(١٢)

الله والإنسان
الله في حجابه والإنسان في إيابه
الحق في دانيه والإنسان في عاليه

حديث الجمعة

٢٠ رمضان ١٣٨٤ هـ - ٢٢ يناير ١٩٦٥ م

اسـتوى إلى الأرض مقاربا في قديمٍ قُرب الأعلى، مَن خَلق فسـوى، حتى صارها وصارته، قاب قوسـين أو أدنى، فكانها وكانته، فكسـبت الحيـاة من نور الله به سـرى بها، وأخرجت أثقالها بالحيـاة، كلمات طيبة أصلها ثابت، ثم اسـتوى إلى السـماوات، فكانها وكانته، وعرفها وعرفته، من شـجرته ثابتة في أرضه، طيبة بمعناه، حية بقيومه عليها بالحيـاة، فروعها في السـماء متصاعدة بتعاليه، وجذورها في الأرض صامدة بتكاثره ودوام تدانيه، ثم اسـتوى إلى العرش، فكان ما العرش، وكان ما فوق العرش، وكان ما تحت العرش، فكان العرش بالوجود مظهره، وبالحق جوهره. بهذا تعارف الله إلى إنسـان الله، أليس الإنسـان هو الحق من الله!

من هو ذاك الذي دانى الأرض من سـماواته، ثم صَعد من الأرض إلى سـماواتها، واسـتوى على عرش السـماوات وأرضها، مترددا بينهما بكلماته؟ ما كان هذا الحق إلا الإنسـان… إنه الإنسـان… إنه إنسـان الله… إنه الحق من الله… إنه إنسـان الوجود لعلمية الوجود على الله.

بالحق أنزله قيومه من مطلقه، فنزل، فكان الحق لما نزل إليه، واسـتوى معه روح الحيـاة له في موجوده، لوجوده، بالحيـاة لشـهوده نورا على نور، وحيـاة على حيـاة.

إنه إنسـان الحيـاة… إنه الإنسـان لاسـم الله… إنه عبد الله… إنه حق الله… إنه رسـول الله… إنه كلمة الله… إنه اسـم الله… إنه وجه الله… إنه عَلم الله… إنه كتاب الله… إنه أحد الله… إنه بيت الله، حق من حقائق، وعبد من عباد، ووجه من وجوه، وواحد من آحاد، وعلم من أعلام، وإنسـان من إنسـانية، وبيت من بيوت، ووجود من وجود لوجود لا حد ولا عد له.

اسـتوى إلى الأرض فحققها حضرة لله، وشـجرة طيبة لكلمة طيبة للإنسـان من الله، فصارت الأرض حقا به، وعلما له عليه حية بوجوده، لوجودها، بدء وجود، وبدء حياة، دحية حيوان الحيـاة وقلب إنسـانها الكبير، عنها تواجدت الحيـاة الفطرية، ومنها تصاعدت الحيـاة بالأحيـاء إلى سـماواتها بالحيـاة الأبدية، من مصدر الحيـاة من السـماء الدنيا لمعناها حتى اسـتوى ذكر الله، واسـم الله، وإنسـان الله على عرش عوالم الله رأسـا للسـماوات والأرض بأوادمها بدايات وكلمات، كانت بالإنسـان الحقي لها لبداياتها من الخلق نهايات وفي معراج الحق بدايات.

حقا عنونه إنسـان الله أُنزل، رسـولا بحقه، وآدما بخلقه، قبضة نور الله لسـمواته وأراضيه بالحيـاة، أدبه ربه من الله له فأحسـن تأديبه على ما كان في أزل فعل الله، انشـقت عنه الأرض، أوادم بعثت به، وفي قديم قيام الله بخلق الله بالحق قام، المرة بعد المرة، والكرة بعد الكرة، فتواجد الآدم بعد الآدم، حتى اسـتوى إلى معنى الإنسـان للآدم، فكان الآدم الإنسـان لمعنى ظلاله، وكان الحق من الله لمعنى حاله.

اسـتولى على داره، عرضها السـماوات والأرض خلقت له، في دار الأعلى قام بها، واسـتظل بظلال أشـجارها، وتوج في ملكه على عرشـه، من ملك للسـماوات والأرض، لاسـم الله، لإنسـان الله، هدية قيومه لقائمه، مالك الملك يؤتي الملك من يشـاء، على ما يشـاء، وكما يشـاء، في أزل فعله يُخلِف ويسـتَخلِف، ويتخلى ليعرف. (المَلِك من ملك نفسه)[١].

يتخلق الإنسـان بأخلاق من كان له العنوان، فيعمل للتكاثر بمعناه، ويسـتأذن ليخلف يوم يطلب إعفاءه مما هو فيه من الملك بما ملك من تجديد معناه لمولاه، ليكون في قرب من المالك لكل مُلك عرفه، ومن الظاهر بكل ملك ظهره، ومن الباطن بأمره وبحقيقته عن كل ما عرف عنه، من كان وراء كل ملك والأعلى، الأعلى من كل ملك بعاليه. فبعاليه خلف دانيه، فعَلَا عاليه عن حاله من عاليه، بمن خَلَّف، وخالفيه بمخلَفيه، في ناموس الفطرة، ناموس الحيـاة، في واقع الحيـاة، في قائم الحيـاة، بقيوم الحيـاة تعاليا في الحيـاة، بتجديد الحيـاة، وإفاضة الحيـاة على طالبي الحيـاة.

طلب الإنسـان أزلا إعفاءه من أعباء الملك، ومن قيام بالمــُلك بوصف الملك، طلبا للمالك، يوم عرف معنى العبء، ومعنى المسـئولية عنه، فأعفاه الله برحمته، ونزع عنه الملك الذي أثقله وأعناه، فوضع عنه وزره من الوجود بمعناه، وأعزه بقربه لمولاه، وفي مطلق الوجود أطلقه وتولاه، وعبدا له سـماه.

فعرف أن الأعلى دانى الأرض ويدانيها في دوام، يوم هو بها له، يبعثه ويرعاه جديدا لقديم بمعناه. زويت له الأرض يوم ظاهره وأبداه، فكان قاب قوسـين أو أدنى، لاسـم مولاه.

بكلمة لله تمت للأعلى، هي كلمته منه لإرادته به، قامت برحمته، وعملت بعظمته، وظهرت بوحدانيته، لكمال رسـالته، عن ربه رفيقا أعلى معلما ومؤدبا دعاه، فتخلق بقائمه بأخلاق الأعلى، فعرفه على قائمه حق العبد لمعناه ومبناه، فبالحق نزل لدانيه لمرآة عاليه، فاسـتوى إلى الأرض بجديده لكوثره مرة أخرى، سـبق فعله بعاليه، فداناها بمداناته الأعلى معه فيه، وجددها به لعين معانيه، في قائم الأدنى ذكرا لله، فكان الرسـول ذكرا قديما، داناها لجديد ذكر بها بما كسـب، وبما وُهب، وبما اكتسـب.

فجدد بها معناه، وأنقصها من أطرافها لبناء سـماواتها. كما جدد الأعلى منها معناها، يوم هو به سـواها، فأخرج منها سـواها بمعناها، يوم هو دحاها فطواها فأخرج منها ماءها ومرعاها، جديد ذكر لقديم ذكر، جامعا لهما في معناه، أنزل بالحق، وبالحق نزل.

بدلت به الأرض غير الأرض، وظهرت به السـماوات غير السـماوات، مُبدلة به حضرات لحضرات بسـماوات لسـماوات، بقانون إرادة الله في إرادة الإنسـان، وفي فطرة موجود الله بوجوده {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون}[٢]، {كل يوم هو في شـأن}[٣]. (إن الزمان قد اسـتدار على هيئته كيوم خلق الله السـموات والأرض)[٤].

يُعلي من يشـاء، ويضع من عُلوِّه من يشـاء، في انفراده بإرادته في ممالك وجوده، وملوك ظهوره، بكل مَلك حق مبين يخالِل ويخالَل، من حق مُرسَـل أمين صادق الوعد، بالحيـاة غير ضَنين، فياضا بالحيـاة من فيض رحمة الله، رحمة للعالمين. {وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا… إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسـطة في العلم والجسـم}[٥]، {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله}[٦]، {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسـيح بن مريم}[٧].

هذا أمر الله برسـول الله، في وجود الله قائم، وبناموس الله ظاهر، وبحقائق الله معلوم، يوم يُقدِّر الإنسـان الله حق قدره، فيعرف إنسـان الله حق معرفته، أولى بالمؤمنين من أنفسـهم، ربا رحيما راعيا، عليهم وكيل، رحمة مهداة، وربوبية مختارة مرتضاة من الله لهم بحكمته.

إمامٌ يجمع ألوان الحيـاة، هو حوض الحيـاة… هو روح الحيـاة… هو ماء الحيـاة لنبات الحيـاة، صنوان وغير صنوان يسـقى بماء واحد، يُبين بالأحيـاء، ويتحدث بالأشـياء. مَلِك فيه ملك الله… أمير فيه أمر الله… سـلطان فيه قُدرة وسـلطان الله… عَلم هو كلمة الله… ظهور هو وجه الله… بطون هو عظمة الله… قرب هو اسـم الله… مراد هو رحمة الله… غيب هو واسـع الله… سـكينة هي لقاء الله… كتاب لشـهود الله، بوجود الله، بأسـماء الله، بإنسـانية الله لطالبي الله، للمؤمنين بالله.

شـعار فطرته لا إلـه إلا الله… وشـعار طريقه الله أكبر، الله أكبر… وشـعار حكمته الله أعلم… وشـعار حكمه حسـبنا الله… وشـعار شـكره نعم الوكيل… وشـعار كتابه وهديه نعم الدليل… وشـعار مجاهدته تقوى الله في الإنكار على نفسـه بالكمال متقيا دعوى المثال… نِعم الرسـول عند المؤمنين… ونعم الكفيل عند العارفين… ونعم الطريق والسـبيل عند السـالكين… ونعم الرب عند المقربين… ونعم الحق لأهل اليقين.

بذلك كله قام إنسـان الله، ومحمد الله، وعبد الله، وابن عبد الله، عَلمَا على الأعلى لاسـم الله، ومعلوم الله لله، ومعلوم النفس للنفس في قيامها في الله بالله، تطور كلمة الله بكلمات الله إلى كمال به، في عِلمها عن الله، فكان هو شـعار إنسـان الله، وكلمة الله، وروح الله عند المعلم عن الله، وعند المربي في الله، وعند الدال على الله، وعند الدلالة على الله، عند عَلم الدلالة على الله، عند النبيين خاتما لهم، وطابعا لمثالياتهم لكمال المثال لهم، في احتذاء مثاله والقيام بأحواله، كافة للناس.

{وفي أنفسـكم أفلا تبصرون}[٨]، {ارجع البصر كرتين، ينقلب إليك البصر خاسـئا وهو حسـير}[٩]، {فكشـفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}[١٠]، خوطبوا في خطابه، وبشـروا به لهم ما دخلوا في إهابه، رحمة مهداة، ورب غفور.

الله، من ورائكم محيط… الله، معكم أينما كنتم… الله، أقرب إليكم من حبل الوريد… الله، قائم على كل نفس بما كسـبت… الله، لا شـريك له منكم وجودا، ولا نفسـا، ولا شـهودا، ولا عقلا، ولا روحا، ولا معنىً، {إن الله، لا يغفر أن يشـرك به}[١١]، إن الله، لا يقبل عمل المشـركين به. إنهم بحركات الصلاة يصلون، ولكنهم عن معنى صلاتهم سـاهون، لأنهم يراؤون، ويمنعون عن نور الله الماعون، {وأقم الصلاة لذكري}[١٢]، {ما يأتيهم من ربهم من ذكر محدث إلا اسـتمعوه وهم يلعبون}[١٣]، فهم أجهزة الله بهم إليه لا يردون، وعوالم الله بهم بنور الله لا يحيون، ولا يطورون، فلا يشـهدون لهم معهم ربا، هو رب العالمين، برسـوله من أنفسـهم هو معهم وهم معه في الله مقامين، ليس الله عليهم به بضنين، نوره يمشـي به في المؤمنين، أولى بهم من أنفسـهم بما أودع الله فيه، وبما عَرَّف الله عنه.

عرِف الله ويعرفه لا يظن، فهو ليس فيه بظنين، ولكنه عرف الله لنفسـه بيقين، وهيأ لقوم يوم ينسـبون إليه أُمة، وبالإيمان جمعا هو فرده، وبالمتابعة عوالما هو وجودها، فرصتهم للتعرض لنفحات الله، ليخلق الله منهم بمن خلق فسـوى، جديدا لوجود على مثال لوجوده.

فيخلق به من الناس، وهم بوحدتهم لأحدهم معالم الأكبر، من الوجود بالوجود الأعلى للملأ الأعلى ملأً أدنى من الناس، ما تواجدوا بالله وجوها له، وأعلاما لرب الناس، ملك الناس، إلـه الناس، إعلاما للناس عما يفعل الله من الناس، وما يفعل الله بالناس، وما يفعل الله للناس.

يتواجد الناس على الأرض، سـواسـية كأسـنان المشـط، بمظاهرهم، ولكنهم يتفاوتون بينهم، تفاوت السـماء والأرض في جواهرهم، فبينهم الأزلي القديم برسـالته، وبينهم الحادث الفطير بغفلته، وبينهم الذكر القديم بمعارفه، وبينهم الذكر المحدث بلطائفه، فالكل لله وجوه، الله من ورائهم بإحاطته.

أشـرقت الوجوه بنور ربها بوحدتها {وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة}[١٤]، {يوم ندعو كل أناس بإمامهم}[١٥]، وغبرت الوجوه بعملها، وظلام قلوبها، ببقائها في غفلتها وفرقتها، فنارت قلوب بيقظتها، وجلوتها بالذكر لحضرتها، وصدأت قلوب بغفلتها، فتخلفت العقول بشـهوات نفوسـها، وبانحطاط أهدافها ومراميها، فرطوا في أمر الله لهم، فلم تجمعهم كلمة لله لمعيتهم فيه، {ووجوه يومئذ عليها غبرة. ترهقها قترة. أولئك هم الكفرة الفجرة}[١٦]، وقد كفروا بمعية الحق لهم روحا وذاتا ومعنى، برسـول الله إليهم بينهم، في دائم وقائم أمرهم {وما كنا معذبين حتى نبعث رسـولا}[١٧]، {وما أرسـلنا من رسـول إلا بلسان قومه ليبين لهم}[١٨].

علِمت نفس ما قدمت وأخرت، يوم تعلم، فعلمت كرتها خاسـرة، وعلمتها للحيـاة فاقرة، رُد إليها عملها، ليس مقبولا عند حقها، بالحق عليها، في كل قيام لها، كفى بنفسـك اليوم عليك حسـيبا، {وتكلمنا أيديهم، وتشـهد أرجلهم}[١٩]، وما نحن مكلموهم عاتبين، أو منطقوهم من أيديهم وأرجلهم محاسـبين، إلا بنفوسـهم بالحق فقدوها، بالحيـاة قاموها، وبالعدم ارتضوها، وقد كانت بالحي القيوم قائمة.

خسـروا الله ما كسـبوه، وفارقوا الدنيا ما بقيت لهم، خسـروا أنفسـهم فخسـروا الدنيا والآخرة. هكذا هي الفطرة… وهكذا هو أمر الفطرة… وهكذا هو الله، معروفا لا يجحد، واجب الوجود لا يحتجب، للمدرك للوجود في وجوده، المؤمن بواجب الوجود لوجوده، المشـاهد لله في مرآة وجوده، والمشـاهد لنفسـه في مرآة المؤمنين. يجيء ويرى ويعمل من قطبانية قلبه، من قطب رحاه لذاته، من مركز دائرته لهيكله، من فؤاده، من صميم فؤاده، من أعماق فؤاده، يوم يرى وحدة مجتمعه من الناس، من البشـرية، من شـقي البشـرية، من قائم الإنسـان بحقه بالروح والشـبح، فينعكس فيه مطلق الوجود، لعين مرآته بوجوده، لبصيرته عينا لشـهوده، في صحبة رسـول الله لمعنى الحق للكل عنده، بقيامه لقيومه عليه به بحقه مشـهودا له في الكل عنده، لقائم قيومه بنفسـه، ظلا له بحقه.

{ارجع البصر كرتين، ينقلب إليك البصر خاسـئا وهو حسـير}[٢٠]… {ولا يحيطون بشـيء من علمه إلا بما شـاء}[٢١] أن يحيطوا به من العلم عنهم، علما عنه، من الكتاب بأيمانهم يأخذونه، ببصائرهم يقرأونه، وبعلمهم يشـهدونه، كسـبوا الله لأرواحهم، وكسـبوا الرسـول لعقولهم، وكسـبوا الوجود لذواتهم.

فارقوا الدنيا، للحيـاة كاسـبين ولنفوسـهم مالكين، فالدنيا بزائل زخرفها لم تخدعهم، وقد عرفوها على حقيقتها لا قيمة لها عندهم، أدركوها جيفة يطلبها الكلاب، وما كان الكلاب للمؤمنين مثلا لهم، أو من يصلح للسـكنى لقلوبهم، ولكن كان الله هواهم ومثالهم بأسـمائه الحسـنى لهم يقومونها ويطلبونها، وما عرفوها في رفيق أعلى بها على أنفسـهم يقيمونها.

بعباد الرحمن لاقوه، وفي أنفسـهم كسـبوه، وبمعرفتهم عنهم عرفوه، يوم دخلوا في حصن لا إلـه إلا الله، شـعارا لهم رفعوه، وبيتا لقلوبهم شـادوه، وحقا لعقولهم لمسـوه، وقياما للحق في عوالم هياكل سـعدوه، فما في كرة الفطرة خسـروه، ولكنها كرة رابحة بها غنموه، قائما على أنفسـهم عرفوه، انقلبوا إليه، من ورائهم محيط قاموه، بوجوههم وجها له شـهدوه وأشـهدوه، وبوجوههم منقلبين إليه في أنفسـهم في دوام معارج، يرتقوه ويلاقوه.

فأكبروه يوم أكبروهم، فدبوا على الأرض هونا، ما اسـتعلوه، ولا على الضعفاء علوه، ولا في الغافلين أنكروه، ولا في الجاهلين أغفلوه، أو جهلوه، بل في كل شـيء نظروه، أينما ولوا فثم وجه الله لاقوه، طلعته شـهوده، واسـتمعوه وعاملوه واسـتمدوه، فقراء إليه لازمهم ولازموه، فما بغنى منه بغناهم زاحموه فأنكروه ففقدوه، أو اسـتغناءً عنه بما أغنى جحدوه، بل في دوام طَلبوه، ومهما أغنى فهم الفقراء للغني يسـتجدوه، ومهما أعز فهم الضعفاء للعزيز يعبدوه ويتقوه.

عرفوه لا تأخذه سـنة ولا نوم، يوم عرفوهم، لا تأخذهم سـنة ولا نوم، (نحن معاشر الأنبياء، تنام عيوننا وقلوبنا لا تنام)[٢٢].

هل نام القلب؟ هل نامت قلوبكم عن السـهر عليكم؟ هل فترت قلوبكم عن ذكر الله؟ هل توقفت قلوبكم عن العمل؟ إن قلب رسـول الله لم يتوقف عن العمل في الله، فهل أنتم تتابعون قلب رسـول الله بقلوبكم حتى لا تتوقف قلوبكم عن العمل في الله؟ هل أنتم تعملون بقلوبكم، على ما علمكم، وهداكم قلب القلوب؟ (ذرة من عمل القلوب، خير من أمثال الجبال من عمل الجوارح) [٢٣].

إن الصلاة… إن الصيام… إن الحج… إن الزكاة… إن مناسـك الدين على ما عرفتم، إنما هي أعمال من أعمال الجوارح، ما شـرعت لكم إلا لتتنبه الجوارح تمهيدا لانتباه القلب. وانتباه القلب هو غاية الحيـاة من خلق الهياكل لعوالمها، صغيرها وكبيرها.

ولو اسـتقامت الجوارح لاسـتيقظ القلب، ولو اسـتيقظ القلب لتواجد الرب في بيته، فإذا جاء الحق لعالمه، وبُدلت الأرض غير الأرض والسـماوات، لمــُكنت الجوارح، فكانت إمكانياتها إمكانيات الله لصفاته. (إن في الجسـد مضغة لو صلحت صلح البدن كله، ألا وهي القلب)[٢٤].

لو حيا القلب… لو بعث القلب بالحق… لو أشـرق القلب بنور الله، لو اسـتقبل القلب فيض نور الله، بهدَي الله وبرحمة الله، وهو المعد لنور الله بفطرة خليقته، يقوم بشـحنة الحيـاة، ومضاعفاتها، نور على نور، وحيـاة على حيـاة، مضاعفة للحيـاة، ومضاعفة للنور، أضعافا وأضعافا، يضاعف الله لمن يشـاء، ويهدي من أناب، فإن صادف القلب هذا، لكانت كرته بالحيـاة في مشـروعها الأبدي رابحة، (إنما خلقتم للأبد، وإنما تغيرون الدار من دار إلى دار) [٢٥].

من أناب أمره لله ورسـوله، معلوما له أمره، في كرة قيامه برفيق مؤمن بالله ورسـوله، كان الله ورسـوله حسـبه، وكان الله ورسـوله نعم الوكيل. فما انفصل الله عن رسـوله، وما تعطل هديه برسـوله، وما انفصل الرسـول عن رسـول الله، عن أُمته لقيامه مرسـلة، وما توقف قيامه بقائمه عن قيام الله ورسـوله، له به، وما انعزلت قدرته عن قدرة الله ورسـوله، أو قدرة الله ورسـوله عن قدرته، وما اسـتقل قيامه عن قيام الله ورسـوله أزلا وأبدا وسـرمدا، وما فارق عوالم الخلق قائم بالله ورسـوله، بموصوف أحواض الحيـاة، بماء الحيـاة لها، في حيوات الروح في أشـباحها من التراب أو النور أو النار.

الناس لله ورسـوله كلمة الله ورسـوله… الناس ما عرفوا بينهم لله ورسـوله، إلا كلمات من الله ورسـوله، بها كانوا كلمات لله ورسـوله، عنونت الله ورسـوله، بها اسـتوى إلى الأرض فقدر فيها أقواتها من كلمات الله ورسـوله، وبها اسـتوى إلى السـموات فسـواهن كلمات لله ورسـوله. بها ظهر الملك الحق المبين، وبها لكمالها مخلفة عنها، يؤتى الملك من يشـاء من الإنسـان والملَك، والجان، وينزع الملك ممن يشـاء منهم، ويعز من يشـاء ويذل من يشـاء، له الأمر، وله الفعل، وله القدرة، في السـماوات والأرض، كتب على نفسـه الرحمة، وغلَّب رحمته على عدله، وأقام عدله بقوانين إرادته ونواميس فطرته لقائم الوجود لصبغته.

{مَن ذا الذي يشـفع عنده إلا بإذنه}[٢٦]، {قُتل الإنسـان ما أكفره}[٢٧]، {إن الإنسـان لربه لكنود}[٢٨]، {إن الإنسـان ليطغى. أن رآه اسـتغنى}[٢٩]، يا أيها الإنسـان، {إن إلى ربك الرجعى}[٣٠]، يا أيها الإنسـان، ذكر نفسـك بالضعف، ولا تزعم لنفسـك القدرة.

وأنت أيها المؤمن لا تنظر إلى المسـيء نظرة مقت وهوان شـأن، واعلم أنه لو شـاء ربك ما فعلوه، ولحكمة شـاء، ولحكمة فعلوه، فلا تظن بالله ظن السـوء، هو {الرحمن فاسـأل به خبيرا}[٣١]… (رُب معصية أورثت ذلا وانكسـارا خير من طاعة أورثت عزا واسـتكبارا) [٣٢].

إنها آيات الله يبديها، لمن يرتئيها، وإنها فتنة الله يسـديها، لطالبيها، من المنافقين فيها، فريق وفريق، {فريق في الجنة وفريق في السعير}[٣٣]، {لا يسـتوي أصحاب الجنة، وأصحاب النار}[٣٤]، {إن الشـيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السـعير}[٣٥]. إن النار لها نصيبها من خلق، والجنة لها نصيبها من خلق، والإنسـان بالحق (مالك) للنار ومحيط بالجنة في (رضوان) من الله أكبر، وهو بحقه لربه جماع الناس بهما.

فالمقربون والمقاربون، لا يرتضون بالجنة لأنفسـهم متاع، ولا يرتضون بسـلطان النار لهم على أهل النار فيهم، حتى لا يكون به لأنفسـهم ضياع. إن النار في طريق الإنسـان، {وإن منكم إلا واردها، كان على ربك حتما مقضيا}[٣٦]، وإذا كان الشـيطان يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السـعير، بإذن ربه، صراطا مسـتقيما له، فالإنسـان الرشـيد لا يرتضي أن يكون هدفه من الاسـتقامة مشـاركة الله في عزته بالمجاهدة والتقوى، {فبعزتك لأغوينهم أجمعين}[٣٧]. (إن لم تذنبوا وتسـتغفروا فإني أخشـى عليكم ما هو أدهى العُجب العُجب)[٣٨]، (إذا لم تذنبوا وتستغفروا لذهب الله بكم وأتى بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون فيغفر الله لهم)[٣٩].

يهدف الإنسـان إلى كسـب العزة والسـلطان، و{ليطغى أن رآه اسـتغنى}[٤٠] وينسـى مانح العزة ومانح السـلطان. فهو لا يريد أن يتَخلَّى عن العزة ولا عن السـلطان، لمن يطلبها منه، ليخلفه عليهما، ويخلصه منهما زهدا فيهما عنده، وفي هذا فتنته {فبعزتك لأغوينهم أجمعين}[٤١]، {بما أغويتني}[٤٢]، {هذا صراط عَليَّ مسـتقيم}[٤٣].

فالعزة والسـلطان تُملك في متابعة الرحمن، بها يعمل الرحمن بالإنسـان، وتتعطل بغلبة الرحمة على العدل عند الرحيم في متابعة الرحمن في غلبة رحمته بما كتب على نفسـه، فالعزيز مخلف بعزته، حتى يتحرر هو من العزة والسـلطان بمن يسـتخلفه عنه بهما في دائرة وجوده. ثم يحرر من أعطاه العزة والسـلطان، ويعينه على أن يتحرر من العزة والسـلطان بمنحها إلى طالب للعزة والسـلطان، من المؤمنين، على ما فعل له الأعلى من الإنسـان.

وليس معنى هذا التحرر من العزة إلى الضعف والاسـتكانة، بل هو التعالي بها إلى سـعة، تترفع عن اسـتعمالها مع من تراهم بحال من الضعف معها، لا يليق بها معه الظهور بعزتها في عظمتها.

هكذا دواليك، عزة وسـلطان يكسـب، وعزة وسـلطان عنه يتخلى، خلقناكم أزواجا وحققناكم أزواجا، وذلك ما قام ويقوم في الإنسـان موصوف حق الله {في أي صورة ما شـاء ركبك}[٤٤]، قائم كلمة الله، وروح قدس كلمات الله. وهذا ما كان لمن كان رسـول الله، لرسـول الله وعبد الله.

فما شـهدناه الحق من الله، ولا به بالحق قمناه، قياما لله ورسـوله، بقائم الله ورسـوله، بكلمة الله، آدم أوادم الله في الله.

ذكرناه ذاتا وآدما محمدا، ابن عبد الله، وابن أَمة الله، الآمنة بنت وهب من الله، فكان بالله بظاهر وباطن، ابن عبد الله، قديما وأبدا، فما قدرناه لنا لقائم بالله، والروح المتجسـد المتصل بالله، سـليل عباد الله، لا بدء لهم، والطالبين لله لا انقطاع لهم، فكان بكوثره جماع الحامدين لله لا احتجاب لهم، الغاضبين لله لا فتور لهم، الهاشـمين للنفوس، الراحمين لها، مرضاةً لله، في قائم الله، لمعنى حقائق الله. فكان بذلك لنا دائم رسـول الله. فهل بذلك عرفناه؟!

من ظهر آدم لأقرب تواجداته له، وُلِد من نكاح صحيح، إلى ظهر عبد الله، حملته البطون، آمنة مرحومة، وحملته ظهور الآباء، رجالا لله، سـواهم رجلا برجل، رجلا بعد رجل، على القرب والبعد بينهم في المكان والزمان، رجل سَـلم لرجل، (يطول بنا إسـناد عنعنة حتى إلى الذات)[٤٥] عنونها أحسـن تقويم، وظلاله مقبولة مغفورة.

بوأ الأعلى إبراهيم مكان البيت لهيكله ليكون سـبقا له بمعناه، لتسـتقيم له مثاليته للناس عند الناس، عبدا لمولاه، بدءا لوجود، مسـبوقا ببدء، بدوام إلى أزل، ليكون بقدوته لمعناه إلى أبد، خلقا وحقا، ظاهرا وباطنا، كان تمام كلمة الله الذات، لتمام كلمة الله الروح، فأودع فيه حقه بالذات، سـر ربوبيته بالروح، بيتا لله يرفع، وسـر ربوبيته وجها لله، لوجوه به لله بيتا لله وضع، أُمة بقائمه هو فردها، منه تُدعى لقيامتها، وبه تُبعث لقيامها.

أَذِن لإبراهيم أن يُؤذِّن في الناس بالحج، ليأتوه مؤمنين لقاءً مع الحَق لهم فيهم به، وقد بوئ لنفسـه مكان البيت، ليكون ومن صَلح من أبنائه شـعبا مختارا مقدمة لمن جعله الناموس في دورته بالحيـاة كافَة للناس بذلك، ليكون شـرفه في أن يخرج ذلك البيت منه وليكون مقدمة له به، وبشـرى عنه رسـولا به، لأبدي الحق، مظهرا لأزليه بآدم.

فكان إبراهيم الأب والآب وخاتم وطابع كلمة الله لرسـالة بني إسـرائيل، بكلمتي الله موسـى بني عمران، وعيسـى بن مريم، مبشـرين بمن تقوم رسـالته على فتح ما أغلق عن عموم الناس إلى قَدر، حتى تواجد بين الناس من أنفسـهم ناشـئة الليل على ما أنشـأهم مَن ارتضاه لنوره، ليكونوا به قدوة وأسـوة لهم في جمعهم على ما جدده بنوره، واصطفاه لأطواره بخلقه.

جَعله حقائق الله وكلماته، أودعه إشـراقه ونوره في قلبه لواسـعه بلطيفه لهيكله، وجعل مشـهود قالبه ليلا ليومه بباطنه ظهر لآدمه بأديمه، حتى يكون رسـولا من أنفسـهم، وكافة لهم بقدوته، ظاهره الخلق وباطنه الحق. هم في حاضرهم لليله لقادمهم في نهاره، طبيعة البشـر، وحقيقة البشـرية.

فهو جماع اليوم، ظاهره الليل بمقام موسـى، وباطنه النهار بما هو لعيسـى، هو يوم الجمعة المنادي للصلاة بالاجتماع عليه اجتماعا على ربه، من دخله كان آمنا، {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد}[٤٦] رسـولا من أنفسـهم، لكتاب تقديره وليلة قدره، ويد قُدرته، {وهو الحق من ربهم كفر عنهم سـيئاتهم وأصلح بالهم}[٤٧]، {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}[٤٨]، {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}[٤٩]

وهم يجاهدون أنفسـهم تتخلص من أوزارهم وأحمالهم بأعمالهم، وقد وعدنا المسـتغفرين المجاهدين منهم أن نهديهم إليه سـبيلا لهم، لمعنى قائم ودائم رسـول الله بينهم، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سـبلنا}[٥٠]، {قل هذه سـبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[٥١]، وما كان الله ليقبلهم وهم ليسـوا فيه بإسـلامهم، وليس هو فيهم بإيمانهم.

إن الأعلى لمعنى ربه في أحديته، اكتفى به لموصوف العبد له، فقام قديما في دائرة وجوده برسـالته فيه، وبشـر من دخلوا فيه وطنا لهم برحمته، وتطهيرهم بالاصطفاء منهم لمعنى آدم لهم، لبعثهم به بحقية العبد له. {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، ويطهركم تطهيرا}[٥٢]، وما كان البيت يرفع أو يوضع، إلا قلب إنسـان أرضا ودارا للرحمن، أمر يتم ويتواجد في ناموس الفطرة لصبغة الله.

فمن لم يدخل البيت لله، هو قلب عبد من عباد الله، هو قلب رسـوله، بيت إنسـان الله بيتا يذكر فيه اسـم الله، بيت الله، سـاحة الله، فما تعرض لرحمة الله، وما تعرض لمغفرة الله، وما تعرض لشـفاعة رسـول الله، وما أدرك التوسـل إلى الله، وما تعرض للإيمان بالله، وما كان مسـلما لله ورسـوله بإسـلام إلى قبلته، رمزت لها الرسـالة بحجرة، قائمة، دائمة، في مشـهود حيـاتكم على دوام، بإشـارة إلى الهياكل المتجددة به في تجددكم منكم.

{إن الذين ينادونك من وراء الحجرات، أكثرهم لا يعقلون}[٥٣] وكرتهم للقيام خاسـرة، (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر)[٥٤]، {اُنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا}[٥٥]، {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا}[٥٦]. فرسـالة الرسـول بقدوته، بيتا يذكر فيه اسـم الله، أمر يكسـب ويجزى به.

{وعهدنا إلى إبراهيم وإسـماعيل، أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين، والركع السـجود}[٥٧]، {ذرية [طيبة] بعضها من بعض}[٥٨]، وفق تطبيق قانون الاختبار والانتخاب، وقد بوأناكم مكان البيت منه تواجدتم، ومنكم يتواجد، جزاءً أوفى، لكم ولمن كان من نسـلكم به يظهر.

أقيموا القواعد من البيت مقتدين بإبراهيم وإسـماعيل إن كنتم مسـلمين، وإذ يقيمان القواعد من البيت، إذ يضعون آداب السـلوك لأهل البيت لهم، ويورثونهم حميد الصفات بما اسـتقاموا عليه وماتوا عليه، وبعثوا فيهم به، إذ يضعون للناس كيف يكون الأدب مع البيت وأهل البيت، وقد بوأهم الله مكان البيت من أنفسـهم، وقد جعل من بيوتهم بقلوبهم قبلة للناس، بعد أن جعل من قلوبهم بيوتا له وقبلة لهم به.

لقد كان إبراهيم وإسـماعيل مثلا للإنسـان يصطفى، وابن الإنسـان يكرم مثلا لآدم وابن آدم، مثلا للحق ورسـوله، مثلا لله وقبضة نوره، مثلا لاسـم الله يتكرر ويتعدد بصفاته لأسـمائها، ويتعالى ويتجدد بظلاله يخلفها على إرادته بخلقه في دائمه الأبدي، بوأهما مكان البيت رجالا لمعاني بيوت رفعت يذكر فيها اسـم الله، كان أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ليكون قدوة تعم، ونعمة ورحمة للعالمين تتم، جعله من ذريتهم جديدا لقديمهم بالحق لآدمهم، بمحمد وعليّ.

يوم أبرز الله عبده ورسـوله وأهل بيته لمعنى آدم ونوح اجتماعا له ليكونوا مصابيح لله بنوره لإضاءة الطريق، وشـموسـا للوجود لقيام حضراته بحقائقه، جعل الشـمس عليهم الدليل في شـهود الطبيعة لمعلوم الحقيقة، وكان الله بما أبرزهم، وبما هداهم إليه، وبما داناهم بهم، وبما أعلاهم فيهم، بهم ولهم الكفيل، وعليهم عند خلقه الدليل.

لا يَعرفون إلا الله، ولا يذكرون إلا الله، ولا يعلمون له سـميا إلا أسـماؤه بالمحسـنين، له الأسـماء الحسـنى من العابدين، له وجوه طلعته من إحاطته بحقائقه بعباده ربا للعالمين، لا يعرفون له ذاتا غير ذواتهم وذوات الناس بهم، وذوات إنسـانية الأزل إليهم بإنسـانية الأزل لرشـادهم، وذوات الأبدية بهم لهم لإنسـانية الأبد بحقهم لحقيقتهم. رأوهم لحاضرهم قديما متجددا بقائم دائم من خلالهم أُمة وسـطا. هم الكل في أمرهم على قلتهم في أمر الناس بهم.

أُمة اجتمعت في أصابع يد الله بهم، يد قدرته ممسـكة بهم، يتجددون بجمعهم في وحدتهم إلى أبد لا انتهاء له، من أزل لهم عرفوه لا بدء له. إنهم خمسـة تعلوهم أحدية الحق، وتسـفلهم وحدة الخلق. هل عرف الناس بيت الله يذكر فيه اسـمه؟ {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله}[٥٩]، {ويطعمون الطعام على حبه}[٦٠] لوجهه.

هل عرف الناس العباءة وما طوت؟ هل عرفوا الخيمة وما حوت؟ هل عرفوا ظاهر عبد الله، آدم الله، بإنسـان عرفوه وما قدروه، وما تابعوه، وما ذكروه، وما لأنفسـهم حققوه؟

ولو تابعوه لعرفوه، وهو القُدوة لكافة وجَدوه، ولكنهم ما أبصروه، سـمعوا رنين صوته ما وعوه، حملوا كتابه ما لمسـهم، ولا لمسـوه، جعلوه حرزا، أحرزوه وتحرزوه، وما قاموه، وما قرأوه، وأنفسـهم لله إليه عبادا انتسـبوه، وربا لهم نسـبوه، وتعالى الله عما وصفوه.

والله أقرب إليهم من حبل الوريد أنكروه، وجحدوه، وقلوه، وظاهروه، وما كسـبوه. وهو القائم على نفوسـهم ما آمنوه، وما سـجدوه، ولكنهم بدين من الوهم ذكروه ورددوه، وإن الظن لا يغنى من الحق شـيئا يوم يعرفوه، فظلموا أنفسـهم وما ظلموه يوم هم فقدوه ما عرفوه.

ولكنه لم يتركهم كلما تخلفوه، باخعا نفسـه بينهم، بجديد خاصموه، ثم بقليل منهم آمنوه، ثم مقبرة بينهم أكبروه وعمموه. فإذا ما واصل هديه بجديد، هم بعين فعلهم واصلوه، حتى يلاقوا يومهم وعدوه، يوم تنشـق الأرض عنه وقد نسـوه. وقد برزوا لله جميعا في أنفسـهم ما ذكروه.

فتعالى الله عما وصفوه وعما لاقوه، يوم هم لأرواحهم جحدوه، ولأنفسـهم في ظلامها قلدوه وحاكوه وبها قاسـوه وكالوه وإليها نسـبوه. نسـأله النور والهدى لنا ولمن لأنفسـهم بأرواحهم أنكروه، فما آمنوه أو افتقدوه أو سـألوه.

نسـأله أن يكشـف عنا أغطيتنا، وأن يفضحنا، ولا يسـترنا حتى يتميز لنا الخبيث من الطيب بيننا وفي أنفسـنا، ويظهر بيننا بمن في أنفسـهم وجدوه، لمن في أنفسـهم فقدوه، لينظروا فيطلبوه، وفي أنفسـهم مع الرسـول يلاقوه.

اللهم برحمتك ادفع عنا فتنتك بنا أحاطت، وفينا تغلغلت، اللهم ارزقنا الصدق معك، والصدق مع أنفسـنا، وحررنا من النفاق يحيط بنا، ويتغلغل فينا، ويقومنا، ويجعلنا له.

اللهم اجعلنا لك، ولا تجعلنا للنفاق، نحن بافتتاننا بأنفسـنا قيام بافتتاننا له ومصدر له.

اللهم كن لنا، على ما كنت لآبائنا في أحسـن تقويم…

اللهم كن لنا على ما وعدتنا لأبنائنا لأحسـن تقويم…

اللهم لا تحرمنا فيض الآباء من أحسـن تقويم…

اللهم اجعلنا أصول الأبناء لأحسـن تقويم…

اللهم اكشـف عنا حجاب الغفلة، وعلمنا وأعلمنا ما كسـبت نفوسـنا في قديم من كرات خاسـرة، لا يائسـين، وارزقنا التصديق لما ينتظرنا مما بشـرتنا به من كرات قادمة رابحة، ما وفقتنا فقمنا مجاهدين، غير وانين، لها عاملين، ولكسـبها جادين، وإلى تحقيقها هادفين.

لا إلـه إلا أنت، على ما علمنا، من رب العالمين، عرفناه وشـهدناه برسـوله الأمين، ظاهره لباطنه، في وحدانية وجودك، وفي قائم شـهودك، وفي طلعة رحمتك وجودك.

اللهم به فألحقنا، ولحقه فعبدنا، ولكلمتك منه، بها فابعثنا، وبها قومنا، وقوم بنا، علمناك لا إلـه إلا أنت، لا شـريك لك في وجودك بوجودنا، لا شـريك لفعلك بفعلنا، ولا شـريك لقيومك بقيامنا.

اللهم أدخلنا في حصن وحدانيتك، وأدخلنا في حصن لا إلـه إلا الله، واجعلنا لا إلـه إلا الله، وألسـنة الله أكبر، لكتب معرفتك، ونصب حجيجك وهدايتك، وبيوت ذكرك، لا إلـه إلا أنت سـبحانك إنا كنا من الظالمين.

اللهم برحمتك فولِ أمورنا خيـارنا، ولا تولِ أمورنا شـرارنا، بما كسـبنا، وكن لنا في الكبير والصغير من شـأننا، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك.

لا حول ولا قوة إلا بالله.

أضواء على الطريق

جاء في المقدمة التي قدم بها السـيد هانن سـوافر شـيخ الصحافة البريطانية وصاحب الدائرة الروحية المعروفة باسـمه في لندن لأحد كتب السـيد سـلفربرش ما يأتي:

(إن سـلفربرش معلم. وهو لا يعالج ونادرا ما يعطي رسـائل إثباتية، ويعتذر عن ذلك بين الحين والآخر، فيقول إنه يأسـف كثيرا لأنه قد حصر هيمنته على الوسـيط في التعليم. ومع أنه يعتبر تعليمه ذا أهمية فهو يقر أن العالم يحتاج إلى برهان على البعث.

وخلال السـنوات الأخيرة أخذت أناسـا على كل شـاكلة ليسـتمعوا إلى سـلفربرش وهو يتحدث من كبراء رجال الدين والصحفيين وأناس من جميع أقطار العالم. ولم أسـمع من أي منهم كلمة نقد لأي شـيء قاله.

حَمل إليه قسـيس ما لديه من صعوبات عِلم اللاهوت فوجد نفسـه يخلو للسـكون عندما شـرح سـلفربرش في كلمات بسـيطة ما يسـميه القانون. قلت للقسـيس الذي أمامي “اكتب أصعب الأسـئلة التي يمكنك التفكير فيها”، فأخذ يعدها متحمسـا لكي يتحدى أحد الأرواح المرشـدين والذي غالبا ما اسـتمع إلى لمزه كثير من رجال مهنته. وكانت النتيجة أنه غلب على أمره، عندما جعل له سـلفربرش علم اللاهوت على درجة كبيرة من البسـاطة.

والآن تعقد دائرتي التي مرشـدها سـلفربرش جلسـتها في مسـاء كل جمعة، وتنشـر صحيفة (سـيكك نيوز) كل أسـبوع بانتظام تسـجيلا حرفيا لما يقوله. إنه يدلي به لدائرتنا لا لفائدتنا الخاصة ولكن ليذاع توا في كل أنحاء العالم.

وكان من نتيجة ذلك أن أصبح لسـلفربرش أتباع أكثر من أتباع أي واعظ أرضي. إنهم ينتمون لكل إقليم، وغالبا لكل جنس، أُناس من كل الألوان المتباينة. وإذا ما صيغت كلمات سـلفربرش في حروف المطبعة البارزة، فإنها لا يمكنها أن تعمل أكثر من حمل قليل من نبل أخلاقه، وحرارة صداقته، وبلاغته المطبوعة بالوقار، إنها تسـتدر الدموع أحيـانا، ومهما كان متواضعا في حديثه، إننا لنعلم أننا في حضرة روح سـام، إنه لا يلوم أبدا. إنه لا يبحث عن الخطأ بتاتا).

رحم الله الأخ هانن سـوافر. لقد أعلمنا مرشـدنا أنه ما زال يواصل عمله في الخدمة، وأنه بجواره معنا دائما، للبروز بهيمنة كاملة يبرز بها ما يحتاجه العالم لإقامة أُسـس السـلام فيه.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. استلهاما من الحديث الشريف: "ليسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّدِيدُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ. أخرجه البخاري ومسلم ↩︎

  2. سورة الذاريات - ٤٧ ↩︎

  3. سورة الرحمن - ٢٩ ↩︎

  4. حديث شريف: “إن الزمان قد اسـتدار كهيئته يوم خلق الله السـموات والأرض.” أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود. ↩︎

  5. سورة البقرة – ٢٤٧ {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ" ↩︎

  6. سورة آل عمران - ٦٤. ↩︎

  7. سورة التوبة - ٣١ ↩︎

  8. سورة الذاريات - ٢١ ↩︎

  9. سورة الملك - ٤ ↩︎

  10. سورة ق - ٢٢ ↩︎

  11. سورة النساء - ٤٨ ↩︎

  12. سورة طه - ١٤ ↩︎

  13. الأنبياء - ٢ ↩︎

  14. سورة القيامة ٢٢-٢ ↩︎

  15. سورة الإسراء - ٧١ ↩︎

  16. سورة عبس - ٤٠-٤٢ ↩︎

  17. سورة الإسراء - ١٥ ↩︎

  18. سورة ابراهيم - ٤ ↩︎

  19. سورة يس - ٦٥ ↩︎

  20. سورة الملك - ٤ ↩︎

  21. سورة البقرة - ٢٥٥ ↩︎

  22. حديث شريف: “إنا -معشر الأنبياء- تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا.” أخرجه البخاري. ↩︎

  23. مقولة صوفية ينسبها البعض لحكم السيد أحمد بن عطاء الله السكندري، والبعض يقول إنها ترجع للإمام أبي حامد الغزالي. ↩︎

  24. من الحديث الشريف: “ألا وإن في الجسـد مضغة إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  25. مقولة للخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز:" إنما خلقتم للأبد، ولكنكم تنقلون من دار إلى دار." أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في كتابه حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ↩︎

  26. سورة البقرة - ٢٥٥ ↩︎

  27. سورة عبس - ١٧ ↩︎

  28. سورة العاديات - ٦ ↩︎

  29. سورة العلق -٦ ↩︎

  30. سورة العلق - ٨ ↩︎

  31. سورة الفرقان - ٥٩ ↩︎

  32. من حِكم السيد ابن عطاء الله السكندري: “معصية أورثت ذلًّا وافتقارًا خيرٌ من طاعة أورثت عزًّا واستكبارًا” ↩︎

  33. سورة الشورى - ٧ ↩︎

  34. سورة الحشر - ٢٠ ↩︎

  35. سورة فاطر - ٦ ↩︎

  36. سورة مريم - ٧١ ↩︎

  37. سورة ص - ٨٢ ↩︎

  38. حديث شريف: “لو لم تكونوا تذنبون، لخفتُ عليكم ما هو أكبر من ذلك؛ العجْب العُجب.” أخرجه البزار والديلمي. ↩︎

  39. حديث شريف: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لهمْ.”  صحيح مسلم. ↩︎

  40. سورة العلق - ٦-٧ ↩︎

  41. سورة ص - ٨٢ ↩︎

  42. من سورة الحجر - ٣٩ ↩︎

  43. سورة الحجر - ٤١ ↩︎

  44. سورة الانفطار - ٨ ↩︎

  45. مقولة للشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية: فإن نظرت إلى الآلات طال بنا *** إسناد عنعنة حتى إلى الذات‏. ↩︎

  46. سورة محمد - ٢ ↩︎

  47. سورة محمد -٢ ↩︎

  48. سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎

  49. سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎

  50. سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎

  51. سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎

  52. سورة الأحزاب - ٣٣ ↩︎

  53. سورة الحجرات - ٤ ↩︎

  54. من حديث شريف: “إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أهْلَ الغُرَفِ مِن فَوْقِهِمْ، كما يَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ في الأُفُقِ، مِنَ المَشْرِقِ أوِ المَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ ما بيْنَهُمْ قالوا يا رَسولَ اللَّهِ تِلكَ مَنَازِلُ الأنْبِيَاءِ لا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قالَ: بَلَى والذي نَفْسِي بيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا باللَّهِ وصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ.”. صحيح البخاري، وأخرجه مسلم باختلاف يسير. ↩︎

  55. سورة الإسراء - ٢١ ↩︎

  56. سورة الفرقان -٧٥ ↩︎

  57. سورة البقرة -١٢٥ ↩︎

  58. سورة آل عمران - ٣٤ ↩︎

  59. سورة النور - ٣٧ ↩︎

  60. سورة الإنسان - ٨ ↩︎