(١)

طبيعة النفس عند أفلاطون
وعلاقتها بالسيرة التي يجب أن يتبعها
الفيلسوف في حياته

بحث لعلياء رضاه رافع

مقدمــة…

طبيعة النفس أو الروح… مشكلة من أشق المشكلات، وسؤال يُردد في كل زمان ومكان، ففي كل بقعة على سطح الغبراء، لا نَعدم أُناسا يتساءلون عن سر الحياة وطبيعتها، في هذا الكائن البشري، وكل يحاول أن يجيب على السؤال بطريقته، متمشيا مع مستواه العقلي، والظروف التي تمر بها بيئته.

وها نحن الآن واقفون على أطلال عالم مادي منهار، عميت فيه الأبصار، وركبت على الأذهان غشاوة حجبت الحق، وأظهرت الباطل، في أخصَب صورة وأجمل لباس، فما أحوجنا في مثل هذه الساعة إلى ضَوء ينير لنا الطريق، ويكشف عن أبصارنا العماء، لنرى حقيقة البقاء، وطبيعة النفس من جوهر الصفاء. لا أقول أن ما قاله أفلاطون عن النفس، هو الكفيل بإرجاع الأمور إلى نصابها، ولكن لا بد أن إحياء هذه الأقوال، في أذهان الناس، لاعبٌ دورا، في رسالة الروح الخالدة، في عالم المادة الحَالي.

ولا شك أيضا في أن طبيعة البحث عن الروح، هو من الأمور الهامة التي تعكس آثارَها على المجتمع، من حيث أن إحياء الاعتقاد في خلودها وثوابها وعقابها، يؤدي إلى ثورة أخلاقية ضد اليأس من الحياة، الذي يقتل الشباب، ويؤدي بهم إلى طريق أشد ظلمة من يأسهم. ولكن إذا استقام طريق العقل في بحث حقيقة الحياة، لأدى هذا بالإنسان إلى اطمئنان في نفسه، وسمو في خلقه، واستقامة في عمله، إذ أنه في هذه اللحظات سيقدر قيمة نفسه، ويعرف غاية وجوده، ويطمئن بيقين إلى مستقبله القريب والبعيد.

فماذا قال أفلاطون في سر الحياة لهذا المخلوق البشري؟

لقد تجَاوز أفلاطون الشك إلى اليقين في خلود النفس، فأصبح قيام النفس في عالم آخر، حقيقة مطلقة لديه، وغدا هدفه من الحديث عن النفس، هو إرشاد الناس إلى الحق فيهم، وتوعيتهم ليسلكوا في حياتهم مسلكا خلقيا قويما.

ومن هنا فإننا نرى أن هدف أفلاطون، هدف أخلاقي إصلاحي، وقد أكمل في هذا الطريق الذي بدأه سقراط، في الرد على السفسطائية، معيدا للأخلاق ثبوتها، لأنها من مصدر إلهي خالد، هو مصدر الروح الداخلية، وارتفع أفلاطون في هذا بالإنسان، من معناه الحيواني إلى معناه الإلهي، الجواني. وإذا كان سقراط في دعوته الأخلاقية، قد لجأ إلى مناقشة السلوك العملي لأخلاق الإنسان، متخذا من الأفكار المتداولة والأساطير الشعبية مجال بحثه، فإننا نجد أن أفلاطون قد لجأ إلى الركيزة، التي يستند عليها كل سلوك، وهي النفس… وراح يبث في الناس معنى الخلود فيهم منها، محاولا النزول إلى مجالهم العقلي، ومتخذا من التسلسل المنطقي وسيلته للارتفاع بهم إلى وجودهم الحقي.

وبذا فقد أكمل سقراط قوله وفلسفته في أفلاطون، فكان أفلاطون امتدادا لسقراط، برغم أنف حكومة الديمقراطية، التي رأت في إسكات عقل سقراط هدفها، فخاب بأسها، وتكسرت آمالها، لأن المعلم عاش في عقل تلميذه، وقدم للإنسانية جمعاء فلسفته الخالدة، متعاليا ومترفعا عمن أراد الفشل له ولفلسفته، ضاربا مثلا رائعا على عظمة الفيلسوف، في تخليه عن كل ما قدم له من فرص لارتقاء مجالات السياسة، خاصة وأن أخواله كرتياس وخاريدس، كانوا من أكبر شخصيات حكومة الأرستقراطية يومئذ.

والآن ما هي النفس؟!

نتبين من فيدون أن أول صفاتها هي البساطة، أي أنها من عنصر لا يمكن أن ينحل إلى أبسط منه، وهي لذلك غير قابلة للفناء فهي خالدة، والخلود من صفات الآلهة، فهي إذن من الآلهة، هي إلهية، والآلهة أزليون، لأن من يعطيه الخلود أبدية، فلا بد أن يكون أزليا، فالنفس إذن أزلية.

ولكن إذا كانت النفس إلهية، وهي سر الحياة في الإنسان، والإنسان يخطئ وينقاد للرذائل والشهوات، فما مصدر هذا الخطأ؟!

نرى أفلاطون يقسم الروح إلى أقسام ثلاث… عاقلة… غضبية… شهوانية. ويجاهر بالقول، إنها صعبة الفهم، ولذا فإننا محتاجون إلى تشبيهها بأسطورة، فهي تشبه عربة، يقودها سائق، ويجرها جوادان، لا يشبه أحدهما الآخر، فالأول من عنصر طيب والآخر من عنصر خبيث، العربة هي البدن، والسائق هو العقل، والحصان الطيب هو الشجاعة، والحصان الخبيث هو الشهوة، وليست مهمة العقل يسيرة إزاء هذا المزيج المركب من الخير والشر.

ولكن استعمالنا لكلمة تقسيم، فنوع من المجاز، وليس تعبيرا دقيقا عن الحقيقة، فهذا التقسيم ليس تقسيما، وإنما هو حالات لفاعلية النفس في ظروف مختلفة، فالنوعان السفليان هما نتائج ربط النفس بالجسد، إذ أنهما لا يمكن أن يتحققا إلا بالغلاف الجسدي، ولذا فهما متعلقان بطبيعته، ولكن الجسد ليس حيا بذاته، والميت الفاني لا يستطيع أن يأتي أثرا، ولذا فهما مرتبطان بالنفس، وهي مبعث التعقل والحَركة.

نستطيع أن نقول بعبارة أخرى، أن النفس كنفس منفصلة عن الجسد، ليس بها شهوة وغضب، وأن الجسد كجسد، لا يشعر ولا يغضب، وبذا فإن الغضب والشهوة، من طبيعة الاتصال القائم بين النفس والجسد، وهي حالة تمر بها النفس في دور الاختبار.

وهناك تفسير مكمل لما أسلفنا. إذ يرى أفلاطون أن الإله لا يصنع إلا الخير لأنه خير كامل، ولذا فإن النقص يرجع إلى الفوضَى والشر، والإله قد صنع النفس الإلهية الخالدة، وأما هذه الحالات الفانية، وهي الغضب والشهوة، فهي ترجع إلى آلهة الكواكب الناقصين. ومن هناك فإن ارتباط النفس بالجسد هو نقص، ولذا فإن العاقل هو من يحاول أن يبلغ الخير الكامل، بمحاولة فصل جسده عن التأثير في كمال نفسه، ليعرف الحقيقة الكلية، ومثال الخير الأكبر، والقادرون على هذا هم الفلاسفة، الذين يضربون بالمحسوسات عرض الحائط، متجهين إلى المعرفة اليقينية، عن طريق العقل الصافي، الذي يستطيع أن يرى وأن يدرك.

ولأفلاطون في هذا تشبيه مشهور، هو تشبيه الكهف، فهو يصور عامة الناس، مقيدين بأغلال في كهف معتم، لا يرون إلا الظلال والأشباح، لما يمر وراء ظهورهم من حقائق في الخارج، فإذا استطاع أحد منهم أن يتحرر من القيود، وخرج من الكهف ليرى الحقائق مباشرةً، انبهر بَصره لقوة ضوء الشمس، فلا يكون في وسعه إلا أن ينظر إلى الأشياء، من خلال الماء المنعكسة فيه، وبعد مدة يستطيع أن يراها في الضوء، فينظر إلى السماء، فيرى النجوم والكواكب، وفي النهاية يستطيع أن ينظر إلى الشمس ذاتها، فيعلم أنها مصدر الضوء وسبب الرؤية.

وإذا عاد إلى الكهف مرة أخرى، سيبدو غريبا وسط قومه، لأنه عرف الحقيقة، ورآها رؤى العيان، فانبثقت في نفسه المعرفة كما ينبثق الضوء فجأة، والرجوع إلى الكهف من جديد، واجب عليه، ليعلم الناس كيف يفكون القيود، ويخرجون من الكهف. وهذا هو ما سيعلمهم إياه فيه، فسلوكه هو الأسوة التي يجب أن يحتذيها الناس، حتى يصلوا إلى نور شمس الحقيقة.

فالجزاء الأكبر للإنسان، هو رؤية الحقيقة والصعود إلى الآلهة. إذا غلَّب عقله على شهوات جسده، ولكن إذا انتصرت الشهوة على العقل، انحط الإنسان وظل مقيدا بالأرض، وانحدر نوعه إلى أنواع أجساد أقل منه مرتبة، فيعود متناسخا إلى حيوانات وحشرات، إلا أن يصادف روحا طاهرة، فيتخلص من عجلة هذا الميلاد، ويعاود الترقي من جديد.

ولا بد أن تكون النفس خالدة، حتى يكون جزاؤها، ثوابا وعقابا، ودلالة خلودها هو البساطة، فلماذا هي كذلك؟

يسوق أفلاطون أدلته إذ أنه يوضح بساطتها، على أساس أن المعقول من صفة العاقل، وتعقل الشيء ارتفاع به فوق المَحسوس إلى جوهره البسيط المعقول، فلا يستطيع إدراك ما فوق المحسوس إلى ما هو من طبيعة مدركة فوق المحسوس، والنفس تستطيع عقل المُثل، وهي عنده الصفات المطلقة للأشياء أو حقيقة الأشياء، وهذه الحقائق المطلقة لا تقبل التجزئة، ولكنها تقبل المشاركة، وتُعقل بالنفس، فالجمال مثلا معنى معقول غير قابل في ذاته إلى التغيير والانحلال، ولكننا ندركه عن طريق المشاهدة في الجزئيات، فالطبيعة جميلة لأنها تشارك في مثال الجمال، وهي قابلة للتغيير إلى نقيضه، ولكن الجمال يظل ثابتا لا يتغير ويظهر في أشياء أخرى. وهكذا كل المثل. إننا نرتفع في إدراكنا لمعاني الخير والحق والجمال، أي في المثل من المحسوسات إلى ما فوقها، إلى الثبات والحقيقة فيها، وارتفاعنا هذا يتم بالشبيه للمُثل فينا ألا وهي النفس، فهي من طبيعة المُثل ولذلك فهي تدركها، والمُثل وهي المعاني الثابتة البسيطة المطلقة، الغير مركبة، هي الخلود بعينه، فالنفس إذن خالدة.

ودليل آخر على خلود النفس… أن النفس تشارك في مثال الحياة، أي أن معنى الحياة في الكائنات لا يستقيم له وجود إلا بسر الحياة، أي بالنفس، فالنفس كمبعث للحياة، هي حياة، وتشارك في مثال الحياة، ولا يمكن أن تشارك في نقيضه، أي لا يمكن أن تشارك في مثال الموت، وبالتالي فلا يمكن أن تموت، فهي إذن حية باقية، دائمة خالدة، وعند انفصال النفس من الجسد، فإنها ترجع إلى الآلهة، وتتخلص من الهذيان والحماقة، ولكن من النفوس ما يرتبط ارتباطا قويا بالجسد، فيتبع ذلك أنها تكره الانفصال عنه، ولذا فإنها تنجذب إلى العالم البشري، وتتمرغ بين الأضرحة والمقابر، وتعود للتجسد مرة أخرى في صور منحطة حيوانية، والنوع الوحيد الذي يأخذ صورة إلهية هو الفيلسوف، فكيف يصل الفيلسوف إلى مصاف الآلهة؟ وما هي السيرة التي يتخذها والنظام الذي يتبعه حتى يرتقي إلى المعنى الحقي في الوجود، وهو هدف كل من تتطلع نفسه إلى نور الحقيقة ليكونها ويصبح قيامه هو عين قيامها، ويتخلص من العودة إلى الأرض للتعذيب، إلى العودة للإرشاد؟

إن هذا هو ما سنتبينه في أثر معرفة طبيعة النفس

في السيرة التي يجب أن يتبعها الفيلسوف في حياته…

الفيلسوف هو الإنسان الباحث عن الحقيقة، والمحب للحكمة، يريد أن يعرف السر الكامن وراء الأشياء، وهو ليعرف، عليه أن يتعلق بما وراء الأشياء، ويصعد فوق المحسوسات إلى المعقولات… إلى الحقيقة… إلى المثل… إلى الله.

ولذا فإنه لما كانت النفس إلهية، فعلى الفيلسوف أن يتعلق بها وحدها، حتى يصل إلى الحقيقة التي ينشدها، والتي تكمن فيه، في نفسه.

ولكن تحقيق هذا من الصعوبة بمكان، إذ أن الإنسان ليس نفسا إلهية فقط، بل إن له بدنا يجذب القيام العلوي فيه، ويشده إليه مثقلا إياه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ولذا فعلى الفيلسوف أن يصارع شهوات بدنه، حتى يتخلص من هذا الصراع بالموت، الذي يعتبره غاية الحياة، فهو له بمثابة المطية إلى حياة أفضل، هي حياة الحكمة بعينها، وفي هذا تتباين الفروق بينه وبين عامة الناس، الذين يرون أن انفصال النفس عن البدن موت، بينما يرى الفلاسفة أن هذه اللحظة هي لحظة الحياة الحقة، التي عاشوا لها ومن أجلها، فبينما تكون حياة العامة موت، فإن موت الفلاسفة حياة.

وهذا الفهم أو هذه الرؤية لمعنى الحياة والموت، تجعل الفيلسوف يتبع سلوكا خاصا في حياته، ليرتقي به معارج الحقيقة، ويرى ضياءها، فيشرق نورها في نفسه فجأة، وينبثق عقله بالمعرفة فيفيض أنهارا، تبث الحياة في أراضي الناس الجدباء، وتصعد بهم في أنفسهم معارج وسلم الحقيقة.

فالفيلسوف يضع لنفسه نظاما قاسيا، عليه أن يسير عليه، متخليا عن مطالب بدنه، محاولا قهره وحكمه، ويسمو فوق الأهواء، متخذا من طريق الزهد فيها، وسيلة للتخلص منها.

وهو ينظر إلى الوجود الحقيقي الثابت، وليس إلى الوجود الوهمي المتغير، هذا الوجود هو وجود المُثل، التي توجد لذاتها وبذاتها، وهذه لا نستطيع أن ندركها بالحس، وإنما بالنفس وحدها، وبقدر صفاء النفس ونقائها، نستطيع إدراك المُثل والسمو بها.

ولا عجب في تفضيل الفيلسوف لهذا لطريق الوعر، فإن آماله أكبر من تحقيق سعادة وقتيه، فلقد أدرك طبيعة النفس الإلهية، وطمع في أن يصعد إلى مصاف الآلهة، وهذا الأمل يغذي نفسه، ويدفعه إلى الطريق بكل قوته وطاقته، مستعينا بقوة الإرادة وقوة النفس السامية، حقا إنه ليتعذب بالمجاهدة، ليميت ذاته، وهو في الحياة البشرية، ولذا فإنه يرى في واقعة الموت، أو في حقيقة الانفصال عن الجسد، الهدف الذي عاش طوال حياته من أجله، فهو في كل لحظة يحاول أن يتطهر من صلته بالجسد، حتى يتسنى له الاتصال بما هو نقي، والنفس تحاول في كل لحظة أن تجتمع على نفسها.

والفلسفة هي الوسيلة التي يميت الإنسان بها جسده، إذ بالتأمل الخالص تسمو النفس، لأنه كلما ابتعد الإنسان عن العقل اقترب من الحيوانية، وانحط إلى أسفل الدرجات، والفلسفة هي طريق النقاء، وهي التي تسمو بالإنسان، وترشد الناس إلى كيفية التطهر من آثام الالتصاق بالجسد، وعلينا أن ندرك أن تأمل الوجود الواقعي هو جزء من مهمة الفلسفة كبداية أولى، ولكن على الإنسان أن يكون حذرا من الانغماس إلى أذنيه في هذه الحياة، وعليه أن يدرك أن أعظم الشرور هو شر الانغماس في اللذة.

وهذه الأخلاق التي نراها، يتبدى لنا فيها النسك والزهد، إليها يدعو أفلاطون حتى تكون سبيلا ووسيلة لتحقيق الخير الأسمى، والذهاب إلى عالم المثل حيث الله.

والطبقة المختارة التي حققت هذا بالفعل هي طبقة الفلاسفة، الذين ظلوا طوال حياتهم عازفين عن الملذات الجسدية ليستطيعوا رؤية الحقيقة ومعرفتها، وعلى الناس أن يتبعوا طريقهم، ويترسموا خطواتهم، حتى يصلوا بهم إلى طريق الشمس المشرقة.

تعقيب…

لقد كانت دعوة أفلاطون الأخلاقية لرؤية الحقيقة، هي نتاج ظروف مر بها المجتمع اليوناني، وتحولا طبيعيا للفلسفة من التفسير المادي المحسوس للكون، إلى التفسير الأكثر عمقا، إلى ما وراء ظاهر المادة، من عنصر غير محسوس.

وهي من ناحية أخرى تعبير عن ظروف سياسية، عبر عنها قتل حكومة الديمقراطية لسقراط، فلم يكن هناك بُد من أن يستكمل أفلاطون رسالة معلمه، في إصلاح الشباب وإرشادهم لإقامة المدينة الفاضلة، وهكذا نرى كيف أن الفلسفة تستمد موضوعها من المجتمع، فتؤثر فيه وتتأثر به، فالفلسفة لا تستطيع أن تنتزع نفسها من المجتمع، والمجتمع لا يملك أن يتخلص من تأثير الفلسفة عليه… ذلك أن المجتمع لا وجود له إلا بالتنظيم الإنساني، وتطوره مرتبط أشد الارتباط بمحاولات الإنسان العقلية في سبيل رقيه الحضاري، ولما كان العقل يعبر عن نفسه بالفكر والنظرية، وهي غايته المنشودة، فإن الفكر يلعب دورا ليس بالهين في تطور المجتمعات، والفكر هنا هو ممارسة العقل لكل أنواع المعرفة، عِلما كانت أو فلسفة، فإذا كان العلم يعالج الجزئيات ويستخرج النظريات، رغبة للتطبيقات العملية، في توفير احتياجات الإنسان المادية، فإن الفلسفة تعطي الإنسان قيمته كإنسان، وتخلق فيه القدرة على الإمساك بزمام الأمور، ومن أول هذه الأمور رغباته وأهواؤه التي يجب أن يتحكم فيها، ويحكم عليها، وبذا تنشئه الفلسفة عضوا نافعا وإنسانا صالحا، وما المجتمع إلا الإنسان الواحد من مفرداته، فإذا لم نهتم بالإنسان كإنسان، هو في حقيقته نواة الوجود الخالق، الباقي، السامي، المتحكم المريد، إذا لم يخلق الإنسان نفسه، فسد المجتمع وانهار.

ومن ثم فإن علينا أن نفهم طبيعة هذا الكائن البشري، الذي يحمل في داخله بذور الحياة، فهو نفس وجسد، وهو لا يستطيع أن يتخلى في حياته عن إحدى هاتين الناحيتين، فهو إذا غرق في المادية إلى أذنيه، أحس بالاختناق والفراغ والشقاء، ولا يحقق نفعا له ولا للأمة، فللتخلص من ضيقه يندفع بكليته إلى حياة تُناقِض الأولى، هي حياة روحية زاهدة، وهو إذا اعتزل المادة وكبتها داخله، تتضخم وتنفجر فتقوض دعائم روحه، فإذا به يندفع إلى المادة ليغرق في بحورها مرة أخرى، وهو في كلتا الحالتين المتطرفتين، لا يجني ثمرة ولا يعرف طريقا للكسب، اللهم إلا التحول إلى النقيض دائما، والتردد بين النقيضين.

فالعاقل من فهم حقيقة وجوده فهما جيدا، وأدرك أن وجوده المادي هو المطية التي يستطيع أن يمتطيها إلى رقيه الروحي، فلم يجافي المادة ولم يعُلِها على وجوده، ولم يغفل الروح ولا وطأها بقدميه، وإنما عمل على أن يكسب لنفسه الوجود الآدم، بمادته في كوثره منه، على أرض نشأته، وبهذا يمتد في التعالي في وجوده الروحي، كاسبا معنى الحق له، وبهذا الامتداد في كلا الاتجاهين يسمو بحقيقته على الروح والجسد، ويكون متعاليا عليهما محركا لهما.

على هذا يجب أن نفهم فلسفة أفلاطون، وهو الذي قال بالتأمل للوجود البشري، فاتخذ من وجوده مطيته للرقي، وشعوره بالنقص هو الذي يجعله يرتفع، نحو كمال هذا الوجود له إلى الأعلى.

وعلينا أن ندرك أيضا، أن هذه الحياة ينقصها فرصة لكسب الحياة لنا بكمالها، فقد أعطانا الله في وجودنا هذا عاريته، فإذا أغفلنا معنى الحق فينا، أخذ منا الله ما أعطانا، فنكون بهذا فناءً وأشلاءً. أما إذا أدركنا النقص منا، فإن هذا سيكون دافعا لاستكمال الكمال لنا، متجهين إلى ما بداخلنا، متمثلين الطريق في مثال لنا، فيمن كسب الحق له فأصبح الحق قيامه.

فالروح وهي سر الحياة فينا، هي هدية الله لنا، علينا أن نتمسك بها كوجود باق خالد، مدركين أن الطريق إلى كسبها هو معرفة ناموس الوجود فينا وبنا، وهذا لا يتم إلا بمعرفة معارج التطور في الحياة. والقانون يظهر لنا في تتابع الأزمان وتنظيمها، والزمن هو وليد الحركة وارتقائنا بها، ومعرفة القانون في تطور الأكوان، يتم عن طريق رؤية الإنسان لنفسه في تطوره عبر الزمان. يتعلم هذا بإنسان اكتمل فيه وجود الزمان، فأصبح له الماضي والحاضر والمستقبل سيان، فكان الأحد للرحمن.

هذا الفهم له أكبر الأثر في ارتقاء الحضارة الإنسانية، إذ يصبح مفهوم الناس لأنفسهم، كخلايا تستطيع أن تكسب الحياة الأبدية الصمدية، بدءا من وجودها الزمني، ويصبح هذا هو الدافع لهم، لأن يتعاملوا مع الله في مجتمعهم، باذلين جهدهم مقدمين للحضارة كل وسائل السلام، رائين في الصراع والحروب انحلال وانحدار، فنوفر بذلك الجهد الذي يبذل في سبيل الدمار، ونوجهه إلى وسيلة للسعادة ورقي الإنسان، والناس بتعاملهم مع الله في الناس يأخذون طريقهم إلى الرقي، فيتسابق الناس في خدمة بعضهم بعضا، وتغلب المحبة بينهم الشر فيهم، فيمتلئ طريق الحياة بورود الربيع الدائم، وتضمر الأشواك تحت ضغط ماء المحبة المنهمر.

وها نحن في عصر المادية غارقين في المادة للأذقان، ولا بد أن يسري القانون الدائم لانقلاب المتطرف إلى نقيضه، والمجتمعات في هذا لا تسلك طريق السلامة، فبروز الروح على مسرح الحاضر أصبح ضرورة تحتمها رحمة الله الواسعة، والإسلام وهو الأمر الوسط بين المادة والروح، هو الطريق المستقيم للسلامة وصلاح المجتمع.

وقد اتخذت الروح من العلم، وهو سلاح المادية، وسيلتها الأولى، فكما أن العقل في عصر ما قبل سقراط هو سبب النزعات المادية التي قامت فيه، فإن العقل عند سقراط وأفلاطون، كان وسيلة التطور والتحول من المادية إلى الروحية، فإذا كان العلم الآن هو سيد العصر وقائد المادة، فإن العلم كبداية أولى هو قنطرة العبور إلى الروحية، فها قد كشف عن عدم قابلية المادة للفناء، بامتدادها في طاقة، وهي وسيلتها للبقاء، فهل ينعدم هذا مع الكائن البشري كموجود متحرك هو مصدر للطاقة ومتحولا لها؟ فماذا يمنع من تسليم العقلاء بامتداد البقاء، وإمكانية الرفع للحواجز بين العالمين كوسيلة للارتقاء، بتطلع عالمنا المتداني إلى عالم الصفاء؟

وها قد برزت الروح للعالم أجمع، متدانية إلى عالم المادة من عليائها، وقد سبق اتصالها في ماضي أمرها في عقول المؤمنين بها، المرتبطين في وجودهم لوجودها، ولكن الحدث في حاضر شأنها، هو قيامها لرب العالمين، في الناس إليه داعية، وعليه مجمعَة هادية.

وهي تتجه بالمحبة لناس كافة، تدعوهم إلى الفهم في رسالة الله ورسول الله، والوحي الدائم من الله لإنسانيته. هي الوجود الحي الباقي الخالد في قلوبهم، حق الحياة بين حناياهم، فيشهدوا أن لا إله إلا الله بقيامهم فيها، ويشهدوا أن إنسان الله ورسول الله لقيامه فيهم، متقلبا في الساجدين، روحا حرا طليقا ساريا بهم، هو كسبهم لدوام وبقاء الحياة.

ومن هنا نرى عظمة الأديان، فهي قد قامت على بقاء الإنسان في حياة أخرى هي الحيوان لهم، في حقيقة أمره، إذا كسب نور الديان، وقام بالحياة شاهدا لها فيه، مع إنسان في العيان، سيرا إلى حياة الحق لحقيقته في التقدير والحسبان.

ولقد كان الإسلام هو الداعي، وهو الموجه الذي أوضح للإنسان طريقه، وأبان له حقيقة حياته، فدعاه للأمر الوسط لقائمه في مجاهدته وعقيدته، وكان رسول الله لنا قدوة ومثلا في ذلك. فهو قد ترك لنا بموجوده الدموي، أبناءً هم ظهور لآباء، فامتد بقائمه خالدا في القديم والجديد من الآباء والأبناء، وتعالى عن قديمه وجديده لأمره، فجمع في وجوده معنى الآدم في الجديد من أبنائه، وابن الآدم للقديم من آبائه، وعرف أن آدم حق موجود، تكسبه البشرية بعملها وعطائها، لا ينتهي في جديده منه، ولا في قديمه له، فأصبح أبا لآدم السابق، وقد ظهر له لقائم جديده منه، بوصف ابنه له، وأنه على نفس ما قام منه، يقوم ممن قام منه… وأنه في ذلك قدوة لمن يطلبه ويتابعه عليه، ليصل به إليه كافة للناس.

فالمادة للإنسان في دين الإسلام، هي وسيلة كسبه المستمر، في دوام فيها يتلاقى الإنسان مع الإنسان، علمنا فيها رسول الله كإنسان لإنسان، كيف أنه بها قام آدم للرحمن، وصمد عبدا لله في العرفان.

وهذا الفهم هو الذي قام عليه الإسلام، ولو استمر لنا بيننا، موضع اهتمامنا، ومشغولية حياتنا، على ما كنا زمنا، لما كان هناك مفارقة وانقسام بيننا.

فلننظر جيدا إلى عبادة الأوثان في عصر الجاهلية والبهتان، لنرى إلى أي مدى انحدر الإنسان في رؤية حقيقته، وقد قام عليها الظلام، فجاء الإسلام دين سلام للنفوس حتى تصفو، وللعقول حتى تشرق، وللمجتمع حتى يرتقي، ولو استمر الاعتقاد والجمع بين روح رسول الله الباقية، وامتدادها في الظهور لتحيي أجداث الناس الفانية، لكانت الاستقامة، وكان الارتقاء من حظ البشرية في دوام وبقاء.

ختــــام

وهكذا نرى كيف جاء أفلاطون في صفاء عقله وفكره مصداقا لقول الرسول (الإسلام دين الفطرة)[١]، فقد وصل بفطرته النقية الصافية إلى جوهر الإيمان، ولب الحقيقة التي تتجدد ولا تتعدد، جاءت بها الأديان، وبحثت عنها الفلسفة على طول الزمان، ووصل إليها من صَدق البحث والنشدان.

فالحق قام، وهو قائم في دوام، وصل إليه أفلاطون بيقين وإيمان، عندما بحث عنه في نفس الإنسان، فإذا به يراه رؤى العيان، ويتكشف له في عمق الوجدان، أنه والحقيقة الباحث عنها سيان، وهكذا كان رسول الإسلام، أسلم قديما وجهه للرحمن، فقام به بيننا بعثا، مثلا للإنسان، فكان الحقيقة التي بحث عنها ووصل إليها أفلاطون في القيام، فكان بها جماعا للوجودية والماهية في لحظة زمان. حقيقة قائمة يوم يقوم بها الإنسان في دوام، كلما ظهر للعيان، رسولا من أنفسهم، ليتجدد بالقديم من الإنسان في القادم من الإنسان، في المجتمع البشري، بإنسان له في القيام.

فهيا بنا نبحث فيمن من بيننا حقق لنفسه هذا العنوان، لنشهد معه موجـود الحق فينا إنسانا، رأى شمس الحقيقة فقامها، ليعلمنا فينا عنا، كيف نفك القيود، ونخرج من الكهف المظلم، إلى النور الحبيب المنشود.

إن قانون الوجود لا يعدم بيننا لنا موجودا للحق، هو امتداد وقيام لمن قام به الحق، بل يحتم ذلك لأنه الأمل المنشود في كل وجود. فكيف يقضي الحق على وجوده في الأمل؟ وكيف يهرب منا من نبحث عنه بالعمل؟ هو بيننا دائما يعمل، ذاتا تكمل وروحا اكتمل.

هلموا نفكر ونؤمن بهذا الوجود، وأنه ولا شك بوجهٍ له لوجوده بنا موجود، سنَدعوه، كما فعل أفلاطون في كل قيام نشهده ونقومه، وسيجيب نداءنا، لأنه لبى نداء طالبيه من قبلنا، إنه فينا، إنه بيننا، فهيا بنا. إنه فينا فلنكشف بالإيمان به في معيتنا أغطيتنا، ولنتحرر من سجين ذواتنا بمادينا من تراب الأرض، مجددين ذواتنا من نوره للسماوات والأرض، لباسا فيه بيننا ومن حولنا نلقاه، ونعرف به معنانا لمعناه.

علياء رضاه رافع محمد رافع

أضواء على الطريق

النفس مطية… النفس كتاب… النفس مدينة

السيد سلفربرش يقول…

(إن الموت ما هو إلا خرافة. بالمعرفة نحن نعبر برزخه. وها نحن نعود لنبين استكمال الحياة وراء الحدود الفيزيقية. ما أبسـط كل شيء. ومع ذلك ما أعظم العمل الذي يجب أداؤه. في كل هذه الدعاية التكرار المستمر وحده هو الذي سيكتسح الخطأ الذي يجب أن يمزق. إن المقاومة للروحية آخذة في الضعف إذ صنعت في أسوارها ثقوب جديدة أوسع. منذ سنوات غير بعيدة، كانوا يظنون أن تلك الأسوار لا يمكن اختراقها. والآن هناك علامات في كل ما حولكم على الخرائب المتهشمة المتداعية التي لن ينقذها شيء.

إنا لا نهتم بالمعاهد ولكن بالإنسانية، إنا نهتم بالنفوس والعقول وبالأجسام التي هي هياكل للنفوس والعقول، إنا نكدح لكي ما نصل إلى كل من سيستمع إلى الحق البسيط، ولو أنه حق بعيد المدى… ألا وهو أن الإنسان روح خالدة لأنه جزء من الروح العظيم. هذا أمر بسيط جدا، ولو أنه أيضا عميق جدا في كل معنوياته. إذا ما غرست بذرة الحق مرة في عقول البشر فإن إصلاحات عظيمة يمكن إجراؤها.

إنا نبحث لننقذ العقول الحبيسة ونعلم الناس في عالمكم ليفكروا لأنفسهم، ليطبقوا اختبار المنطق على كل وجه من أوجه الحياة. يجب ألا تصدقوا القديم لمجرد أنه قديم، والتقاليد لمجرد أنها تقاليد. ولكن يجب أن تبحثوا عن جوهر الحق الثمين لأن ما هو حقيقي سيقف أمام كل فحص وكل اختبار وكل امتحان دقيق. قد تكون بعض الحقائق التـي آتى بها أولية بالنسبة للبعض ذلك لأنهم طالما سمعوا عنها، ولكنها بالنسبة للغير هي حقائق مثيرة. إنا نتعامل مع أناس في أدوار نمو مختلفة، فبعضهم سيحارب ما نريد أن نقوله، وبعضهم سوف يرفضه، وسيعارضه آخرون لأنه يأتي من شخص يعتبره متوحشا مثقفوكم في العالم الغربي المثقف البارع جدا في فنون التدمير…!!

ولكن الصدق سيبقى لأنه صدق. تذكروا أن ما تعتبرونه عاديا الآن هو بالنسبة للآخرين أعظم ثورة حدثت لبني الإنسان).

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. عبارة متناغمة مع معاني الآية الكريمة {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم:٣٠] ↩︎