(٩)
كافة للناس يتواجده
وبكافة الناس يتوحده
وبالمؤمنين يتعدده
وبالموحدين يتجدده
الحق الرسول
حديث الجمعة
٢٧ ربيع الآخر ١٣٨٤ هـ - ٤ سبتمبر ١٩٦٤ م
لا إلـه إلا الله، لا شريك له في أحديته، ولا شريك له في صمديته، ولا شريك له في واحديته… أينما نولي فوجهه… وكيفما نقوم فأمره، الكل وجهه يوم يقومه عَبْدَه، وكل حديث حديثه ما استقام عبده على مأموره بأمره، فنطق وسمع بسره وجهره، نطق بسره مُلهِما، ونطق بجهره مُعلِّما. أو انحرف مفتونا فاتنا، بقانون قضائه، وحكمة بلائه، وسر ابتلائه.
إن الزمان استدار على هيأته، كيوم خلق الله السماوات والأرض، مرة وأخرى، ومرة وأخـرى، {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم}[١] على ما من قبل فعل بقبل لها، خـلق السماء بأيد، وإنه لموسع، يملأ فراغ الوجود بالحياة، يوم يتجلى بالحياة بالإنسان، فيعلمه البيان، يوم يقومه الناموس والقرآن، فيرحم به العوالم والأكوان، ويفعل به فيه له لمعنى الخالق وصاحب الإحسان.
يتجلى به الجلال والجمال، ويقوم به الحال والمثال، كافة للناس يتواجده، وبكافة الناس يتوحده، وبالمؤمنين يتعدده، وبالموحدين يتجدده، فيشهدونه لا إلـه إلا الله وجوها له، ويقومونه محمدًا رسول الله رسولا منه، يوم يقوم كل أُناس بإمامهم، إنسانا لهم.
لعلنا في هذا الزمان، وفي هذا العصر وهذا الأوان، تمر بنا البشرية، على ما سبق أن قام فيها منها، من قديم أمر في جديد من الأمر، وفي كشف من السر، وفي بدء من الجهر، إذ يستدير الزمان كما استدار، مرة ومرة، بمن جعله متجليه، أول عابدين لا آخر لهم، أصلا ثابتا لمنبئين لا انقطاع لهم، وطَابَع قيام لدائم من مرسلين لا غيبة لهم، وخاتم وطابع عالمين لا توقف لجديدهم، ومظهر حق مبين، لا يحرمه الطالبون ولا يمتنع عن العالمين العاملين.
إنسان الله، مسيح قديمه، ونفس قادمه، بشيرا بما يكون، ومعلما بما كان، وقائدا بما هو كائن، قائد ركب عوالم الحق، إلى الحق، بالحق، يوم يتحقق الخلق، فيفارقون صفة الحدوث والعدم، إلى صفة الحق والدوام والقدم.
قام اسما لله بذاته، وأسماءً لله بكوثر مثالياته لصفاته، صبغة الله، وفطرة الله لعباده وحقائقه. وهل هناك أكمل من فطرته؟ وهل هناك أسمى من صبغته؟ وهل هناك شريك له في أحديته؟ وهل هناك تعدد له في واحديته؟ وهل هناك أسمى من سماء أسمائه؟ وهل هناك أطيب من ذوات أوليائه؟
اتسع الإنسان لله، ولم تتسع السماوات والأرض لإنسان عبوديته، طواها، وبأمر الله تولاها، {تبارك الذي بيده الملك}[٢]، وما كان الذي لـه الملك إلا إنسانه هـو في قبضة يـد الله، للحق وجهه وعنوانـه (والذي نفس محمد بيده)[٣]، هو في عظمته مالك الملك يؤتى الملك من يشاء، وما الملك يؤتيه إلا الكرسي والعرش، يهبه لمرتضيه، فيستوي على العرش إنسان رحمته برحمته، فيتجلى للسموات والأرض إنسان طلعته، لا يكشف سره إلا لمن يصطفي ويخالل لمعناه، بموصوف عبد لعلي للانهائيته.
ما ظهر الله في شيء، مثل ظهوره في الإنسان، في أيِّ صورة ما شاء ركبه، أظهره عبدا، وكلفه ربا، وأكرمه قدسا، وأخذه إلى جواره غيبا، وتجلى به تدانيا إلى الخلق حقا، وطوى به الخلق إلى حضرته أمرا، فعلا وصدقا.
اصطفاه، وجعله باصطفائه إليه آبا، ورده إلى عالمه للخلق أبًا، ولاسم الله ذاتا ومعنى، ولإنسانه مظهرا ومخبرا، وحقيقة وخبرا، وأثرا وجوهرا[٤]، مسيح نفسه، بظاهر نفسه، لباطن نفسه، أحدية نفسه، لأحدية ربه معه، وحق حقيقته لإلـهه وغيبه، لحقيقة حقه، بقائم حقه لأمره، ظاهر باطنه لحقيقته، وباطن حقيقته لظاهر حقه، في دثر خلقه.
شهده لا إلـه إلا الله، يوم شهده محمدا رسول الله، فعلم وأعلم وعلم أنه لا إلـه إلا الله، وقام وأقام وقوَّم محمدًا رسول الله، فكان فطرة الله، ورسول فطرته، وقائم الفطرة، وقوانين شرعته. سن بفعله، وَبَلَّـغ بقوله، وشرَّع بعلمه، فكان كتاب الله، كما كان قائم إمام الله، إلى طلعة الله بحضرة الله، لوجوه الله، بلا إلـه إلا الله، بها نشهد وجه الله، بالحق من الله لنا، في شهادتنا لها بنا، محمدا رسول الله.
إن الزمان - بمحمد رسول الله، كما كشف رسول الله، وكما أنبأ عما عَلِم رسول الله، عن رسـول الله - استدار بظهوره في كنزيته على هيأته كيوم خلق الله السماوات والأرض. وإن الزمان به - كلما انشقت الأرض عنه، واجتمعت بانشقاقها السماء عليه فقام بجديد بدء لوجود، أحـدية السماء والأرض نواة وجود لقائم لوجود، وقيام لشهود لطلعة حق موجود، ورسولٍ لموجِـد مشهود، واسما لغيب معبود، هو له منه فيه عبد معناه، وبيت مبناه، ووجه غيبه، وحق شهادته كلما ظهره، أو كلما أظهره الله - استدار به الزمان على هيأته كيوم خلق الله السماوات والأرض، وهذا هو دين الفطرة، وهذه هي صبغة الوجود.
وها هي الأرض، ترهص، وتحدث أخبارها، وتتلقى وحيها… وها هي السماء، تهتز، وتنشق، وتتلقى أمرها، ووحيها، وتحدث بدورها أخبارها، {ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشـاء قدير}[٥]، وقد شاء القدير، بما هو عليه قادر، أن يجمع دواب السماء، ودواب الأرض، في أمر واحد، وفي صعيد واحد، وفي رسالة واحدة، على ما هو ظاهر لأهل هذا العصر، بالرسالة الإسـلامية الروحية، وهو تمام ما بدأه الرسول بعصره بلاغا وفعلا. يوم أيده (١) بنصره… (٢) وبالمؤمنين… (٣) وبجنود لم تروها.
هذه هي رسالتكم بعصركم… هذه هي رسالة عصركم لعصور تليها، هي رسـالة إنسانيتكم لإنسـانيات قادمة تحملون أمانة القديم أزلا، إلى القادم أبدا، أُمة وسطا، كانت خير أُمة أخرجت للناس، بثُلة من الأولين، وبثلة من الآخرين، وبقليل في دائم من عباد الله الصالحين، قيمة على هذا الدين القيم المتين، وقيمة على النـاس وفي خدمتهم، بما يحملون من الرحمة من رب العالمين، مزوية لهم الأرض لدائرة عملهم ونشاطهم على ما هي للرسول الأمين. {ليظهره على الدين كله}[٦].
من منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، تجددت رسالة الحق بجديد أمر من السـماء، تمهيدا لأمر تنشق عنه الأرض، فيجتمع الأمران، ويتحد الثقلان، ويتجدد العنوان، فيظهر الإنسان، ويقوم عبد الرحمن، متصاعدا من قبره، معتليا لمنبره.
إن القرن من منتصف التاسع عشر إلى منتصف العشرين، قام برسالته، مجددا لأمر الدين، نافضا الغبار عن كتابه وإنسانه، معنونًا الفطرة بوجدانه، متجليا باليقين بإحسانه، بادئا من الغرب لكشف بلاغه عن مشيئته {فبهت الذي كفر}[٧]. بدأ من الغرب من أقصاه، منتقلا من أمريكا بدءا، إلى انجلترا فأوروبا، فمنطقة الشرق الأوسط، شروقا من المغرب لشـمس الحقيقة.
ها هو جديد أمر الله لقديم أمره يهبط مصر، مُشرقا بنور الله ورسوله، بمصباح يوقد من شجرة الجنس، ويجعل بهبوطه بمصر، مطلوب الناس بها، فعليهم أن يهبطوا مصر من علياء كبريائهم، فإن لهم في مصر ما يسـألون من أمر أنفسهم، آوى الله بها كلمته في مهدها، وجعلها مهدا لكلماته، وكنانة لآياته، كما جعلها من قبل بيتا لكليمه، وليوسف بيئة لمستقيمه، وقد كانت مرتعا لطغاته، وكتابا لرواته، ومحلا لعظاته، فجعلها قبلة لصلواته، بإنسانية مرضاته.
وها هو يجدد لها في حاضر يومها قديمها على ما كانت، بنورها وظلامها، لوصف تمامها وكمالـها، لليلها ونهارها، فأيـام الله لها ليلها ونهارها، ينشأ فيها، وينشأ بها، ظلامها ونورها، تقومه ويقومها، لتمام وكمال أمر الله بها، يولج النهار في الليل، ويولج الليل في النهار.
الإنسان… يعنون أيام الله، وتعنونه أيام الله، ينشأ في النور، ويتخذ طريقه إلى الظلام، (أخذ الله قبضة من نوره وقال لها كوني محمدا فكانت…)[٨]، وينشأ في الظلام، ويتخذ طريقه إلى النور، {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا}[٩]، {إن لك في النهار سبحا طويلا}[١٠].
{كلمة طيبة، كشجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتى أكلها كل حين، بإذن ربها}[١١]، إنها بشرية الأرض، ملأ أدنى لإنسانية الرشاد، هو ملأ أعلى لها، يملأ فراغ الوجود بالحياة، بتكاثره بأصولها، بجديد بدايات هي ثمارها، وغرسها، وكوثرها، بها تتسع السماوات بأيدي الحق، وتتجدد بها، بتجديدها لنفسها، وتجددها بأمرها، وبأمر ربها، {فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}[١٢]، {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار}[١٣].
كلمة الله في السماء… السماء أصلها وأرضها، وخلق الأراضين والأوادم فعلها وثمارها، في الأراضين فروعها، وإلى الأراضين تصاعدها وتكاثرها، من النهار إلى الليل، ومن الليل إلى النهار مرجعها، هكذا دواليك، يولج النهار في الليل، ويولج الليل في النهار، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، لا إلـه إلا هو، إليه تصير الأمور، أمرا دائما له.
وكلمة الله في الأرض… بمن لم يجعل أمره فرطا، بأمانة الله له، في أمره أمرا لله، في قائمه قياما لله، في ظـاهره ظاهرًا لله، في باطنه باطنا لله، في وجوده وجودًا لله، يوم يدخل حصن لا إلـه إلا الله، ويشهده محـمدا رسول الله، تأخذ طريقها في الوجود بالتواجد والتكاثر، بالفتق منها والرتق معها، إلى وحدة وجود متواجد، علما على سبق يرعاها، لعين معناها، وهكذا هي الحياة.
هذه هي عقيدة الإسلام… وهذا هو فقه الإسلام، يوم نرانا من المسلمين، ويوم ندخل مِلة الإسلام عقيدة وكتابا نقومه، نحن فيها فطرية بموالدنا، على اختلاف مذاهبنا ومشاربنا، ونحن جميعا مباعدوها بمسالكنا في متابعة الآباء على غفلتهم عن الله لحقيقتهم في أنفسهم، على غفلتهم عن الله في وحدانيته، لقيامه وقيومه، بلا إلـه إلا الله، والله أكبر.
وهذا ما عَلَّمنا إياه عبده ورسوله، وأعلمنا وأنذرنا به، وحذرنا من فواته، قام بيننا حقه، ووجه مطلقه، وقدس الأقدس، لمعاني قدسه، وهو ما جددته لنا به بيننا ظلالـه بعترته، قام فينا عبدًا لربه، وربا لأرباب بعاشقيه ومحبيه، معه يحشرون، وله يخاللون، يبعث به جمعهم يوم أنهم له يحبون، وعلى حبه يتحابون، فيحبهم كما يحبون، ويودهم كما يودون، ويرتضيهم لنفسه على ما لأنفسهم يرتضون، مؤمنين، مسلمين، متابعين، مجاهدين، موالين، غير غافلين، فبه يحيون، وبه يبعثون، ومنه وإليه يعرجون، وبه بيوتا لله يرفعون، ويوضعون.
فتعالى الله عما يشركون، وتنزه رسوله عما يصفون، تعالى الله الملك الحق المبين، وتدانى الله الرسول الحق الأمين، حتى شهدنا أنه لا إلـه إلا الله، وشهدنانا محمدا رسول الله.
اللهم يا من جعلت من رسول الله حوض رحمتك… وسر رحمتك… وكنوز رحمتك… وبحار رحمتك… وأحواض رحمتك… وحضرة رحمتك… اللهم به فارحمنا.
اللهم يا من كان فضلك علينا به عظيما، وكنت بنا معه كريما، وكنت به لذنوبنا غفورا رحيما، ولفعلنا بجواره متقبلا مستقبلا شكورا، ولمجاهدتنا معه ناصرا، ولأمره لأمرنا منتصرا، وبجنود لم تُرَ لنا، له أمددت، ولنفسك به لك انتصرت، فجعلت العزة لك، عزةً له، وللمؤمنين معه، أتمم به علينا نعمتك، وأعلِ به فينا كلمتك، وخلصنا منا إليه لتمام نعمتك.
اللهم بحكمتك به فعلمنا، وبنصرتك له فانصرنا على أنفسنا، وعلى الظالمين من حولنا، وعلى الآبقين منا، وعلى الغافلين من آبائنا، وأبنائنا وأزواجنا، اللهم به فانصرنا على غفلتنا بنا.
اللهم به فأحيِ قلوبنا، وأنر عقولنا، وزكي نفوسنا، وقوِّم جوارحنا، واجمعنا عليه اجتماعا عليك، وأقمنا به قياما لك، ووحدنا معه توحيدا منك، ووحدانية لك.
شهدنا معه أنه لا إلـه إلا الله، مصدقين، اللهم فاشهدناها به موقنين، عالمين عارفين.
شهدناه وشهدنا له، رسولا منك صديقين، اللهم أشهدناه لنا، حتى نشهده رسولك موقنين، ومعه موحدين، معه متحدين، به قائمين.
به، غيرك لا نذكر، لك ذاكرين، غيرك لا نعرف، لك حامدين، في يومنا يوما للدين، وفي قيامنا قياما لليقين، يا من كنت معية المحسنين، اجعلنا من المحسنين، واجعل معيتك لنا، من رحمتك بنا، ومن رحمتك بالعالمين، برب العالمين.
وولِ اللهم أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا بما كسبنا، وأصلح شأننا وحالنا، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، مجاهدين ومتابعين.
لا إلـه إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
أضواء على الطريق
(انى أحبك… لا يمكنني أن أقول لك كم أنا أحبـــــــــك)
هذا ما قالته طفلة عقب حـديث لها مع رسول الروح الأعظم السيد سلفربرش في قبلة وسيطه فقال لها…
(انى أحبك كذلك… إنه الحب الممزوج بالحب، الآتي من مركز كل حب، الحب الذي يحكم كل العالم، الحـب الذي يحرك كل الكون، الحب الذي يقبض على كل حياة بجناحي رحمته، فلا يحزن طفل واحـد من أن يترك سدى، لا يهم أين يكون ولا ماذا يفعل. إنه يربط كل الأرواح معا على ممـر الدهور، قبل البداية وبعد النهاية. إنه منذ الأزل حب الإلـه وإلـه الحب. وفي كل مرة تظهرين ذلك الحـب تساعدين الرب على إظهار نفسه، وتساعدين عمل الخليقة على إتمام خطتها.)
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة يس - ٨١ ↩︎
سورة الملك - ١ ↩︎
قسم للرسول صلى الله عليه وسلم، يبدأ به بعض أحاديثه. ↩︎
في النسخة ال pdf المنشورة مكتوب “جهرا”، وصوبناها "جوهرا بعد أن رجعنا للنسخة الأصلية للسيد رافع. ↩︎
سورة الشورى - ٢٩ ↩︎
سورة الصف - ٩ ↩︎
سورة البقرة -٢٥٨ ↩︎
حديث قدسي متداول في الكتب الصوفية: " لما أردت أن أخلق الخلق قبضت قبضة من نوري، فقلت لها: كوني محمداً، ثم خلقت من نور محمد كل الأشياء." الحديث له سند في موسوعة الإمام علي بالمكتبة الشيعية بصياغات متعددة منها: “عن جابر بن عبد الله قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله: أول شيء خلق الله تعالى ما هو؟ فقال: نور نبيك يا جابر، خلقه الله ثم خلق منه كل خير.” رياض الجنان: مخطوط. ↩︎
سورة المزمل - ٦ ↩︎
سورة المزمل - ٧ ↩︎
سورة إبراهيم - ٢٤-٢٥ ↩︎
سورة الرعد - ١٧ ↩︎
سورة إبراهيم - ٢٦ ↩︎