(١)
المنتظر والمنتظرون!!
إنه العلم يوم يعلمون
أبعد رسول الله متكاثرا وهو الحق من الله وهو اسم الله
جديدا من الله يستقبلون؟!!
وهو المعلم بينهم على ما يعلمون وعلى ما يجهلون أو يتجاهلون
حديث الجمعة
٤ شعبان ١٣٨٣ هـ - ٢٠ ديسمبر ١٩٦٣ م
أعوذ بالله، وهو المسـتعاذ به. وبغيره أو من دونه لا يعاذ ولا يسـتعاذ.
وأسـتغفر الله، وهو الغفور ولا يغفر الذنوب إلا هو.
وأحمد الله، والحمد له والشـكر له ولا حمد لسـواه.
وأسـتعين بالله، منه العون ولا عون إلا منه.
وأقول باسم الله، وهو الناطق على لسـان كل قلب.
عباد الله… وهو من نلاقي في القلوب بالحيـاة يوم تحيـا به القلوب، اتقوا الله من أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال.
عباد الله… أحرار النفوس اتقوا الله بالغيب والشـهادة، فإن تقوى الله من عزم الأمور.
أيها المؤمنـون بالله يلقونه… أيها المتقون لله يخشـونه… قدروا الله حق قدره، وآمنوا برسـول الله تعرفونه… آمنـوا برسـول الله في أنفسـكم… آمنوا برسـول الله قيام اجتماعكم على قلب رجل منكم… آمنوا برسـول الله متواصين بالحق فيه… آمنوا برسـول الله حق الله قائما على كل نفس آمنت بما كسـبت، أولى بالمؤمنين من أنفسـهم، يوم يُقدر الله عندكم حق قدره، يوم تعلمون أنكم لن تـروا من الله إلا معنى من معاني الحق منه، إلا رسـول الله أو رسـول رسـول الله رسـولا لله تعرفونه، ولن تقوموا في الله إلا قيام رسـول الله في الأعلى من رسـول الله رفيقا أعلى، بقيام رسـول الله بكم في قيام رسـول الله عليكم، قيام الأعلى مسـتخلفا على أرضه من أرض قيامكم لمعانيكم بقلوبكم، ويطول بنا إسـناد عنعنة حتى إلى الذات، تعرج إليه الملائكة والروح في يوم كان مقداره خمسـين ألف سـنة مما تعدون.
عباد الله… أنتم في هذه الأرض، وفي هذه البشـرية ودوراتكم بها، تحملون أمر الله لقلوبكم وإن كان الشـيطان يجري منكم مجرى الدم لقوالبكم، وتقومون باللطيف الخبير يتخللكم أقرب إليكم من حبل الوريد. وفي الأمرين فإن حجاب ظلامه لسـكينته يطويكم، وحجاب نوره لعلمه يأويكم، وقيام أمره في إرادتكم يحييكم. والغفلة عن أمركم به لأمره بكم تميتكم وتفنيكم.
أنتم في أرض الفطـرة حيث البدء من العدم، وحيث الوجود بشـيء في الموجود بمعنى كل شـيء في الوجود، الموجود بكل شـيء سـدرة منتهى، ونهاية مرتجى في معارج حيـاة الأشـياء، بدأت من لا شـيء ومن لا حيـاة. قام فيها الشـيء ممن هو كل شـيء ليكون به الشـيء شـيئا وشـيئا، حتى يصير على هيئة من هو كل شـيء عَلَمَا عليه، في أي صورة ما شـاء ركبه، حتى يصير الجـزء كلا بذاته وأحده، حتى يصير الابن أبا يوم يعرف قبلته، ويجدد جلدته، ويحيي مطيته، ويطور شـيئيته.
إن أول قيامكم كائنا ينشـد أن يكون، وآخر قيامكم كائنا موجودا كائن ويكون، وقبلكم لهذا القيام وبعدكم من هذا القيام إنما هو قيام في أحد من آحاد، ممن هو قائم لا بدء له إلى قيامه بكم قائما لا انتهاء له، مثل أرضكم كحبة من رمال صحراء فيه، أنتم بين القيامين بين يدي رحمة أحديته بين الحضرتين، حضرة الرب حقا قريبا راعيا قائما على كل نفس، وحضرة العبد هاديا رحيما مرسـلا ورسـولا مدانيا لحضرة أنفسـكم من لدنه، كلمة قائمة بآدم قائما مؤاخيا، أمورا لقائم الحق له ترجون، وبه تتصلون بما عرفتم، وبه تؤمنون، وفيكم من هم في حجابهم يعمهون، ولقادم من الحق ينتظرون، ويتواعدون، ويتذاكرون ويتواصون، وهم دائما عن قائم الحق يتغافلون ويتجاهلون وينكرون ويخاصمون.
الحيـاة في سـفورها بقائمكم إنما هي أمرها لآخرة قيامكم، والحيـاة في سـفورها لكم إنما هي في كشـف قانونها ما طلبتم، يوم عرفتم أن قائمكم إنما هو بعث سـابقكم بقديم لقائمكم، عَلَمَا على قيام لكم على صورتكم مسـتديم، ما عرفتم أنكم تتكاثرون من فرد ذاتكم أوادم معانيـكم، وما عـرفتم أنكم كيف تتجمعون، لتكون من كثرتكم مشـتتة واحد الله وأحده في تجمعكم على ذكره، وعلى عَلَم قيامه، بيوتا ترفع أو توضع يذكر فيها اسمه بقائم عبده في دائم رسـالته، أبناء أبوة واحدة لسـابقكم، الرسـول جماع أبواتكم، وجماع حقائقكم لقائم أبوتكم وقائم حقكم.
هذا أمر الدين ما كان لكم دين، وهذا أمر الكتاب ما كان لكم كتاب، وما اختلف فيه كتـاب عن كتاب، وما اختلف فيه دين عن دين، وما اختلف فيه رسـول عن رسـول، ولكن اختلفت آراؤكم فيه من وضع أنفسـكم ظالمة مظلمة، محرفين لكلمات الله عن مواضعها.
وإذا كان الرسـل لم يختلفوا في قضايا الوجود إلا أنهم قد تفاوتوا في تحقيق نصيبهم من التواجـد بالموجود. أولئك الرسـل فَضَّل الله بعضهم على بعض في الدرجات وفي المعرفة، فقام كل بما عرف من زوايا العرفان عن الواسـع العليم، تعددت أسماؤه حاملة لعلم اسمه العارف، المعروف، الموجـود، الواجب الوجـود، عين الوجود، في وجودكم في وجود كل شـيء، ما ظهر في شـيء من أشـيائه ولا في موجود من موجوده ولا في وجود من وجوده، مثل ظهوره بالإنسـان في الإنسـان للإنسـان.
ما عرفه ظاهرا له كائن من الكائنات مثل ما عرفه الإنسـان الذي جعل معرفته إليه في معرفته عن نفسـه منه، وعن نفسـه به، وعن نفسـه فيه، من ورائه بإحاطته، ومن أمامه لشـهوده، وفي قيامه لعين وجوده.
شَـرف الإنسـان بمعبـوده، شـرف الإنسـان بمعتقده، يوم شَـرَّفه معبوده في قربه بوجوده وجها له، وقدسـا وأقدس من قدسـه بأقداسـه لا عَدَّ ولا حصر لها، ولا توقف لجديدها عين قديمها. كما جعل منه ربا وربَّه، وعبدا وعبده، وإلـها وإلـهه، ووجها ووجهه، أزواجا خلقه، وأزواجا أوجده، وأزواجا حققه، وجه الله يرى وجها لله في رفيق أعلى يريانه وجها لله، ورفيقا أعلى ينظر إلى وجوه لله في قيام وقائم وجه الله جامعا لكل وجه، في الشـاهد والمشـهود، في الناظر والمنظور، في العارف والمعروف، في العابد والمعبود، في الموجد والموجود.
بذلك شـهد الإنسـان وعلم وعرف، وبالله شَـرُف يوم حظي بدخول حصن لا إلـه الا الله، فشـهد أنه لا إلـه إلا الله، فأكبر الله بالله، وقدر الله بالله، وعَظَّم الله بالله، فأتم الله عليه نعمته وربط على قلبه فرآه محـمدًا رسـول الله، لعينه ولعين معناه، ولعين ما شـهد من مولاه، فعرف أن وحدانية الخلق في وحـدانيتهم مع أنفسـهم مع بعضهم البعض حول عبده ورسـوله، بها يعرفون عن الله، ويقومون عَلَما عليه.
وعَرف أن عبده ورسـولَه إنما هو الحق، من مطلق الحق، من شـامل الحق، من انفراد الحق بالحق، فحَيا الناس أنفسـهم يوم حيوا رسـول الله في معناهم، به شـهدوا وبه يشـهدون، وبه بُعثوا وبه يُبعثون، على بعث في قائم به يؤمنون، من قيام سـابق لقديم في قديم متلاحق. على غراره بمرجو، يتطورون، من قيام منه يبعثون، في قادم متلاحق فيه يتلاحقون من خلال قائمهم لهم حَيًّا (بهو) لهم لأناهم تدانى إلى قائم حق موجود ما غاب عن القيام ولا عن الشـهود، هم فيه في حجابهم بيومهم إلى قادم فيه لأنفسـهم يرجونه، لمعبودٍ في أنفسـهم يوحدونه ويتواجدونه، فيعبِّدون أنفسـهم له لصلاح به لقيام أمرهم بأمره، حتى يجتمع سـرهم بسـره، وجهرهم بجهره، وعنوانهم لعنوانه عين معانيه عند من يطلب أن يكون لله عنوانا عبدًا وإنسـانا، وأن يشـيد للحق بيتا يجعل من نفسـه بجمعه من فعله له لبنات بنيانه، وترجمان بيانه عبدا ورسـولا لله بإحسـانه، وعين رسـوله بعنوانه.
الناس في إنسـانهم، وبيت حقيقتهم، ومدينة حقهم، جوارحه وخلايا ذاته، ولبنات بنائه، وبيوت قبلتـه، ونُصب حجيجه، ما نصبوا أنفسـهم لله فارغين مما سـواه، {فإذا فرغت فانصب}[١]، {وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين}[٢]، وقد فرغت مما سـواه فكانت أمومـة الإنسـان عصماء أُم الأوادم، عذراء أُم الحقائق، حـواء أُم الكتاب، ورقاء أُم موسـى كلمة زهراء…
عَينَها كانت أُم عيسـى، وما تخلفت عنهم الآمنة أُم محمد، وما حُرمت من معناهم الشـجرة الخضـراء أُم الحسـن، وأم الحسـين، وأم المحسـن والزينب، الكلمة العذراء، والسـدرة العصماء، وأصل العترة الزهـراء وسـماء الحيـاة للأحيـاء من أُمة رسـول الحيـاة، وهذا ما جهله الناس، من أنكرها قومه، وخاصمتها عشـيرته، وتقدمتها للوجود في هذا العصر ذاته، وتَعَرَّفتها للسـموات والأرض حقيقته، أُم بشـريته، وزوج روحانيته، وظل رحمته، وشـجرة نورانيته، تُؤتي أُكلها كل حين.
بكرت بثمارها بالحسـن والحسـين، فمن عَرفهم؟ مَن طَلبهم؟ مَن وجَدهم؟ مَن عشـقهم؟ مَن تابعهم؟ مَن أَمنهم؟ من آمنهم؟ من أَمَّنهم؟ مَن وافاهم؟ مَن والاهم؟ مَن عناهم؟ مَن ورثهم؟ مَن أخذهم؟ مَن صَدقهم؟ مَن كانهم؟ مَن غرسـهم؟ مَن قطفهم؟ مَن اسـتظلهم؟ لو أن فاعلا فعل في حينه لفاز بالحيـاة، فما كانوا إلا أشـجار الجنان… ثمـار الإحسـان… ظلال الرحمن… عباد الديان… موازين الحق… معاني ومظاهر الخلق بالحق… كلمات الله… أسماء الله… رحمات الله… خلق الله… طريق الله… عوالم الله… خلصاء الله… كانوا سـفن الله، فمن ركـبهم؟ من شَفَّعهم؟ من توسـل بهم؟ من كَسـَبَهم؟ من عاملهم؟ من رجَاهم؟ قليل من فعل وفاز بالنجاة، وقليل ما هم.
يُضيفُهم الناس إلى أنفسـهم، خلقا كخلقهم، وظَلاما كظلامهم، وفقرًا كفقرهم، ولهوا كلهوهم، وعبثا كعبثهم، وهم إلى الله يُضافون مُثَله العليا لمن له يطلبون، إليهم يضاف الخلق ظلالا لهم ما كانوا المخلصين… ما كانوا المؤمنين… ما كسـبوا الحياة باقية… ما كانوا من العارفين، هم للرحمن الظـلال، والناس لهم ظـلال… هم للرحمن العباد، والناس لهم عباد… إنهم للناس رحمة مهداة… ما عَبَد الناس الرحمن… ما عبدوا الله… ما عَبَّدوا أنفسـهم لرحمة الله… ما عَبَّدوا أنفسـهم للحق من الله… فرأوهم وجه الله… فرأوهم وجه الحق لله… وجه رحمته… وجه جماله… وجه جلاله… فكانوا هم وجوها له وبقاء به ببعثهم وجوها لهم.
الناس أسماء للإيمان مؤمنين، وأسماء للفسـق فاسـقين، وكلا يمد الله هؤلاء وهؤلاء من عطائه على ما يطلبون. كن كيف شـئت فإني كيفما تكون أكون. لو أعطى الله الإيمـان لطالب الفسـق لظهر بعجزه أمام الفاسـق، ولو أعطى الله الفسـق لطالب الإيمان لكان الظـالم عند المؤمن، وجل الله أن يكون ظالما، وتعالى الله أن يكون عاجزا. كن كيف شـئت فإني كيفما تكون أكون، وما تشـاؤون إلا أن يشـاء الله، أعطى كل نفس خلقها، وهداها، ألـهمها فجورها وتقواها.
وما ألـهمها فجورها إلا بحكمته وبواسـع عزته، وما ألـهمها تقواها إلا بفضله ومنته وشـامل رحمته. ولو شـاء ربك ما فعلوه، لا إلـه إلا هو في العالين… ولا إلـه إلا هو في السـافلين… ولا إلـه إلا هو في القائمين… يظهر بينهم بالمحسـنين، المعبدين أنفسـهم لليقين في معراج عبوديتـه إليه، معبودا منهم لا ينتهي عندهم لهم منه طلب، ولا ينقطع لهم فيه رجاء، الكل فيه العبد، والكل فيه الحق.
العبد حق، والرب حق، فما كَلَّف الرب عبده إلا لصالح العبد، ولكن تكفل به، ولم يدخل خلقه في حق العبد له إلا بإرادتهم، مَن شـاء فليؤمن ومن شـاء فليكفر، فهو الغني عنهم. وما سـأل العَبد ربه أمرا إلا أجابه قبل أن يسـأل، ورعاه قبل أن يفتقر. أعطاه خلقه وهَديَه، وهو عليه الحفيظ، ضل أو اهتدى، أصاب أو أخطأ. جعل من حضرة رحمته عليه وكيلا يوم يطلب ربوبية اختياره، باقتداء مثالـه مثلا أعلى يحتذيه، ومن مطلق الله يرتجيه، ويقذف بنفسـه إليه ليأويه، فيرحمه من نفسـه ومما هو فيه. يفر إليه من عذاب يضنيه، ومن عدل الله يصطليه، ينشـد للرسـول صدِّيقا يرتجيه، فلا يجده ولا يرتئيه. فلا مأوى من عذاب الله له منه يقيه، إذ يبحث عنه فلا يلتقيه، فيحن إلى رسـول رحمته بالغيب يرتضيه، وهو قائم الحق له لنفسـه يجتبيه، فيسـعفه فيلبيه، قائما بين ظهرانيه يلاقيه، فيؤمنه فيأويه، ومن نفسـه يحميه، يجتمع عليه فيه مع من اجتمع عليه فيه، {يا أيتها النفس المطمئنة… ادخلي في عبادي وادخلي جنتي}[٣]، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سـبلنا}[٤].
سـبحان الله، أبعد فطرة الله، وصبغة الله، وإنسـان الله، بكتاب الله… أبعد الله باسم الله، بعبد الله… أبعد حق الله برسـول الله، كتابٌ لا تنقضي ظهور صحائفه، ولا تتوقف أقلامه عن تسـويد بيض معارفه بفعل عباده به في كتب أنفسـهم، وصحف قيامهم في أُم كتابه بوجودهم لقائم كتبه… أبعد كل هذا ينتظر الناس منتظرا، أو جيئة موعود، والحق بينهم وبهم قائم دائم؟ {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا}[٥].
أبعد أن أبرزت الفطرة عنوانها في إمام مبين، وعليم رحيم، وعزيز حكيم، أظهره الأعلى على الدين كله، وجعل الدين في إنسـان معناه مداناة ومجافاة، من الأعلى بلا بدء تواجد ويتواجد إنسـان لحاقه بمعناه، تدانيا إلى الأدنى بلا انتهاء، رقيبا وشـهيدا بعاليه، ومسـتقبلا موجودا بدانيه، مثالا لمثل أعلى الله يرتضيه، ويمتد بالرحمة لمن قام فيه، بيتا لله، وكعبة لعباده، ونُصبا للأقدس بقدسـه لخلقه، عَلَما لاسمه للناس، كلمة الله وروح منه، قدوة وأسـوة بينهم يجدوه، باقتدائه يتواجدوه، وبارتضائه يعرفوه.
عبد وأي عبد! بل رب وأي رب! بل إلـه وأي إلـه! سـدرة المنتهى لمن عرفه فارتضاه، ولمن اسـترحمه فرحمه فوالاه، فكان عنده عين الجنة والجنان لمأواه ومعناه، تدخله النفوس المطمئنة، ويدخله عبـاد لله هم عروش الله، وكراسـي الله، ومنابر الله، وقبلة الله، قياما لعين معناه، ولعين مبناه تدخلهم نفوس مطمئنة، لتكون فيهم لقاحا لأجنة في حُمِل مسـتكنة لإنسـان يتهيأ بمولد، في كلمات لوالد، في جنة لأطفال الله، في روضة لسـعداء رضوانه. (لا يدخل الجنة عجوز)[٦]، (لا يدخل ملكوت السـموات إلا من ولد مرتين)[٧].
أطفال الله، عيال الله، في الله، وفي دار الله، وفي حضرات الله يبدأون، وأطفالا يبدلون، فيتولاهم من تولى الآباء والأمثال في أزل لا بدء له، فمنهم يبدأ مشـروع الحيـاة الأبدي للإنسـان، لا انتهاء له.
عيال الله في أول أطوار الحيـاة يتواجدون بعملهم باسمه، وقيامهم بحقه لطور آخر فتيان الله. فيتهيأون ليكونوا بمجاهدتهم وهممهم رجال الله، ثم يقومون بموازينهم وباسـتقامتهم وعلمهم حكماء الله، فيعرفون كلماتٍ لله تُكلم الناس في مهدها، وتُكلم الناس في كهولتها، وتقود الناس في فتوتها، وتزن الناس بموازينهم في رجولتها، وتفيض عليهم من حكمتها في كهولتها، إيمانا برسـول الله طفولة وفتـوة ورجولة وكهولة. إنسـان الله وعبد الله في أي صورة ما شـاء ركبه، سـدرة منتهى الإيمان إليه تنتهي، وسـدرة المنتهى له يرتقي المرتقي في متابعته لطريقه لتعاليه، ولطريقه في تدانيه، لكمال دوائره ومجاليه.
تعالى الله عن وصف الخلق له، وتنزه الله عن إدراك العدم له، وعن إحاطة الوجود بوجوده، أو عن إحـاطة البصائر بشـهوده لا إلـه إلا الله، أخرج للناس عبده، ورسـوله، وحقه منه إليه، رسـول هو اسم الله… رسـول هو حق الله… رسـول هو الحق من الله… رسـول هو إنسـان الله… رسـول هو عبد الله… رسـول هو وجه الله… رسـول هو جماع كلمات الله… رسـول هو روح قدس الله… رسـول هو إنسـان ذات الله… لا إلـه إلا الله، محمد رسـول الله…
آمنا بك لا إلـه غيرك، ولا معبود سـواك، ولا موجود بحق إلا إياك، وآمنا برسـولك، موجـود وجودك لنا، ووجه شـهودك عندنا، من ورائه أنت بإحاطتك، وهو لنا وأمامنا وخلفنا، حق قيامك لقائمنا، إكبارا لقيومك عليه، وقيومك علينا، دعانا إليك في أنفسـنا، بدانيه ذاتا، وبعاليه روحا، قائمين فيه، قائما بنا، ودعانا إلى الرفيق الأعلى قيوما عليه، وقيوما بقائمه علينا قيوما علينا، على ما هو القيوم عليه، بقائم رسـول الله من رسـول الله علينا، اختفى عنا في شـدة قربه في حيـاة قيامنا، روح الحيـاة لنا من القيوم عليه، والقيوم علينا به بالحي القيوم.
آمنا بالحيـاة قائم الله… قريب الله… عالي الله… واسـع الله… منزه الله… نعجز عن جهله أو تجاهله لشـدة قربه بالحيـاة في حيـاتنا، جعلنا منه الحي وهو فينا الحي، وجعله برسـول الحيـاة علينا القيوم فقامنا به الحي القيوم، ووعدنا مزيدا مما شـهدنا، بأن يضاعف لنا الحيـاة بتكاثر بذات، وبحيـاة نورا على نور، وحيـاة على حيـاة، عطاءً غير مجذوذ لنكون أزواجا، الحي القيوم، فالحي لحاضرنا، والقيوم به لماضينا وقادمنا، ما حيا ماضينا وقادمنا بحيـاة حاضرنا، بمولدنا الفطري، فعرفناه غير معروف بإحـاطة، وأدركناه غير مُدرك بسـلطان، وتواجدناه غير موجود عن تنزيه، ونزهناه عن الوجـود وعن الشـهود بما أدركنا منه من وجود وشـهود، فعرفنا أن العبد ما كان إلا المعبود، وعرفنا أن المعبود ما ظهر في أزله أو في قائمه، أو يكون له ظهور في قادمه، إلا بوجهه لمعنى عبده لعبده، أو بعباده لعبده، عينهم وحقهم…
فرضينا أن نكون عبادا له، هو المعبود عندنا يوم رضينا برفيق أعلى من عباده عين معبوده لنا، ووجها له لقيام عبوديتنا، وشـهود ربوبيتنا، معبدين أنفسـنا لعبده، لنشـهده به في معارجه عارجين معه، حتى يتفضل علينا المنزه برحمته بقيام الأعلى الذي خلق فسـوى لقيامنا وقيومنا، فيسـوي بين العبد والرب فينا، لنا فيه، فنتواجده لأحديتنا منه، ويصدق الرسـول عندنا فيما بشـرنا، (ما أعطيتـه فلأمتي)[٨]، ويسـتقيم أمره لدينا على ما هدى {فاتبعوني يحببكم الله}[٩]، وإن أحبكم الله (كان لكم من الله ما لي)[١٠]، أنا وإن كنت عبده، ووجهه، واسمه، وسـر ذاته، ونصبه، ومعناه، فلسـتم فيَّ بمعاني غير معناه، ولن يمتنع عليكم إن رضيتموني مثلا ترتضونه لأنفسـكم، لا يمتنع عليكم منه ما رضيتم مما شـهدتم بي عنه، (من رآني فقد رآني حقا)[١١]، فإنه لا إلـه إلا هو، اطلبوه على ما طلبته، وتخلقوا بأخلاقه على ما تخلقت بها بينكم.
هل شـهدتم صبري عليكم؟ وما هو باقٍ من الصبر لكم لا ينفد، إنه صبره، {واصبر وما صبرك إلا بالله}[١٢]. هل شـهدتم حلمي معكم؟ إنه حلمه. هل شـهدتم علمي عنه إليكم؟ إنه علمه. هل شـهدتم همتي في سـعيي إليكم، والطلب لكم، والمجاهدة بينكم مثالا لكم؟ إنه توفيقه. إنكم تتخلقون بأخلاق الله يوم تتخلقون بأخلاقي، فقد تخلقت بأخلاق ربي، أدبني فأحسـن تأديبي، أنصتوا له وهو الذي يقول لكم، وقد قلت عنه، {إن ربي على صراط مستقيم}[١٣]، فقال لي ليسـمعكم، {وإنك لتهدي إلى صراط مسـتقيم}[١٤]، {قل هذه سـبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[١٥]، اتعظوا بما وعظكم الله، وخذوا ما قدمت لكم رحمة من الله، (تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، ما إن تمسـكتم بهما لا تضلون أبدا، فإنهما لا يفترقان أبدا)[١٦]، فلا تأخذوا كتاب الله منفـردا عن عترتي فتضلوا، فالله {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين}[١٧]، {الرحمن فاسأل به خبيرا}[١٨]، فإن رأيتم عترتي فتابعتم، ورأيتموها حوضي فوردتم، وعرفتموها سـبيلي فسـلكتم، لسـرتم بها طريقي فنجوتم، وكان لكم من الله ما لي، فلا تتابعوا باسم عترتي كل جبار زنيم، إنهم عباد الرحمن يمشـون على الأرض هونا، وليسـوا من الطاغين.
اللهم اغفر لنا برسـولك مؤمنين متابعين… اللهم أقلنا به من عدلك برحمتك… اللهم وسـلنا به وسـيلتك… اللهم أدخلنا فيه جنتك… اللهم قومنا به حقك… اللهم به فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شـرارنا، وبه ادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم، وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم… اللهم ألحقنا به أمة له، وعبادا لك، لا إلـه غيرك ولا معبود سـواك.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الشرح -٧ ↩︎
سورة القصص - ١٠ ↩︎
سورة الفجر – ٢٧, ٢٩, ٣٠. ↩︎
سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎
سورة الكهف - ١٧ ↩︎
حديث شريف: “أتت عجوزٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال لها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا يدخلُ الجنَّةَ عجوزٌ فبكت، فقال: إنَّك لستِ بعجوزٍ يومئذٍ قال اللهُ تعالَى إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا”[الواقعة ٣٥،٣٦]. الراوي: الحسن البصري، المحدث: العراقي. تخريج الإحياء للعراقي. ↩︎
من كلمات السيد المسيح عليه السلام: “الحق الحق أقول لك: ما من أحد يمكنه أن يرى ملكوت الله إلا إذا وُلِد ثانية.” (يوحنا ٣: ٣) ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة آل عمران - ٣١ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
سورة النحل - ١٢٧ ↩︎
سورة هود - ٥٦ ↩︎
سورة الشورى - ٥٢ ↩︎
سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎
إشارة إلى حديثين شريفين: “إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض”. أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده. و"إني تارك فيكم ما إن استمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما". جاء في سنن الترمذي. ↩︎
سورة البقرة - ٢٦ ↩︎
سورة الفرقان - ٥٩. ↩︎