(١٣)
ليت لنا مثل الذي لقارون!!
الحمد لله أن ليس لنا مثل الذي لقارون!!
ابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة وهذا هو نصيبك من الدنيا
حديث الجمعة
٤ شوال ١٣٨٤ هـ - ٥ فبراير ١٩٦٥ م
ابتلاه ربه، فقتر عليه رزقه، فعاتب ربَّه، وقد ظن أنه قد أهانه، ولجأ إليه واسـتعانه، وعرفه مفتقرا، فناجاه معتَذرا… فأجاب سـؤله مختبرا، ووهبه ما أنَّ مفاتيحه ينوء بها العصبة أولو القُوة من كنوز الأرض. مَلَّكه كل شـيء في دنياه، حتى يكف عن العَتب على مولاه.
ولكنه ما لبث أن قال إنه أوتيها على علم عنده، إنما هي من حسـن تقديره، إنما هي من حكمته وسـلامة تدبيره، إنما هي قدرته ومكنته، فدخل جنته وهو ظالم لنفسـه، فقال ما أظن أن تبيد هذه أبدا، ولا أظن السـاعة قائمة، أو أن أبدل خَيرا منها. هذا هو الإنسـان في كنوده، وإن منكم إلا واردها بجحوده، يوم تبلى السـرائر، فيعرفه ويكشـفه ما له من قوة ولا ناصر.
إنها الدنيا، نعيشـها مكرمين، أو نعيشـها مهانين، وما نظن لنا شـيئا بعدها ليوم الدين، فلنرفع فيها رؤوسـنا، ولنبسـط عليها سـلطاننا، وليكن لنا في أرض شـنغار قدوة، وقد قالوا فليتوحد جمعنا، ولتتحد لغتُنا، ولتتوحد مقاييسـنا، ولنبني لنا مدينة، ولنُشِـد لنا برجًا، ولنتخذ لنا اسـما، شـعارا ورسـما، فلن تبيد دنيانا أبدا. فلنفرضنا عليها أمدا وأمدا بقاءً سـرمدا، ولتكن غنائمنا منها نصيبا وجزاءً، ولنحسـن في أمرنا فيها جهادا وبلاءً، فليس لنا غيرها في الوجود عطاءً وهناءً.
فمرت الأيام تبدو مملوكة الزمام له، وأنه هو مالكها، له ملك الأمصار، يعلو على الأرباب، يطغه المال، ولا يوقظه مشـهوده بالعبر مما يرى من حال، وقد زعم لنفسـه الربوبية العليا على الأرباب، ولم يدخل الأعلى واجب وجود في الحسـاب، فلم يشـكره على نعمته، ولم يرعه في أمانته.
وقال ما أُوتيته إلا على عِلم عندي، وتفاخر أليس لي مُلك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؟ وهذا وذاك، لا يقاس بي فأنا خير منه، أنا من الهِمة خُلقت، ومن العزيمة تواجدت، ومن القوة والقدرة، أُرضعت، فقُدِرت، والسـبيل إليَّ للناس يسـرت، فمن شـاء فليؤمن ومن شـاء فليكفر.
فقال له حكيمهم: أكفرت بالذي خلقك؟ أكفرت بالذي خلقك من تراب، ثم من نطفة، ثم سـواك رجلا؟ لولا إذ دخلت جنتك قلت ما شـاء الله، اتقِ الله واسـتغفره، ومع قومك عامله. فأعرض ونأى بجانبه، ولم يأبه لصاحبه.
هكذا قضى الكتاب بما قضى، وهكذا حمل المبلغ لما بُلغ قصصا تعددت صوره، هو الحكمة… قصصا بجوهره لألوانه هو الدسـتور وأركانه… قصصا للفرد وجمعه هو الحيـاة… وتصوير الحيـاة على ما هي الحيـاة.
يبتلي الله من يبتلي في أيام وكرات ابتلائه أو جزائه تمكينا وحرمانا من تمكين، غنى وحرمانا من غنى، اسـتغناء يصحبه الافتقار، أو عطاء يلازمه الاضطرار.
إنما هي الحيـاة في أطوارها… إنما هو الواقع بصوره… إنما هي آيات الله بمعانيها في أنفس الناس بظاهر الناس… إنها الكتاب فيما يحيط بالناس منهم بصورهم لمطالعتهم ومذاكراتهم… إنها دنيا السـر والسـريرة، ودنيا الجهر والشـهادة والبصيرة… إنها أول مراحل الحيـاة الروحية لمفردات الناس بها، وآخر مراحل الحيـاة الروحية لمن يجتمع فيه لها أمرها، قائم نفسـه لقائمه عليها، بقيومها لقائم ربه لها، برحمته به لأهلها.
إذا انعكس البصر والبصيرة في دنيا الداخل، فقرأ القارئ للنبأ أو حمل الحامل فتحدث المدرك بالخبر، عرف أن دنيا خارجه إنما هي نسـخة طبق الأصل من دنيا داخله واسـعة مكبرة، وعرفه بين دنييه، دنيا تواجده ودنيا وجوده، بقائمه بمعناه حجابا بين دنييه، عرفه بهيكَله سـورا من المادة، بين حقه له، وحقيقته من حوله.
فإذا بقي في غفلته حتى بهت بسـاعته، حتى إذا ما نفخ في السور وخسـف به وبداره الأرض، حتى سـقطت الأسـوار، وتجمعت الأنباء والأخبار، اجتمع السـر والإشـهار، تلاقت دنيياه، وعرفه بعلمه بين يدي مولاه، ما اسـترحم، وما رحم، وما آمن وما قدر أن من يَرحم يُرحم، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السـماء، عرفَه وهو في تقييده تحت الزمن والطبيعة والمكان، إنما قطع بدنياه كرة خاسـرة، ثمرتها له هي الآخرة الفاقرة، ورأى جزاء من قطعها كرة رابحة، راحما مرحوما، إنسـانا مغفورا، مؤمنا ذاكرا مذكورا.
ورأى من ازدراه وما عرفه، للرحمة عبدا بعبوديته صار لها حوضا، فظهر للرحمة إناء ووعاء وفيضا، أفاض الرحمة عطاءً وجزاءً، وقام بالرحمة حكمة وأداءً.
فإذا ما تجاوز أيام الابتلاء، بُدلت سـيئاته حسـنات. ذلكم هو الإنسـان لم ييأس من رحمة الله، يوم تكشـفت له نفسـه وقد هدي السـبيل كافرا فغير ما بنفسـه فغير الله ما به، وبدل سـيئاته حسـنات، وهو الذي أعجب بنفسـه دوما وقد لبس جلباب الشـيطان يوما، وقد نظره الناس يوم رأوه في جلبابه من الشـيطان، يظهر بالعظمة والكبرياء والطغيان، فيبهرهم ما يروا من خدعة السـلطان وإن كان يقوم في باطنه مظلما ظالما لنفسـه بالغفلة والبهتان، فقالوا {يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون}[١]، فلما بُطش به وبداره، قال أهل جواره الحمد لله الذي ليس لنا مثل الذي لقارون. اليوم ننجيك ببدنك، لتكون لمن خلفك ممن تابعك آية برحمة.
هذا هو ناموس الله، في قصص يبديه فيما يعطي ويمنع، في دار التوقيت والاختبار لمن يضرب بهم للآخرين مثلا للعظة والاعتبار. إنه ناموس الفطرة في الناس، فيما يدرك وينكر الناس من جوهر وقشـور الحيـاة بظروفهم في موقوت أيامهم، يقطعونها متعظين، أو تقطعهم جاهلين غافلين، بعيدا عن الإسـلام والمسـلمين.
إنهم يكبرون أهل الابتلاء بنعمة الدنيا ظاهرين، وينكرون على أهل البلاء أبوابا للآخرة قائمين، لأنهم لا يعرفون الحق ما يكون، ومن يكون، ومتى يكون، وأين يكون، فيعرفون أهله يوم يلاقون، ويشـهدون. ولا يعرفون متى الجزَاء وما الوفاء، فيتقون ويسـتوفون.
{إني متوفيك، ورافعك إليَّ}[٢] لأن الله يتوفى الأنفس حين موتها، وقد أماتك عنك المرة والمرة، وبعثك الكرة والكرة، فكنت مسـيحا لمن أماتك وقياما لمن بعثك، ثم بعثك بمحمدك في آل حمده بالحق، فكنت عبدا لتمام عبوديتك، وكمال حقك، ثم اجتباك إليه، وأجلسـك، على كرسـي لك، في ملك لك من ممالكه، فكنت ربا راعيا لتمام حقيتك وهو يوما معيدك، لتحدث الناس بجديدك عن قديمك.
أظهرك من وراء حجاب أديمك بآدمك وكوثر أوادمك متحدثا من الصالحين، كلما من الأرض ولدت، وكلما بالحق للبشـرية بُعثت، وفي الله اسـتشـهدت، وله بالحيـاة طلبت، وعلى نفسـك من التراب أنكرت فكنت يتيما آواك وضالا هداك وعائلا أغناك، فكنت من الله حقا ولله اسـما ومنه كلمة وإرادة، وفيه روحا وحقا.
هذا هو أمر الإنسـان بالحق وأمر ابن الإنسـان، مصطفى اصطفاء أبيه، أو مكرما على ما أكرم أخوته من أبناء فيه، يطغى، ويفتن، ثم برحمته يُوقَظ، فيدرك ويرسـل، فيسـتغفر، وله الله يغفر (إذا لم تذنبوا وتستغفروا، فيغفر الله لكم، لذهب الله بكم وأتى بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون فيغفر الله لهم)[٣]، {يا عبادي الذين أسـرفوا على أنفسـهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا}[٤]، {إن الله لا يغفر أن يشـرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشـاء}[٥].
{اسـتغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسـل السـماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا}[٦]، ويورثكم الأرض فتتبوؤون من الجنة حيث تشـاؤون، يوم أنكم متارب الوجود تملكون، وأنفسـكم دورا لكم تسـمون، وكراسـي لظهور سـلطانكم تعرفون، على عروش الروح لبنات بنائها من الناس لكم منكم لها تجمعون، وبالحق على عروش أنفسـكم تسـتوون، أسـماء لله تتجمعون، وبصفات الله تتحلون، والأسـماء الحسـنى له تدعون.
(ليس الشـأن أن تعرف ما هو الاسـم الأعظم، ولكن الشـأن أن تكون أنت الاسـم الأعظم)[٧]، فتكون وجها لله، باقيا، غير فانٍ، زَهق باطله من الفناء والتوقيت، وبُعث بحقه من البقاء والتأبيد، {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك، ذو الجلال والإكرام}[٨]، بيتا موضوعا، عَلَمَا على بيت مرفوع.
(يطول بنا إسـناد عنعنة حتى إلى الذات الأعلى)[٩]، نشـهدها بحكم الناموس يوم ندخل في الحجاب الأعظم لها، من بيت موضوع باسـم ذات أدنى، ذكرا محدثا لله، لذكر قديم لله، لذكر أقدم فأقدم، في الله ذي المعارج، أو في بيت مرفوع، يلقي الروح من أمره على من يشـاء من عباده.
والبيت المرفوع وأهله، والبيت الموضوع وأهله، الكل في الله الواحد الأحد، في الله الفرد الصمد، في الله الوجود المنفرد، يدرك أمره كلما قام فرده بأحديته بإنسـانه، إنسـانا لله، وعبدا لله، وحقا لله، من عباد لله، من حقائق لله، من ذكر متعدد لا حصر له، يذكر به الله في بيوت ترفع وتوضع، يذكر فيها اسـم الله برجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم بالغدو والآصال وليسـوا من الغافلين، يذكرون ربهم في أنفسـهم في معارج الله بأسـمائه ربا فاعلا، طلبا للمطلق يعرفونه أقرب إليهم من حبل الوريد، ومعهم أينما كانوا بالأعلى فالأعلى عليهم ربا راعيا وحقا مدانيا. يرددون بين الناس ما عرفوا، رسـلا من الله بينهم عرفوا، يمكنون الناس لأنفسـهم بما به شَـرَفوا.
ذلكم دين الفطرة، على ما جاء به رسـول الفطرة، وعلى ما عرَّفه كتاب الفطرة، وعلى ما قامه الناس، قياما بالفطرة، في فاطر السـماوات والأرض، صبغة الله ومن أحسـن من الله صبغة، رجل سـلم لرجل، في رجل رشـيد كلمة لله، وروحا منه تجسـد إلى صورة بذات، أو انطلق نورا وقام سـماوات.
فإلى متى نتمنى ما لقارون؟ وإلى متى ينتظرنا الوعد والوعيد، فلا نفيق إلا يوم نرى ما وقع لقارون؟ مَن يكفر بالطاغوت ويؤمِن بالله فقد اسـتمسـك بالعروة الوثقى لا انفصام لها. وكم وقع ما وقع لقارون ولا نفيق، ولا نؤمن بالله ولا بالطريق!
إن من وصل نفسـه برسـول الله، وصل نفسـه بالعروة الوثقى لا انفصام لها. إن من صلى على النبي، كان النبي أولى به من نفسـه. إن من دخلت نفسـه مطمئنة، صِدِّيقة، عالِمة مفرقة بين الحق والباطل، دخلت نفس عبد لله، نفس عبد للرحمن يمشـي على الأرض هونا، لا يسـفه أحلام الناس في دينهم، ولا يجاري الناس في دنياهم، ولا يمقت الناس متواصيا بحق، ولا يضطر الناس آمرا بمعروف. فهو رحمة للناس أبرز، ورحمة للناس ظهر، ورحمة للناس مع الناس عامل.
نفس كلية تدخله النفوس المطمئنة، فيحتويها، حواءٌ حاوية لبنيها، فتصبح النفوس الحية به أجنة نامية فيه إلى جنة قائمها، باسـتقامتها على أمره، في جهره وسـره لجهرها وسـرها، قدوة لها بكلماته، موقظًا لها بآياته، يُمسـك منها الأعنة، ويقودها إلى أعلى من الجنة، يخلصها ويقيها من أسـفله من النار، فهو سـيد الجنة والنار في موجوده لنفسـه، وهو المسـجد والمزار والطواف، وهو النُصب والحوض والاغتراف، لمتواجده لأمره، وهو الحرم للأحرار، وهو سـاحة المطلق والدار لعتقى العقول من الأحمال والأوزار.
وهو بالأعلى القيوم والقائم على قائم الحيـاة، وحي النفوس ومتحرر العقول، وهو الحارث الزارع لأرض القلوب، وهو الغارس الحاصد لأرض الوجود، وهو الجامع السـاري لسـاحات الشـهود.
هل عرف الناس أنفسـهم بالكنود، فعرفوا ربهم عليهم بالسـهر والوجود، فطلبوهم إلى سـاحته، فدانتهم رحمته، فعرفوا الخبير، ولاقوا الدليل، وبعثوا الرسـول والسـبيل؟
عرفوا أن وجودهم، لواجبه موجودا، عَلَما على واجب الوجود خالقا معبودا، أمر فطري، وناموس حقي، وعلموهم المفتقرين للدليل إلى رب العالمين، المسـتغنين عن الدليل على رب العالمين، يَعرفونه في أنفسـهم يوم يجتمعون على مفتاح الكنوز لضمائرهم، ولعقولهم، ولقلوبهم، ولوعيهم، متجسـدا لهم في الشـهود، بعثا بوجود لواجب الوجود، برسـول الله ربا للعالمين.
واعلموا أن رسـول الله فيكم ومن بينكم، واعلموا أن فيكم رسـول الله في أنفسـكم، أفلا في أنفسـكم تبصرون؟ إن الله معكم ورسـوله فيكم، وأقرب إليكم من حبل الوريد، يوم أنكم لهم تطلبون، ولمطلق الله تسـجدون، ولوجه الله أنفسـكم تعبِّدون، ما شـهدتم لله وجها، أينما تولون، فكيف تكونون وجوها لله متحققين، أو بوجهه مسـفرين، وأنتم على مشـهود وجهه لكم تنكرون، فأنتم وجوه لوجوه فيه تتراءون؟
فماذا عرفنا من الإسـلام، نزعم الانتسـاب إليه، والقيام فيه؟ وماذا عرفنا عن دين الفطرة، نقومه غير مدركيه، وتقومنا الفطرة نكدين، غير مصدقين ولأنفسـنا مضيعين؟
إن الله معنا، قائم على كل نفس، ومن ورائها بإحاطته، وأقرب إليها من حبل الوريد. هل هذا قول معجم، أو كلام لا يفهم، ولا يقوم ولا يُعلم؟ قامه من بُعث به، وعلمه من تعلم فعلم فيه، فنفرنا منا حقائق، وفتنا بنا خلائق.
الله لا إلـه إلا هو الحي القيوم
اللهم يا من يجمعنا… اللهم يا من هو في دوام جامعنا، وفي يوم معلوم يُشـهِدنا… اللهم يا من بالرحمة أوجدنا… اللهم يا من بالحكمة أعدنا وطورنا… اللهم يا من بدأنا خلقا، وينتهي بنا إليه حقا، ومن الباطل يخلصنا، ولنفسـه يسـتخلصنا، وبقائم الحق بنا يقومنا… اللهم كن لنا في الصغير والكبير من شـأننا.
اللهم لأنفسـنا لا تدعنا، وإلى أرض قيامنا لا ترجعنا، وعلى أهل سـماواتك مقبولين عندهم فاجمعنا، واكشـف حجاب الغفلة عنا، وخلصنا من أوزارنا منا، واكشـف لنا أسـرارنا، وأقرئنا كتبنا، واجمعنا كتابا جامعا لنا، عبادا لك مصطفين، وكلمات لك مُشـهرين، وحقائق فيك مجددين، بك قائمين، وحقائق منك مبعوثين، ومُرسـلين، ولرسـولك متابعين، وبه فيه محمولين، إلى مطلق حضرتك معه سـاعين، قائد ركب عوالمك إليك في العالمين، له منسـوبين، وبه إليك منتسـبين، لا تحرمنا متابعته في الدنيا والدين، وفي الآخرة وفي ركب العالمين.
اللهم به فارحمنا… اللهم به فولِ أمورنا خيارنا… اللهم به فتواجدنا… اللهم به فاسـعدنا… اللهم به إليك فينا أرجعنا.
لا إلـه إلا أنت سـبحانك، إنا كنا من الظالمين.
أضواء على الطريق
للكاتب الإنجليزي المعروف هـ. ج. ولز من مقال تحت عنوان (من أنا):
(من أنا ومن ذلك الإنسـان المدعو ولز؟)
لقد حاولت أن أفكر في شـخصي، وفي مجموعة الخواطر والأفكار التي يتألف منها كياني، فعدت بخيبة مُرة، تركت في فؤادي أعمق الحسـرات.
إن شـخصيتي ما تنفك تتبدل وتتحول، وما ينفك ماضيها يبتعد عني، ويتبدد ويتلاشـى في جوف الزمن السـحيق. ها هي آثار اصطدامي بزجاجة في طفولتي باقية. ولكن أين هي الآلام والأفكار والعواطف التي اقترنت بالحادث؟ كل ذلك قد مات وليس في مقدوري أن أسـتعيده. وإذن فليس في وسـعي أن أقرر أن ولز الطفل الذي فكر وأحس وتألم في ظرف من الظروف هو ولز العاقل الرصين الذي يجلس السـاعة على مكتبه مقطوع الصلة بماضيه. يفكر في هذا الماضي على غير جدوى. فولز القديم قد مات ولكن من هو ولز الحديث؟ من هو ولز الماثل في قلبي وعقلي وحسـي وضميري؟ هل هو حي حقا كما يخيل إلىّ وكما يعتقد الكثيرون؟
الواقع أن أفكاري قد انحدرت إليَّ من الآخرين، وأني متصل بالنوع الذي أنتمي إليه وبالكتلة التي أنتسـب إليها، وبالمجموع الذي أنا جزء منه.
ولكن إذا كان بدني ثقيل الوطأة عليَّ، دخيلا على شـخصي، وإذا كان شـخصي المعنوي نفسـه لا ينفك يتغير ويتبدل مسـتمدا قواه من الغير، فمن أنا؟ وما هي حقيقتي؟ وما هو اعتقادي في مصير الجسـم وفي مصير الشـخصية الإنسـانية؟
يلوح لي أن الجسـم يفنى، وأن شـخصية الفرد المعنوية فناء يمشـي إلى فناء. وأما عقيدتي فهي أن الجوهر الباقي هو مجموع الفكر البشـري النامي، ومجموع الإرادة البشـرية المتفوقة، ومجموع الجهود الفكرية والنفسـية التي يقوم بها الكل، والتي يمثل كل فرد جزءا منها.
فالناس إلى فناء، ولكن الإنسـان هو الباقي. والإنسـان هو روح المجموع، هو (لا شـخصية المجموع)، هو سـر المجموع وعبقريته، ففي الإنسـان قوة أقوى منه. فالإنسـان الأعلى ليس شـيئا في نفسـه، وقيمته تنحصر في أن تفوق المجموع قد تمثل فيه، وأن عبقرية المجموع قد حلت عليه، وأن شـعوره بضرورة إنماء مواهبه، ينبع لا من نفسـه، بل من المجموع، وينصب لا في نفسـه، بل في حيـاة المجموع. فجهادنا يجب أن ينصرف إلى خدمة النوع الخالد أو الإنسـان الخالد لا إلى خدمة ذاتنا المضمحلة الفانية التي لا قيمة لها من حيث هي ذات، بشـرية منفصلة).
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة القصص - ٧٩ ↩︎
سورة آل عمران - ٥٥ ↩︎
حديث شريف: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لهمْ.” صحيح مسلم. ↩︎
سورة الزمر - ٥٣ ↩︎
سورة النساء - ٤٨ ↩︎
سورة نوح - ١٠-١٢ ↩︎
مقولة للسيد أبي الحسن الشاذلي. ↩︎
سورة الرحمن - ٢٦-٢٧ ↩︎
مقولة للشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية: فإن نظرت إلى الآلات طال بنا *** إسناد عنعنة حتى إلى الذات. ↩︎