بما أعطاه، سـالكا سـبيل الحيـاة، مجاهدا في الله، تلقى هديه من الله، وهدي الله إنما هو إلى سـبيله برسـوله {قل هذه سـبيلي…}[٤]، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سـبلنا}[٥]، {واتقوا الله ويعلمكم الله}[٦]، {ما يفعل الله بعذابكم إن شـكرتم وآمنتم}[٧]، {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة}[٨]، {لو يشاء الله لهدى الناس جميعا}[٩].
{ما خلقنا السـماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق}[١٠]، إن الذي تنكرون عليهم فعلهم غير مسـتقيم، فيما يعملون، ما قاموا فيه إلا بحكمته ولمراد له بهم، {ولو شاء ربك ما فعلوه}[١١]، {قل كل من عند الله}[١٢]، فتأدبوا معه، فيما تعلمون، واحمدوه فيما أبرز لكم وأظهر لكم بما تعلمون.
له الأسـماء الحسـنى، فاعرفوه بها. {إن الله كان عليما حكيما}[١٣]، {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محســنون}[١٤] واخفضوا جناح الذل من الرحمة اقتداء برسـوله، ولا تطيعوا من أغفل الله قلبه عن ذكره، (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)[١٥]، {فمن يكفر بالطاغوت، ويؤمن بالله، فقد استمسـك بالعروة الوثقى، لا انفصام لها}[١٦].
جعلناك للناس كافة العروة الوثقى، إن عرفونا عرفوك، وإن عرفوك عرفونا، (من رآني فقد رآني حقا)[١٧]، فإن الشـيطان وهو يجري من الإنسـان مجرى الدم، لا يتمثل بي، ولا يرتضيني مثالا لما يرجو، فلا تغلبوا معاني الشـيطان فيكـم، لناسـوتكم، على معاني الرحمة لكم من الله بي.
إن الله جامع للناسـوت واللاهوت في الناس من البشـرية، ليتعارف الناسـوت إلى اللاهوت، بموصوف العبد لموصوف الرب، في أحدية للحق، لا ينفصل فيها العبد عن ربه، ولا يترك الرب عبده لنفسـه في وحدة الروح والجسـد.
وها أنت يا محمد، رســولا منا، كافة للناس ارتضيناك، ولمرضيّ الكائن والشـيء اصطفيناك، ولمعنى السـلام والنجاة معنا أظهرناك، وبالحق بعثناك، ومن سـلطان المادة عليك حررناك، ومن وزرك منها خلصناك، وإلى ربك آويناك، وأخضعنا الدنيا لك لتكون لك منها عالما وكتابا، بمن والاك، وجعلناها مطية لك في مسـراك، وبالبراق مثلناها، لعقلك لقدمك بدنياك، وفي نفسـك لحسـك أسـرينا منك فيك ما أدراك بما أدراك، فكنت الناسـوت واللاهوت عروة وثقى لمولاك في مولاك، من الحَي في حيـاة الأحيـاء، الحي الذي لا يعرفه إلا الأحيـاء، في الحي الذي لا بدء لحيـاته، ولا انقضاء لحيـاته.
ها أنت البشـر الذي جُعل له الخُلد، مثالا للخالدين وقدوة للعالمين. ها أنت الحق والمثال لمن صدق معه له الوعد، على ما عرفت الكائنات وجودها لاسـم موجدها لطلعته من كنزيته، شـهودا لوجهه وقياما لخلافته على الأرض، وقد زويت لرسـوله أرض نفسـه وأرض رسـالته، فـكان جماع ملكوتها وجبروتها، وأمرها وأمورها ورحمتها ورحموتها، كان ناسـوتها ولاهوتها، كان الحيـاة لأهلها، والممات لباطلها، والبعث لحقها، والقيام لأمرها.
أمـرا لله جاءها لدوام… يا أيها الناس {أتى أمر الله فلا تسـتعجلوه}[١٨]، باقي الوجود، لوجه الموجد، به تتواجدون، يوم تتواجدون معه، مبـعوثين به، ظلالا للحق، هو بينكم ومعكم ومنكم. جاءكم ليتلو كتابه على مكث، ليكشـف عن نفسـه على مكث، ليكشـف لكم عن نفوسـكم مبعوثة به حية لله، غائبة عنه بعيدة عن الحيـاة على مكث.
بعث بالأعلى ليكون الحق… ليكون الحق الأدنى للحق الأعلى بينكم، وليكون لكم الحق عليكم يوم تقدرون الله حق قدره، فتضعون أنفسـكم في موضعها من الله، وتؤمنون بالله معه، هو يد الله إليكم، فتعرفون أنفسـكم لله به، رادين إلى يده معكم أمانته إليه من قيامه في قيامكم، دينـًا عليكم، هو دائنكم، وهو ديانكم، فتدخلون في أمر الله برسـوله أمرًا لكم، حتى لا يسـترد دينه منكم، أنتم على أمانته بالحيـاة الأمناء، فيحرركم الرسـول بحقه من سـجين مادياتكم، ويضع عنكم أوزاركم.
فأنتـم به الطلقاء، أنتم به عتقى القضاء، يتحقق لكم به الرجاء، وتجاب منكم الدعوة والدعاء، وقد لبيتم منه النداء، فتوفاكم، ووفاكم أجوركم، بموصوف الجزاء، وموصوف العطاء.
هذا هو رسـول الله في الله على ما هو، الله كان وما زال وسـيبقى الموجود المطلق الأحد، الله الصمد، الله لم يلد، الله لم يولد، الله لا شـريـك له من غيره من أحد، هو الحي القيوم، وهو الحيـاة تقوم، فكيف يكون له كفوا أحد؟ وهل غاب عنه أحد؟ وهل فقده أحد؟ وهل غايره أحد؟ وهل شـاركه أحد؟
إن الله لا يغفر أن يشـرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشـاء. فأكبر الآثام أن تشـرك به، وأكبـر الشـرك أن تراك بعيدا عن وجوده، وموجودا لغير موجوده، وهو القائم على نفسـك، والأقرب إليك من حبل الوريد، والأغنى من الشـريكين، إن شـاركه بموجود في موجوده بك، موجود من وجودك.
فيا أيها الناس، أنتم الفقراء إليه، وهو معيتكم، وهو معيتكم الغني الحميد، وإن شـكرتم ليزيدنكم، وإن كفرتم فما له ظلمتم، ولكن أنفسـكم أهلكتم، وامتطيتموها طاغين، وقمتم بها غاوين، واسـتعليتم بها على الآخرين لها ظالمين، والله مداول الأيام بين الناس، إن كنتم متأملين، فما علا منكم بنفسـه عالٍ على أخيه ليمتطيه، إلا أنزله الله عن وضعه، ورفـع المطية فوق ممتطيها، وقد جعل أسـفلها عاليها، إنهم لا يدرون أي منقلب ينقلبون.
إن الله لذلك فاعل في كل وقت وحين على مدى الأيام والسـنين، فتأملوا أين المـلوك الذين في تاريخكم تذكرون، أين نابليون؟ أين آل بوربون؟ أين آل رومانوف؟ أين آل هوهنزوليرن؟ أين العثمانيون؟ أين محمد علي؟ أين بيت محمد على؟ أين الأيوبيون؟ أين العباسـيون؟ أين الأمويون؟ أين الخلفاء الراشـدون أو غير الراشـدين؟ أين الفاطميون، وغير الفاطميين؟ أين آباؤكم وأجدادكم الأولون، ممن تذكرون، وممن لا تذكرون، ممن تعلمون، وممن لا تعلمون؟
أين الهكسـوس؟ أين البطالسـة؟ أين الفراعنة؟
إن الله حاصد حب الحصيد من نشـأة الأرض، من نبات الأرض بكل وليد من كل جديد، كما تشـهدون كما فعل في قديم بكل قديم. إن الله بناموس الزرع والحصـاد هو الأمر المسـتديم، إن الله هو الخالق، وهو الخلق، ما عرفه من عزله عن الخلق، وما قدره من حصره بالخلق.
جاء رسـول الله بالحق، بالعلم، بالمعرفة، بالاسـتقامة، بالمثالية، وبالقدوة، بالإمامة، بالمتابعة، بالمبايعة. جاء بالحيـاة، جاء بالنجاة، لا ليفنَى ولكن ليبقى، لا لـيخمُل ولكن ليعمل، ظهر ولم يظهر، وجاء ولم يجيء، واختفى ولم يختفي، وغاب ولم يغب. إنه الحيـاة الظاهر بالحيـاة، إنه الحيـاة بباطن الحيـاة.
إذا كان الناس لم يختفوا عن الأرض، فكيـف يختفي! إذا كان الناس لم يغيبوا عن الأرض، فكيف يغيب! إذا كان الناس لم يحتجبوا عن الأرض، فكيف يحتجب؟ إنه الحيـاة… إنه الناس… إنه الإنسـان… إنه كلمة الله، وجماع كلمات الله، وروح الله، وجماع أرواح الله، واسـم الله، وجماع أسـماء الله، إنه الحق من الله، وجماع الحقائق في الله، من الله، بالله، إنه الكتاب، وإنه الحجاب، وإنه المعنى، وإنه ما وراء الحجاب مما يُعنى، إنه القيامة، إنه الطريق، إنه حيـاة الطريق.
إنه للناس كل شـيء للناس، إنه الحق، إنه الخلق، إنه الأشـياء، إنه الكائنات، ما آمن الناس، والأشـياء، والكائنات بالله ورسـوله مثالية الفطرة، وحق الصبغة.
إن محمد الله كان الحق ورسـول الأعلى من الحق، كان آدما لذاته، وآدما لمتابعيه، وآدما للمؤمنين به فيه، قدوة للحكماء، والعارفين، والأئمة، والقيمة بالله على الناس، أُمة لفرد، رآه أُمة لمعناه. فماذا ينتظرون بعد رسـول الله؟ وماذا ينتظرون بعد محمد الله؟ ماذا بعد إنسـان الله؟
يتحدثون عن ملكوت السـماوات، يداني الأرض، وينبئ القرآن عن إشـراق الأرض بنور ربها، وهو يعني أرض النفوس المظلمة. وكم أشـرقت أراضي للنفوس بنوره؟ والله إنها به في دوام لمشـرقة من أزل، وإن الحيـاة به متدفقة إلى أبد، وإن شـجرة الحيـاة على الأرض باسـقة مورقة، والله إنه لسـدرة منتهاها لمن طلب، وإنه لجنة مأواها لمن وُهِب، وإنه الحقيقة وما علاها لمن عرف، وإنه عَلَم الأعلى الذي خَلقها فسَـواها لمن بالعلمية عليه إنسـانا شَـرف، ظهر في الأدنى ظهوره في العلي والأعلى، في جماع دناها ومعارج علاها.
فماذا ينتظر الناس بعده؟ وهل هناك له بعد، وهو الكوثر بمعناه، على ما كان بمغناه؟ يتحدثون عن ملكوت السـماوات، يقوم على الأرض، ومتى غاب ملكوت السـماوات عن الأرض؟ ومتى خرج ملكوت الأرض عن ملكوت السـماوات؟ ومتى غـاب الخالق عما خلق؟ ومتى اسـتقل الموجود عمن أوجد؟
يجادلون في الله بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، ويتبعون كل مارد من شـيطان لإنسـان، أو شـيطان لجان، لا يعرفون القيم ولا المسـتقيم، ولا يميزون الملوم من المليم، ولا المقام بالقائم من القيوم والمقيم، ولا العالم من المعلوم. وتعالى الله عما يصفون.
دعهم في خوضهم يلعبون، واصبر نفسـك مع الذين لربهم لهم يدعون، ووجها له لهم يرجون، يوم هم وجهه بك ينظروك، لا تعدو عيناك عنهم تريد من جعلناهم عبادا للدنيا، هم بإرادتها عليهم لها يزينون، وغرامـا بها بجهلهم يفرحون، وقدراتهم عليها بأوهامهم يزعمون، وهم بها فيها لها الهالكون، فما قدروا الله حق قدره لأمره لهم به يحيون، ولا لأنفسـهم به قدروا أو يقدِّرون.
رحم الله امرأً عرف قدر نفسـه، أليسـوا هم الضعفاء أمام ظاهرة الموت على ما يشـهدون؟ من أراد واعظا فالموت يكفيه، لو أنهم يتأملون، وأمر أنفسـهم ينظـرون، أفمع من هو ميت من شـياطين طغاتهم يقومون، وفي الحـي القيوم معيتهم لا يتفكرون، ولا ينظرون، ورسـوله لهم بينهم من أنفسـهم يهجرون؟
أفغير الروح يعبد العابدون، ويعبِّد أنفسـهم له المسـتقيمون؟ وما تواجد الله بكائنـات الحيـاة على ما يشـهدون، إلا ليعبدوا أنفسـهم عبادا لمن هم به يقومون، وبه يحيون. وما كان الدين إلا الاسـتقامة مع من هم له بالحيـاة مدينون، فعليهم أن يردوا أمانة الدين لمن هم له بغفلتهم في أنفسـهم لا يذكرون، وعنه وهو معيتهم بالحيـاة لا يعلمون، وإليه لا يتجهون، وبجفوتهم معه لا يسـتقيمون، وهو معهم وفي أنفسـهم ولكنهم أنفسـهم بأنفسـهم يظلمون، ولها لا يسـعدون، ولا يحيون، ولا يطورون، ولا يخلقون، ولا يتواجدون، والله أعطى كل شـيء خلقه، على ما يقومـون، وبَعث بينهم منهم بالحق من لهم يعلمون، إن من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شـرا يره، فماذا بعد هذا يطلبون، أو ينتظرون؟
بدين الفطرة، وبقوانين الفطرة، وبأحكام الفطرة، يقومون ويحيون ويواصلون. وبآيات الفطرة جاء رسـول الله، لفاطر السـماوات والأرض، صبغة الله وفطرته، قدوة لهم، ومن أحسـن من الله صبغة، فلا عرفوه الحق جاءهم، ولا عرفوه الطريق اسـتقامت لهم، ولا عرفوه النور أشـرق في مشـكاة الصدور لصدورهم، من مصابيح القلوب لظلام قلوبهم، ما انعكسـت أبصارهم في بصائرهم، فوضعت عنهم أوزارهم، فرأوهـم من يطلبون، ودخلوا في حصن لا إلـه إلا الله بها يقومون، ولها يشـهدون، ولكنهم اتخذوها شـعارا ومقالة يرددون، ولها لا يفقهون، كلاما ينطقون، وعملا لا يعملون، وقياما بها لا يدركون، ولا يجاهدون، (لا إله إلا الله حصني، من دخل حصني أمن عذابي)[١٩] ، (من قال لا إله إلا الله خالصا بها قلبه، دخل الجنة)[٢٠]… جنة اللقاء، وجنة الجزاء، وجنة الوفاء في فردوس ذاته، جنة هيكله لمعناه، مسـتويا بحقية عقله، على عرش ذاته ونفسـه، رحمن قيامه، بقيوم الأعلى، فناءً فيه، وبقاءً به، بعث الحق في قائم الخلق، عالما كبيرا بظاهر ذات صغير له.
(وتحسـب أنك جرم صغير … وفيك انطوى العالم الأكبر)[٢١]
{وفي أنفسـكم أفلا تبصرون}[٢٢]
(دواؤُك فيك وما تبصِرُ … وَدَاؤُكَ منك وما تَشعُرُ)[٢٣]
تنتظر القيامة، وهي قيامك بقيوم عقلك على قائم نفسـك، أو بقيوم حقك على قائم كوثرك بخلقك، (إنما هي أعمالكم ترد إليكم)[٢٤]، فــ {إما العذاب وإما السـاعة}[٢٥]… (لكل منكم قيامة)[٢٦]، و(لكل منكم سـاعة)[٢٧]، أما بالنسـبة للجماعة (لا تقوم الساعة إلا على لكع بن لكع)[٢٨].
ما كانت القيامة عند مدركها ومحققها لنفسـه إلا اللمحة الفائقة، إنما هي اللقاء، لذاتك بذاتك في ذاتك، لإدراك حقيقة قيامك، لحق قائمك، بقيوم حقك، كشـف عنك غطاؤك، فحد بصرك، وعلا في الحق شـأنك، فتحرر من القيد معناك، فانطلقت في دارك، خلقت لك، ومن أجلك، وأعدت لك، عرضها السـماوات والأرض، لا تحصرك، ولا تسـجنك، ولا تحدك، إنها دارك، إن شـئت فيها سـكنت، وإن شـئت منها انطلقت، وفي لانهائي الوجود سـبحت.
بهذا جاءك الكتاب، وجاءك الرسـول، وجاءك به متابعوه، وسـابقوه، وبشـرك به سـابقوك، وسـيلاحقك به لاحقوك، يوم هم في فتق بالحق منك كان لك يلاقوك، فقديما لهم وجدوك، وأقدم منهم لقديمهم بك حديثا منهم عرفوك، وحديثا في حادث قيامهم لك انتظروك.
بهذا جاء الرسـول جديدا لجديد الناس، بشـروه ورجوه وانتظروه، ففي سـبق عرفوه قديما في قديمهم كفروه وأنظروه. فلما جاءهم، عادوا فأنكروه، وعلى دوام لهم لدوام به فيهم من أنفسـهم جحدوه. وعن أنفسـهم، وقد تواضع لهم، عنهم وضعوه، وبأقدامهم داسـوه واعتلوه، أإلها مع الله، يتخذوه!
ومتى كان هو مع الله غيره حتى يكفروه أو يؤمنوه؟ وهو كلما امتد، وأشـرق بالنور له مـن الله في هيكل أنكروه وجها له ووجها لله ما تعدد به مع نفسـه، وما تعدد به مع الله. ما غاير الله بكوثره، أُمة وحضرة سـرمدية لله. فما غاير الله في قديم، ولا غاير الله في قائم، ولا هو مغاير الله في دائم، ولن يغاير الله في قادم. إنه الحق من الله، لا يغاير الله، ولا يعدد الله، ولا ينفك عن معاني الحق به. {من يطع الرسـول فقد أطاع الله}[٢٩]، {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}[٣٠]، (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ومن نفسه التي بين جنبيه)[٣١]، {إنما المؤمنون أخوة}[٣٢]، (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشـد بعضه بعضا)[٣٣]، (المؤمنون كأعضاء الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، سهر له سائر الجسد بالحمى والسهر)[٣٤]، (ما شـكت مؤمن شـوكة إلا وجدت ألمها عندي)[٣٥]، {وقل اعملوا فسـيرى الله عملكم ورسـوله والمؤمنون}[٣٦]، {وإذا سـألك عبادي عني فإني قريب…}[٣٧]
فأين هو الرسـول حتى نسـأله، أو نطيعه، أو يسـتغفر لنا، أو نؤمن به؟ هل هو الحي في قبره نعامله! وحتى بالحيـاة له في قبره لم نؤمنه، فماذا عرفنا عنه، أو عرفنا منه؟ وماذا طلبنا منه، أو طلبنا له؟ وكيف آمنا به أو آمنا له؟ لا شـيء من ذلك إلا من رحم!!
جعلناه وربه ألفاظا تلوكها ألسـنتنا، لا واقع لها في قلوبنا، ولا إحسـاس بها لنفوسـنا، ولا معرفة عنها لعقولنا، ولا أثر لها في قائمنـا أو قيامنا. رفعنا شـعار لا إلـه إلا الله، محمد رسـول الله، شـعارا لا معنى له عندنا، ولا قيام له بنا. عزلنا الله عنا وغيبناه، وأفردنا الرسـول عن معنانا له، أو معناه لنا، وباعدناه وعن موصوفنا له ما أضفنانا، وعن موصوفه لنا ما أضفناه، فما حققنانا به، ولا بنا حققناه، ولا بحق وصفنانا، أو بحق وصفناه.
ولكن بموصوف الخلق عنينانا، والحق عنا غيبناه، وبظاهر الخلق له به ذكرنانا، وباطن الحق له ما عرفناه أو وصلناه. وما انعزل الخلق عن الخالق، ولا الكائن عن المكون، ولا الوجود عن الموجد، وبهذا ظهر الرسـول بمعناه بمعنانا، لو عرفنا الحق لنا فعرفناه، وهذا معنى الوحدانية لله، فتكلمنا عن وحدانية لله ابتدعناها، ما بتقوى تلقيناها، ولا منه سـمعناها، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
لقد شوشـنا على المعرفة بزعم الدعوة إلى الله، مغيبين لله بدعوى القيام بالحق فيما رددناه من حديث، ببغاوات نقلناه، ما وعوه وما وعيناه. وما كانت الدعوة إلى الله إلا بالتذكير بمعية الله، وتعليم الطالب والمريد كيف يكشـف عن معية الحق بتطوير جلباب الخلق، مع معلم أخرجه الله، ولنفسـه ارتضاه.
إن الله بالغ أمره. إنهـم يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ولكن الله لراد لهم كيدهم في نحورهم. إن الله سـيرد الكيد إلى أهله، وإن الله متم نوره، ولو كره الكافرون بنوره لهم قوام حيـاتهم وقيامها، وهو نور السـماوات والأرض، لمعانيه برسـوله بهم، بدايات لخلق جديد السماوات والأرض بأوانيه منهم، لو أنهم يعلمون، لو أنهم يسـتيقظون، لو أنهم إلى الله في أنفسـهم يرجعون، وله في أنفسـهم يطلبون، فيدركون أي خير وأي رحمة جاءهم بها الأمين، من جعله الله لهم رحمة للعالمين، وتعالى الله عما يصفون، وتعالى الرسـول عما يعمهون.
اللهم يا من كنت لنا في كل حيـاة… اللهم يا من هو لنا معنى السـلام والخلاص والنجاة… اللهم اجعل هذه الكرة رابحة لا خاسـرة… اللهم اجمع لنا فينا الدنيا والآخرة… اللهم اكشـف عنا أغطيتنا، وضع عنا أوزارنا، واعتق لنا من النار رقابنا، وحرر من سـجنها بالذوات أرواحنا، وزكي بالتقويم نفوسـنا صِدِيقة، وقوم جوارحنا من الضيق والعجز عتيقة، وأنر عقولنا، بنـور رحمتك ودودة رقيقة، وبنور معرفتك حقيقة طليقة، وبنور علمك رسـالة متجددة، وبنور كتابك ألواحا متعددة، وبنور رسـلك أقلاما كاتبة، وبنور حقك رحمة غافرة لا محاسـبة، واجعل اللهم من جمعنا جماع رسـالاتك، ومن جماع قيامنا جميع قياماتك، ومن الرسـول به آمنا حقا دائما بنا مرسَـلا منك في دوام إلينا، بقيومك به لقيامنا بك لنا، عرفناه رحمتك منك بنا.
اللهم به فارحمنا، وبه فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شـرارنا، بما كسـبنا.
اللهم به فارحمنا حكاما ومحكومين، ووفقنا وسـدد خطانا حكاما ومحكومين، أئمة ومتابعين، مجتهدين ومجاهدين. لا إلـه إلا أنت به فارحمنا سـبحانك إنا كنا من الظالمين، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وجعلتنا من المهتدين.
أضواء على الطريق
السـيد الروح المرشـد (سـلفربرش) يكشـف عن الجهاد الطويل له مع وسـيطه قبل أن يتمكن من تبليغ الرسـالة من العوالم الروحية إلى عالم النفوس البشـرية عن طريق تفوهات الغيبوبة به:
(بحثت في تقاريرنا ووجـدت وسيطي وشـاهدت من اللحظة التي بدت فيها التهيؤات له، ومن اللحظة التي بدأت فيها الروح في إظهار نفسـها ولو لومضة قصيرة أنني قد جعلت تأثيري يثمر. وعندئذ بدأت فكانت هذه الصحبة التي اسـتمرت كل هذه السـنوات، فكان أول وسـيط لي، سـاعدت على صياغة الروح والعقل الصغير، وفي كل طور من تلك الحيـاة، كنت أراقب كل تجاربه، فتعلمت كيف أكون معه في ارتباط قريب، وعودت نفسـي طوال أيام الصبوة، على كل العمليات العقلية، على كل العادات الفيزيقية. دربت جهازي من كل جانب، عقلا وروحا وجسـما فيزيقيا. ثم كان علىّ أن أوجه خطاه نحو فهم هذه الحقائق الروحية، فقدته أولا ليدرس الديانات الكثيـرة في عالمكم المادي، حتى ثار عقله وبدأ يكون ملحدا كما يسـميه عالمكم. ولما لعب ذلك دوره في الرقي العقلي، أصبح مسـتعدا لي لكي أبدأ عملي من خلال شـفتيه. قدته لأول اجتماع له. سـاعدته على حضور أول دائرة له. وهنالك بواسـطة القدرة الموجودة عملت أول اتصال. ربما كان مهوشـا وتافها ولكنه من وجهة نظري كان مهما جدا… ونطقت في عالم المادة خلال مخلوق آخر، بأول لفظ يصدر عني. ومنذ ذلك اليوم تعلمت كيف أحصل على هيمنة أحسـن ثم أحسـن حتى أنكم لترون النتيجة الآن. وقد بذلنا كثيرا جدا كيما أتمكن من تسـجيل كل أفكاري، وأن أسـتبعد من جميع الوجوه ما في داخل شـخصية الوسـيط حتى يبعث بي بينكم معلما ورائدا ونصبا).
مصادر التوثيق والتحقيق
حديث شريف: “تعرض عليّ أعمالكم، فما رأيت خيرا حمدت الله عليه، وما رأيت من شـر اسـتغفرت الله لكم.” أخرجه النسائي والطبراني. ↩︎
حديث شريف: “يأتي على النَّاسِ زمان الصابر فِيهِم على دينه كالقابض على الجمْر.” رواه الترمذي. ↩︎
حديث شريف: “الولَدُ ثمرةُ القَلبِ، وإنَّه مَجبَنةٌ، مَبخلةٌ، مَحزَنةٌ.” أخرجه البزار، وأبو يعلي، وغيرهما. ↩︎
سورة يوسف -١٠٨ ↩︎
سورة العنكبوت -٦٩ ↩︎
سورة البقرة -٢٨٢ ↩︎
سورة النساء -١٤٧ ↩︎
سورة النحل -٦١ ↩︎
سورة الرعد – ٣١ ↩︎
سورة الأحقاف -٣ ↩︎
سورة الأنعام -١١٢ ↩︎
سورة النساء -٧٨ ↩︎
سورة النساء-١١ ↩︎
سورة النحل -١٢٨ ↩︎
من حديث شريف، أخرجه الحاكم والطبراني واللفظ لهما وأحمد مختصرا. ↩︎
سورة البقرة -٢٥٦ ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
سورة النحل -١ ↩︎
حديث قدسي رواه الإمام علي بن أبي طالب عليهم السلام. تخريج الإحياء للعراقي بإسناد ضعيف كما جاء بلفظ: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: سمعت جبرئيل عليه السلام يقول: سمعت الله عز وجل يقول: لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن (من) عذابي.” بحار الأنوار، المكتبة الشيعية. ↩︎
حديث شريف: “أَبشِروا، وبشِّروا مَن وراءَكم، أنه مَن شهِد أن لا إلهَ إلا اللهُ صادقًا دخل الجنَّةَ.” أخرجه أحمد. ↩︎
من قصيدة شعر للإمام عليّ كرم الله وجهه: وَتَـحْـسَبُ أَنَّـكَ جِـرْمٌ صَـغِـيرٌ … وَفيكَ اِنطَوى العالَمُ الأَكبَرُ ↩︎
سورة الذاريات -٢١ ↩︎
من قصيدة للإمام علي كرم الله وجهه: دَواؤُكَ فيكَ وَما تُبصِرُ … وَدَاؤُكَ مِنكَ وَما تَشعُرُ ↩︎
من حديث قدسي: “… يا عبادي! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه.” الراوي: أبو ذر الغفاري. المحدث: ابن تيمية المصدر: مجموع الفتاوى، وحلية الأولياء حكم المحدث: صحيح. ↩︎
سورة مريم - ٧٥ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
حديث شريف: “لا تقوم الساعةُ حتى يكون أسعد الناس بالدنيا، لَكِع ابن لَكِع.” سنن الترمذي. ↩︎
سورة النساء -٨٠ ↩︎
النساء ٦٥ ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكِ، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ الآنَ، وَاللَّهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ.” صحيح البخاري. "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. "متفق عليه. ↩︎
سورة الحجرات -١٠ ↩︎
من حديث شريف: “المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بيْنَ أَصَابِعِهِ”. صحيح البخاري. ↩︎
حديث شريف: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة التوبة -١٠٥ ↩︎
سورة البقرة-١٨٦ ↩︎