(٢٥)

إنسان الوجود
يوم يتواجد بنفسه لنفسه
في لانهائي معناه بالحياة

حديث الجمعة

١٧ رجب ١٣٨٢ هـ - ١٤ ديسمبر ١٩٦٢ م

كيف يتكلم من يرى أن من يسـمعه إنما هو المتكلم منه؟ وكيف يسـمع من يرى أن محدثه إنما هو المتحدث فيه؟ وكيف يشـهد من يشـاهد في الوجود مرآة وجوده، وفي وجوده مرآة الوجود؟ وكيف يعلم من يعلم أن كل علم إنما هو في العلم عنه، وأن كل معلوم إنما هو معلومه فيه؟

ولكنه يتكلم… ولكنه ينظر… ولكنه يسـمع… إن الكلام للسـانه على كل لسـان به، وإن السـمع لأذنه بكل أذن له، وإن النظر لعينه بكل عين فيه. ذلك إنسـان كلمة الله تتم وتتوفى، منه بدأت حيـاة وجود بإنسـان، وفيه تتطور حيـاة كل بشـر لصيرورته كلمة وإنسـانا في روح الحيـاة الأعظم اللانهائي وهو الله، وإلى صيرورته يسـير التطور للتواجـد بالحيـاة، ومنها يبدأ كتاب الوجود بالرشـاد والحكمة.

ذلك هو إنسـان الوجود. ذلك هو الإنسـان يوم يتصف الكائن البشـري بوصف الإنسـان في معراجه إلى الحقيقة تقومه ويقومها، إليها ينتهي وصف الخلق له ومنها يبتدئ وصف الحق به، فيكون الصمت عنده نهاية الحديث، ويكون انعكاس بصره في بصيرته نهاية الرؤية، وتكون السـكينة دون فكر نهاية المعرفة، ويكون الـهدوء والخمول نهاية الحركة. ذلك هو الإنسـان الذي يسـتوي عنده ويسـتوي فيه العلم والجهل، والنور والظلام، والطاعة والمعصية، والحيـاة والموت. ذلك هو إنسـان الحق، وحقيقة الإنسـان منه وبه الرسـالة ونداء الحق، وإلى حضرته المآل باليقين والحيـاة.

إن الإنسـان الذي لا يعرف له بدءًا، ولا يعقل له انتهاء، والذي يقوم في الأرض من الأرض، والذي يقوم في السـماء من السـماء، والذي يتواجد من الظلام في الظلام، ويتواجد من النور في النور، الإنسـان الذي يصف مظاهره بالملائكة والجان، ويصف جواهره بالرحيم والرحمن، ويصف حجبـه بسـرابيله من المقارب بالعبيد والشـيطان، إنما هو جماع الصور، وجماع الأشـياء، وجماع الجواهر، وجماع المعاني، في أي صورة ما شـاء ركبه إنسـان معناه من سـماه من جلباب عبوديته بمولاه.

إن الإنسـان بظاهره لنفسـه عبد بطبقاته لرب يرعاه ويعلمه ويحيطه ويعلمه. يغيب عنـه كنهه وقديمه فيسـميه إلـها في غيبه عنه، ويظهر له من غيبه فيدانيه متواجدا له به فيه، فيعرفه الروح والنور والحقيقة تتقدم إليه لتهديه، وتأخذ في طريق الخير بنواصيه. ويصعد إليه الغيب من تحت قدميه للتواجد به له فيه عبدا وحقا يدانيه على ما يدانيه الغيب يعتليه من فوق رأسـه برأسـه يعتليه، فيعرف أن ما فوقه وما تحته قائم فيه، وإنما هي له حقائق وأمور أبداها له مبديه، وأنه هو حيث هو بين يدي رحمة من يرعاه ومحل عناية من يتولاه، وأنه في مظهره ظهور لمن يحيط به ويفنيه ليبقيه، فيراه له عبدا هو مولاه، يدانيه الغيب ربا له هو معناه يدانيه من حوله للتواجد به في قلبه، ومن قلبه يطويه، وينتشـر فيمن يتواجد حوله ليفنيه ويبقيه فيعلمه رسـول ربه لمعانيه.

إن البشـرية على هذه الأرض، مظهر من مظاهر الإنسـانية، أمة وسـطا بين ما فوقها وما دونها، وبين ما قبلها وما بعدها من الإنسـانية وعوالمها في طبقاتها، وبين طريق اليمين وطريق اليسـار لها في قائمها إذا ما اتصفت بواقع فيها الطريق، وبين قيود الذات بكثافتها وبين انطلاقها بلطيفها ما تواجد السـلوك. هذه البشـرية ناشـئة إنسـانية الليل، تتنزل الملائكة والروح فيها، ويجتمع النور على النار فيها، ويتحجب النور والنار في جلابيب ظلامها وترابها في وحدة من قيام وأحدية من معنى لإنسـان، ومنها يظهر الإنسـان من غيبه فيشـرق النور كائنات واعية خالدة، وتشـعل النار كائنات حيـة قوية مباركة، وتنشـأ وتحترق الشـجرة في دوام فتتواجد النار، ويتواجد النور، وتتواجد الروح، ثم تتحقق الروح فتحمل اسـم الله، وتُعرف بذكر الله، فتعود إلى بيئة نشـأتها بأناها في جلباب بمعناها، عبدا لمطلقها. إن لله عبادا يذكر اسـم الله بذكر أسـمائهم، ويعرف الله في معرفة حقائقهم، يمشـون على الأرض هونا يسـالمون ويعلمون ويفيضون ويجمعون عليهم الناس، ويفرقون بين المؤمنين بالحق في أنفسـهم والكافرين بالحق في أنفسـهم على صخرة قيامهم. ذلك هم الآباء وإيابهم للأبناء.

إن إنسـان هذه البشـرية خصه الله بالكثير إذ جعله موضع بلائه، وابتلائه، وعطائه، ورحمته، وجزائه.

إن فرصتنا الذهبية، إنما هي في كسـبنا لما هو بنا قائم في هذه الحيـاة البشـرية، أو لما هو بنا يقوم في هذه الحيـاة البشـرية، أو لما يمكن أو يصح أن يقوم ويتواجد ونحن في هذه الحيـاة البشـرية. فهل نحن على حيـاتنا حريصين؟ وهل نحن على الانتفاع بهذه الحيـاة جد عاملين؟

كل مولود يولد على الفطرة، فهل نكسـبها أم أن أبوانا يهوداننا أو ينصراننا أو يمجسـاننا؟ إنكم في موالدكم الفطرية هذه يمكنكم أن تبدأوا بمولدكم الفطري هذا بدءا مسـتقيما جديا تواصلونه في أبد، فقد لا تتهيأ لكم هذه الفرصة ثانية. وذلك يوم تشـعرون بالافتقار إلى الحق في أنفسـكم، ويوم تتحرك قلوبكم إلى الشـوق إليه والحب له، فتفتقرون إلى المعلم، إكبارا للحق، فتجدونه معكم ومن بينكم رائدا وخـادما يغذيكم من روحه، أو تجدونه روحا معلما مقاربا بوسـيط له عن طريق علاقتكم بهما أو بأحدهما، يدانيكم الحق بقربه، ويخالطكم بلطفه، ويقومكم بلطيفه، فتدب الحيـاة في أرض قلوبكم من ذواتكم، بعد موتها عنها إلى معنى الأرض الطيبة دارا له في شـعوركم بافتقارها للحيـاة به، فيكشـف الغطاء عن بصائركم لبصركم فتبصرون معانيكم بالتواجد في الوجود في مرآة لكم منكم، وتسـمعون نشـيد الوجود بالحيـاة لكم ترحيبا بكم، فتؤذنون للصلاة قامت بكم ترنما منكم، وتنادون للحج رفعت السـتر عن عرفاته تقربا إليكم، في معنى الإنسـان لكم في معناكم.

قد تتواجدون على هذه الأرض المرة بعد المرة، ولكن قد لا يتهيأ لكم حظ الاجتماع على المعلم لعدم قيام ضرورته عندكم في سـابق حيواتكم بدونه. فقيام الشـعور بالافتقار إليه والإيمان بضرورته قد يكون حصيلتكم اليوم لحيـاة لاحقة تثمر حظ الاجتماع عليه. فإن حرصتم على ضرورة المعنى لكم في الاجتماع على المعلم بينكم، وعملتم لذلك بمجاهـدة أنفسـكم في حدود ما بين أيديكم من كتب السـماء، فقد تكفل روح الحيـاة العظيم بجمعكم عليه في عاجل الحيـاة ما صدقتم. {والذين جاهـدوا فينا لنهدينهم سـبلنا}[١] بذلك تكون هذه الكرة من مولد في موالد بالفطرة كرة غير خاسـرة، وإلا جاء الموت بالحق المنكر عندكم وعرفتم يومئذ {تلك إذن كرة خاسـرة}[٢].

هذا ما جعله الله لمحمد ذاتا وبيتا وأمة وجعل به قدوة لكم، على ذلك قامت رسـالته، وما جاهد محمد ليكونه في حيوات متعددة له من قبل وبعد ذاته معلومة لكم، وجعل الله في جهاده إليه أسـوة لكم، وبه قامت طريقه طريقا لربه وإليه منكم، وما قامه محمد بينكم بكتابه وسـنته وجعل الله فيه بشـرى لكم، وما تكاثر به محمد بينكم من أنفسـكم بعترته وجعل الله فيه يسـرا ورحمة بكم. وهذا ما جهله الآباء، وتابعهم على جهلهم به الأبناء إلا من رحم حتى يومنا هذا، فعم الظلام وتفاحش الخصام حتى ضج الملأ الأعلى لما يشـهد على أرض السـلام. وها نحن في يومنا هذا، أو عصرنا هذا، يتجـدد بيننا نداء السـماء، وهدي السـماء، وصوت السـماء، ويد السـماء وقرب السـماء مرة أخرى، فنضع أصابعنا في آذاننا حذر الموت كما فعل آباء من قبل، وكما يفعل عالم المادة دائما كلما اسـتمع لنداء الروح. وها نحن نزعم أننا على أمة وأننا على آثار آباء لنا نسـير، نكبر أحلامهم، ونقوم القديم بهم، ولا نتشـكك في أحلامهم ولا في اسـتقامة أمرهم، على ما طلب لمن قبلهم رعاية من الله لهم أن يتشـككوا في أحلام آبائهم. إن الدين لم يجعل في متابعة أبناء المادة لآباء المادة على ما هم من المادة. وإن ذكر الدين الآباء عند الأبناء فما ذكر إلا من تخلصوا من وزر المادة وتوفاهم الله بالموت عنها إلى الحيـاة به، فنادى الأبناء الآباء متحررين من مادتهم بمعاني الحـق لهم إنسـان رحمة الله، (أبانا الذي في السـماوات)[٣]، فلم يجعل من الدين في شـيء رباط المادة بالمادة في حيـاة المادة وأهداف المادة، وإن تراصت المادة فقوالب لقالب يقوم نعرفه من عنوان على قلب وبيت لله بالإنسـان. ولكن الدين جعل في يقظة العقل ليدرك ما كان عليه الآباء من المـادة من خطأ أو من صواب، فيأخذ صوابهم ويترك أخطاءهم. إن الدين لا يعرف المتابعة العمياء، ولكن يعرف المتابعة على بصيرة، يعرف اليقظة، يعرف صحو الضمير، يعرف إشـراق العقل، يعرف انطلاق الروح من سـجن الذات. الدين لا يعرف أسـرى المادة ولا سـجناء القيـود. الدين يعرف الانطلاق والحرية، والإرادة والفعل، والبناء، والـهدم، هدم بيوت الباطل، وبنـاء بيوت الحق. لا يعرف الخمول، ولا التعطيل، ولكنه يعرف العمل، ويعرف الجزاء. ففي أي جو يعيش الناس باسـم المجتمع الصالح؟ وفي أي مجال يعمل الناس باسـم الدين والإصلاح؟

إن الناس في حيـاتهم وفي تفكيرهم، يخطئون ويصيبون، يفكرون فيصيبون أو يفكرون فيخطئون. فواجبهم أن لا يخشـوا من الخطأ، ولا يسـتعلوا بالصواب. إن القانون لا يكلف النفس إلا وسـعها، فالحق لا خطأ فيه ولا صواب. الحق إنما هو الوجود على ما هو عليه في أحديته وواحديته، المؤمن به من أدرك الحق في صمدانية الوجود وثبات الطبيعة وجها لله، لا جديد فيه، ولا تغيير فيه، ولكنه الحيـاة بألوانها، وذات الحيـاة بصورها، يتمتعها بمشـاقها وبأعبائها وبطيباتها، بيسـرها وبرخـاوتها أو بمتاعبها وأعسـارها. الناس مفردات معانيه ومجالات مغانيه لا يغير الله ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسـهم، يحييهم أرواحا ويبعثهم أشـباحا، لنماء موجود أو لكسـب مفقود من صفات الإنسـان لهم، في دوام تواجـد في شـهادة أو غيبها بين عاجل وآجل من دنا قيامهم بالعمل أو بالجزاء، بين زرع وحصاد.

إنه الوجود على ما هو الوجود… وإنه الناس على ما هم الناس… وإنه الملائكة على ما هي الملائكة… وإنه الجان على ما هو الجان… وإنه المادة على ما هي المادة… وإنه الروح على ما هي الروح… وإنه النور على ما هو النور… لا جديد في ذات وجود الله. قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يتواجد من سـابق موجود، ولم ينعدم عن قائم وجود، ولم يتجدد من عدم. إن العدم فيه هو الغيب منه، إن ما أبرزه من الوجـود وأخرجه من العدم، إنما هو ما أخرجه من كنزيته في الوجود، كان غير مشـهود، فلا خلق لخالق من عدم، ولا خالق غير الخلق موجـود، ولا خلق بمعزل عن الخالق، أينما تولوا فثم وجه الله، هو الظاهر في كل شـيء، وهو الذي يقوم به كل شـيء، وهو قلب كل شـيء، وهو وجـود وقالب كل شـيء، وهو ظهير كل شـيء، وهو غيب كل شـيء، فهل عرفنـا معنى الشـيء؟ هل أدركنا سـر الأشـياء؟ هل ربطنا بين المشـيئة والشـيء؟ هل شـئنا في شـيئيتنا لشـيئنا شـيئا افتقدناه فما وجدناه؟ هل ميزنا بين الموتى والأحيـاء؟ هل ميزنـا بين أواني المشـيئة والأشـلاء؟ إنها الحيـاة مجهولة على فاقد الحيـاة، وإنها الحيـاة كبيرة على إدراك صغار الأحيـاء، وإن لم تجهل، إنها الحيـاة تعمل ولا تغفل.

إن الله قائم على كل نفس، قائمة به كل نفس، والله محيط بكل نفس، والله في كل نفس محاط بقدر من علمه بالعلم عنها منه. إن الله معنا، فهل نحن مع الله؟ هذه قضيتنا، وقضية الحيـاة، وقضية الاسـتقامة، وقضية الدين. إن الذي لا يرى الله معه، يراه ويسـمعه مع أنفاسـه، مع نظراته، مع خلجاته، لا يسـتقيم مع الله، ولا ينتظر لنفسـه اسـتقامة مع الله.

إن الذي لا يرى أن الله معه، وأقرب إليه من حبل الوريد، به يتحرك، وبه يتنفس، وبه قلبه ينبض، وبه فكره ينطلق، وبه نفسـه تسـكن وتضطرب، به يتحرك، به يعمل… إن لم يكن هكذا إيمانه بربه وإيمانه بالله، فلا إيمان له برب ولا إيمان له بإلـه.

إن الذي لا يرى الله حيثما ولى، وكيفما اتجه، وأيًا ما رأى بنظر، قائما، منفعلا، مقاربا، سـاهرا، مدبرا، مجانبا، حكيما، قادرا، لا يعرف الله، ولا يؤمن بالله، وهو دعي على لا إلـه إلا الله، إذا نطق بها منه لسـان.

إن الإسـلام قام على شـهادة لا إلـه إلا الله، تشـهد في النفس والحس، كما تشـهد في محيط الذات، وفي الوجود على إطلاقه بمعلومه، ومجهوله، ومفروضه، ومطلقه، ولانهائيه. لا إلـه إلا الله في الوجود تقوم، وبها الإنسـان يقوم عند المسـلم. فإذا قامت بإنسـان فإنسـانها الحق، يوم يقومها الإنسـان. وجمعها الحق يوم تقوم في جمع أو يقوم بها جمع. وهي في مطلق الوجود قائمة، لا يحتجب لها قيام، ولا يخالف لها أمر، ولا تعجز عن الوصول إلى غاية. إن الدين الذي قام على لا إلـه إلا الله، لن يطفأ نوره، ولن تخبو جذوة ناره، ولن يخفت صوته، ولن يختفي أمره. إنه دين قام للفرد، دين القيمة عليكم أنفسـكم، كما قام للجمع يوم يدعى كل أناس بإمامهم. المرء على دين خليله في الضلالة أو الـهدى، كما قام للكل {ورضيت لكم الإسـلام دينا}[٤]، زويت الأرض لرسـوله به تمت كلمة ربه. وما جاء به للكل إنما هو تعريف عما هو نافذ في الكل لا يتوقف له نفاذ. وما جاء للجمع إنما هو التعريف بما هو نافذ في كل تجمع لجمع، لا ينقطع له تواجد بتجمع وجمع. وما جاء به للفرد إنما هو تعريف بما هو نافذ في حق كل فرد، لا يتوقف منه عطاء، ولا يتعطل منه جزاء.

إن الكتاب الذي جاء به رسـول الوجود، تعريفا عن الوجود والموجود ونداءً للتواجد، كتاب شـمل التعريف بألوان الحيـاة وقدم الوسـائل المشـروعة في الفطرة لتواجدها بالكشـف عن قوانين الطبيعة والمنطبع عليها، وفصَّل معالم الوجود، ودانى بالغيب إلى الشـهادة، وارتفع بالشـهادة إلى الغيب، فصَّل كل شـيء. كتاب جـاء للعقول، كما جاء للنفوس، كما جاء للقلوب. فما جاء منه للقلوب، تأخذه القلوب يوم يلمسـها نوره فتهتز وتربو بالحيـاة. وما جاء للعقول، تأخذه العقول يوم تتحرر وتنطلق من قيودها من المادة ومواريثها من القول بالوعي. وما جاء للنفوس، تأخذه النفوس يوم تصفو وترق، وتتخلص من ظلامها وكثافتها.

ولكن إذا حاولت العقول أخذ ما جاء للقلوب، وهي لا تسـتطيع أن تفعل بالطبيعة ولكنها تعلقت بطلبها ومحاولتها، فسـد أمرها وضلت طريقها بوهم صلاحها. وإن طلبت النفوس أخذ ما جاء للعقول وهي لا تسـتطيع أن تفعل طبعا ولكنها إن تعلقت بطلبها، فسـد أمرها وضلت طريقها بوهم الصلاح لها. وإذا أخذت القلوب وهي لا تسـتطيع أن تفعل ما جاء للنفوس أو للعقول، ولكنها تعلقت بطلبها فسـد أمرها وفقدت كرتها بالحيـاة.

فكيف يأخذ الناس من الكتاب، وما الكتاب صادر إلا منهم، في معاني حقائقهم ووصف الإنسـان لهم؟ فتقديسـه على أقداسـهم انحدار بقدسـيتهم إلى وثنية أوانيهم. إن الكتاب لم يعطَ للإنسـان، أو لم يعطَ للناس إلا تقريبا للطريق الفطري إلى أفهامهم، وتقصيرا للطريق بزمنه في التعرف على عترته من روادهم عبادا للرحمن بينهم، وطيا للزمن في التعريف عن أنفسـهم فيما مرت به حتى لا يدورون حول قائم قيامهم…

فإذا عزلوا هذا الكتاب عن وجودهم كتابا يقرأ، وعن قيامهم سـورا وكلمات وحروف وإشـارات ومعاني وآيات، فإن الكتاب لا ينير في عيونهم، ولا يلمس لقلوبهم، بل يتواجد به تواجدهم أشـلاء من الموتى، وأوثان من الصور، يهدي به كثيرا ويضل به كثيرا. (فكم من تال للقرآن والقرآن يلعنه)[٥]، (وكم من مصلٍ لم يزدد من الله إلا بعدا)[٦].

إن الذي لا يؤمن بالمتكلم لن يصل إليه الكلام. إن الذي لا يعرف شـرف الخليقة لا يعرف شـرف الخالق. إن الذي لا يعرف ولا يؤمن بكريم خلقته لا يؤمن ولا يقدر كرامة خالقه. وإن الذي لا يكبر الخالق ويقدره لن يكشـف له سـر خلقه، فيكرمه، فيشـرفه، {كرمنا بني آدم}[٧]. إن أبناء آدم لهم كرامة هي كرامة الله، ولهم وجود هو وجود الله بكلماته، ولهم ذكر هو ذكر الله بذواتهم نصبا له وأعلاما له هو من ورائهم محيط، وعلى نفوسـهم قائم، أقرب إليهم من حبل الوريد، خلقهم لنفسـه، وليصنعوا بيدي رحمته على عينه، وخلق لهم كل شـيء في الوجود. بهم وبما خلق لهم يظهر من كنزيته فيعرف لنفسـه بنفسـه في نفسـه.

إن الإنسـان وابن الإنسـان… إن الآدم وابن الآدم… إن الآباء وإن الأبناء الذين لا ينعكسـون بالنظر إلى أنفسـهم، وفي أنفسـهم، ويتأملون في خلقتهم… كتابا وحجابا، ويتأملون في معاني وجودهم… روحا ونورا ونارا وظلاما، ويعلمون أنهم الكتاب، وأن باطنهم الكتاب، وأن ظاهرهم الكتاب، وأن باطن باطنهم المتكلم بالكتاب، المتواري فيهم بالحجاب، لن يدركوا لأنفسـهم نصيبا من الحق يوما. إن الإنسـان في ذاته ومعناه، هو الكتاب، ومصدر الكتاب… إن الإنسـان في ذاته، هو القرآن في ذاتـه، وفي معناه… هو مصدر القرآن بمعناه… وفي أنفسـكم أفلا تبصرون… إن الذي يربب على نفسـه الكتاب، ورقا وحبرا ورسـما وترديدا ولفظا، ويعزف عن الكتاب في نفسـه، قياما وإدراكا وعقلا وعلما وحيـاة، ما آمن بكتاب، ولا أمسـك بكتاب، ولا قرأ كتابا، وما لمس قلبه نور كتاب.

ما جعل الكتاب إلا نورا… فكيف تجعلونه سـطورا وحروفا وورقا وأصواتا ونبرات؟ إن الكتاب إنما هو نور قلوبكم يوم تهتز القلوب، فيتواجد في اهتزازها نور الله، ويُشـرق بين الجوانح نـورا على ما تشـهدون النور، ونورا على ما تدركون النور، لا معنى ولا بلاغة ولا تشـبيها، إنما هو النور حقيقة ومادة كما تُشـعلون أنوار المصابيح، نورا مُحسًّـا مدركًا ممتدا، مركزه الرؤوس والقلوب، شـعلته الدائمة في القلوب والصدور، ومفتاحه الدائم في العقول والرؤوس، تضيء به مشـكاة الصدور، وينتشـر في الذات والجوارح، ويمتد ويصدر عن صاحبه لمصاحبه فيحيا به، ويشـعل به مصابيح الصدور، ويحرك به صمام العقول مفتاحا للكنوز {أومن كان ميا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشـي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}[٨]… (إن لله كنوزا مفاتيحها الرجال)[٩]… هو {الرحمن فاسـأل به خبيرا}[١٠]… {قل هذه سـبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[١١]… {إنا أعطيناك الكوثر… إن شـانئك هو الأبتر}[١٢]… هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في السـاجدين}[١٣]… {وما جعلنا لبشـر من قبلك الخلد}[١٤]… {ورفعنا لك ذكرك}[١٥]… {وقرآنا فرقناه لتقرأه [في الناس] على مكث}[١٦] … {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد…}[١٧]… {عسـى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}[١٨]… {وإذا سـألك عبادي عني فإني قريب}[١٩]… {واصبر نفسـك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشـي يريدون وجهه}[٢٠]… {واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحـزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون. إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسـنون}[٢١].

إن هذا أمر ما غاب عن الجنس يوما، ولن يغيب عن الجنس يوما، وسـوف لا يتواجد في الجنس بصورة على غير ما هو به متواجد في كل وقت وفي كل حين بعباد للرحمن يمشـون على الأرض هونا، يسـألونه لأنفسـهم وللناس {ربنا أتمم لنا نورنا}[٢٢]… {يسـعى نورهم بين أيديهم}[٢٣]… تشـهده البصائر، وتغتنمه القلوب، وتتحرر به العقول، وتزكو به النفوس، وتسـتقيم به الجوارح، وتتطور به الذوات.

هذا أمر قائم عند من قام عنده، فشـهده، وكتم أمره وبلغ في الحق رشـده. إن الله لطيف بعباده، رحيم بخلقه… ولو أنه جعل أمر الصالحين فيه سـافرا بين الناس، وهو الأمر الذي لا يؤمن لهم معه سـلامة بين أهل الظـلام، لكان هذا منه قسـوة على الناس في ظلامهم وإزعاجا لهم وإجهادا في أمرهم، ولكنه كتم أمر الناس عن الناس رحمة بالناس حتى يعيش الناس في هدوء من سـكينة، وحتى لا يتواجد بين الناس من رؤية المفارقات بنعمة نوره الحقد والحسـد، وهم فيما بينهم دون رؤية لنوره في حال من الحقد والحسـد القاتل على تافه من أمرهم بدنياهم، وتافه من الحيـاة الموقوتة، بوهم جـاه أو سـبق أو سـلطان، وإن الذي يعطي الله لمن يعطي إنما هو من عمل العبد بمعيته له. إن الناس يجادلون الله على خفاء أمره بهم، وقد جعل في جدلهم وسـيلة الخير لهم ليهتدوا إليه فيهم بأنفسـهم، فكيف يكون جدلهم في حال ظهور أمورهم وانقطاع كسـبهم له وقد كان معهم ولهم؟ إن من عرف الله بالكسـب له أو الفقدان له لا يجادل الله. فمن عرفه بالكسـب له ليس في حاجـة لنجوى، وليس في حاجة لاسـتماع عنه. إنه يسـمع الله ويناجيه في الاسـتماع إلى خلجاته، ويلجأ إليه في تدبيره لإرادته به. إن الله خلق الإنسـان لنفسـه ولمعناه، خلق الإنسـان وحققه ليقوم الله به بين خلقـه من أنفسـهم على ما وصف الإنسـان الله لنفسـه. أما من فقد الله وأسـفر له فقدانه له كان قيامه من حسـرة عليه مجسـمة به. إن السـير إلى الله إنما هو الرجوع إلى الأصل المتواجد بالكل بكل الوجود. إنه المرجع إلى الإنسـان في أحسـن تقويم من خلق كل شـيء من أجله إلى من خلق الوجود دارا له. به تواجد المبدع للوجود بوجود على صورته عبدا له وحقا منه. جعل من آدم نواة له ومن أبنائه ملائكة وملأ له بلا بدء لآدم وملئه، ولا لأصله فيه بإنسـان مغانيه. إن حقائق الله كثيرة بعديد حضراته بحقائقه، وإن خلائق الله كثيرة بموجوداته بعوالمـه. لا بدء لحقائقه ولا بدء لخلائقه ولا انتهاء لهما، وإن أمر الله قائم، وإن إرادة الله نافذة عند كل من طلبها يوم يؤمنه على رشـاد، عبدا له، وخلقا منه، قائما به، آيبا إليه.

فنسـأل الله أن يجعلنا من أهل القلوب المسـتيقظة، والنفوس المتزكية، والعقول المتحررة المنطلقة، والذوات المتخلقة المتجددة. لا إلـه إلا الله محمد رسـول الله.

اللهم يا من أبدعتنا فأحسـنت صورنا… اللهم أكمل نعمتك علينا، وطورنا إلى ما أردت لنا من أحسـن تقويم عبادا لك لا يجذ عنا منك عطاء، ولا يتوقف لنا فيك معراج.

اللهم خلصنا من شـرور أنفسـنا، وقنا شـرور أنفسـنا، وشـرور الأشـرار منا… اللهم تولَنا برحمتك وبعنايتك، وولِ اللهم أمورنا خيارنا برحمتك، ولا تولِ اللهم أمورنا شـرارنا بحكمتك، وخذ بنواصينا إلى الخير حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، يقظين وغافلين، وتولَنا برحمتك يا أرحم الراحمين، وأنزل اللهم سـكينتك على قلوبنا، والسـلم والسـلام على أرضنا… اللهم جنبنا الفرقة والخصام، وارحمنا بالألفة والوئام، واجعل لنا من بعضنا لبعض المحبة والسـلام.

لا إلـه إلا أنت ولا معبود سـواك، بجاه عبدك وابن عبدك من جعلته الحق منك لنا ورسـولك إلينا من حقي أنفسـنا آدم آدمية ذواتنا، وإنسـان إنسـانية حقيقتنا، من عرفناه محمدا وتابعناه فيك بأمرك قدوة، وجعلنا لأنفسـنا مما كان به بهديك أسـوة، وتابعناه جهد أنفسـنا فيما عمل وفيما قال امتثالا لأمرك، واسـتجابة لندائك، ورجاء لبشـراك به، وقياما في أمرك بك، وهديـك معه. لا إلـه إلا أنت سـبحانك إنا كنا من الظالمين. اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا. وهب لنا من لدنك رحمة يا أرحم الراحمين.

أضواء على الطريق

(أو تظنون أن التعريف عن الحق يتسـع له رسـول واحد، أو كتاب واحد، أو أمة واحدة، أو عصر واحد؟ إن كل ما جاءكم وقام بكم من رسـائل الحق ومعه مزيد، هو ما يرد إليكم في هذا العصر تحت عنوان الرسـالة الروحية، بأرواح مرشـدة هي من أنفسـكم يجمعها ويجمعكم من كان رسـولا من أنفسـكم بمعنى الحق لكم).

(برش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎

  2. سورة النازعات - ١٢ ↩︎

  3. الصلاة الربية في الإنجيل: لوقا ١١: ٢. ↩︎

  4. سورة المائدة - ٣ ↩︎

  5. حديث شريف نسبه الغزالي في (إحياء علوم الدين) لأنس بن مالك فقال " قال أنس بن مالك: رب تال للقرآن والقرآن يلعنه " ↩︎

  6. حديث شريف ذات صلة: “من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا.” أخرجه الطبراني في الجامع الصغير للسيوطي. كما أخرجه البيهقي في “شعب الإيمان” ↩︎

  7. سورة الإسراء - ٧٠ ↩︎

  8. سورة الأنعام - ١٢٢ ↩︎

  9. حكمة مأثورة تتناغم مع الحديث الشريف: “إنَّ من الناس مَفاتيح للخير مَغاليق للشَّرِّ، فطُوبَى لِمَن جعَل الله مَفاتيح الخير على يدَيْه، ووَيْلٌ لِمَن جعَل الله مفاتيح الشَّرِّ على يدَيْه.” أخرجه ابن ماجه في سننه، وهكذا صححه ابن حبان. ↩︎

  10. سورة الفرقان - ٥٩ ↩︎

  11. سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎

  12. سورة الكوثر – ١، ٣ ↩︎

  13. سورة الشعراء - ٢١٨-٢١٩ ↩︎

  14. سورة الأنبياء - ٣٤ ↩︎

  15. سورة الشرح - ٤ ↩︎

  16. سورة الإسراء - ٦ ↩︎

  17. سورة القصص - ٨٥ ↩︎

  18. سورة الإسراء - ٧٩ ↩︎

  19. سورة البقرة - ١٨٦ ↩︎

  20. سورة الكهف - ٢٨ ↩︎

  21. سورة النحل - ١٢٧:١٢٨ ↩︎

  22. سورة التحريم - ٨ ↩︎

  23. سورة الحديد - ١٢ ↩︎