(٦)

دوام الرسالة
في دوام الرسول
قبلة الصلاة وروح المنسك

حديث الجمعة

٢٥ رمضان ١٣٨١ هـ - ٢ مارس ١٩٦٢ م

أعوذ بالله، أسـتغفر الله، أتوكل على الله، أسـتعين بالله، أعمل باسـم الله.

عبـاد الله، أوصيكم ونفسـي بتقوى الله، بالانتهاء عن محارمه، والامتثال لأوامره، والانتفاع بمكارمه. كونوا مسـلمين لمن أسـلم لله تكونوا مسـلمين لله. كونوا مسـلمين لمن أسـلم وجهه لله تكونوا وجوها لله. اعلموا عمن علَّم الله تعلموا عن الله. اتقوا من اتقى الله تكونوا في تقوى الله.

إن الإسـلام ليس ألفاظا وكلاما ولكنه فعل وقيام. ارجعوا إلى تاريخ نشـأته مع محمد تجديدا لقديم في قدم الله، وفي قدم الإنسـان في قدم الله. إن الإسـلام الذي تقرأونه بين دفتي كتاب فتجعلون من الكتاب عن الحقيقة حجاب، إنما هو ما قام عند من به قام فألقى بين أيديكم هذا الكتاب. إن الإسـلام مع محمد إنما هو في الإسـلام لمحمد، وإن إسـلام محمد إنما هو في إسـلامه لما ظهر له من رسـول ربه من روح الله لا يأس منه من أمره. إن محمدا أنتجته أمة أنتجتها أرض وبيئة، فجدد الفرد الأمة وجدد البيئة، وأوسـع الرقعة من الأرض لأمته وبيئته.

إن محمدا محصلة قومه من قبله، وإن محمدا أصل قومه من بعده، وما قومه من قبله أو بعده إلا البشـرية جميعا. إن الأجيال المتتابعة قبل محمد أنتجت محمدا، وإن الأجيال المتتابعة من بعده أنتجها محمد. فالفرد أصل أمته مضافة إليه، والأمة أصل فردها يضاف إليها. أحب العرب لثلاث، لأن القرآن عربي، ولأني عربي، ولأن لسـان أهل الجنة في الجنة عربي.

إن محمدا لم يسـفه قومه وهو خيار من خيار من خيار لقومه، ولكنه سـفه أحلام بعضهم من السـفهاء. إن محمدا لم يحقر قومه، ولكن أعلى أقدار قومه في نظرهم، أضاف نفسـه إليهم وأضافهم في الله إلى نفسـه… ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله.

إن قوانين الحيـاة، وإن تناسـخ المجتمعات، وإن تفاوت الأفراد في مجتمعهم، وإن قيام الجماعة إلى قبلة تعرفها وتشـهدها وتؤمن بها، وتسـتقبلها في صلاتها وصلاتها، أمر يؤلف القلوب برحمة الله، ويوجه النفوس بفطرة الله، وينير العقول بنور الله.

إن قرآن محمد، إنما هو في قراءة تاريخه وكيف تحضرت بيئته له، وكيف تجمعت وكيف افترقت من قبله، واسـتقراء حالها من بعده، فيما اجتمعت عليه وفيما اختلفت فيه، وفيما افترقت، وفيما التأمت. لقد تجددت أمـة محمد على صالح تعاليمه، وعلى ما جـدد أمته برسـالة بجديد منه وجديد له، المرة بعد المرة، والكرة بعد الكرة، في عديد من بيئات البشـرية وجماعاتها وأوطانها في غيبة عن العيون العميـاء من أغلب الجنس. وتتابعت إليه الأرواح خالعة عنها الأشـباح، مُحبة مشـوقة لمعنـاه لا للفظ مسـماه، عليه التأمت وبه اجتمعت على نور قديمه من عين معناه من رفيقه الأعلى باسـم مولاه. سـاقها إليه في تواضعه دونها، إليه برفق يحملها، وإليه به تمتطيه، لا تعلمه ولا تدريه. خفض لهم جناح الذل من الرحمة، {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حـولك}[١]. ما أظهر رسـول الله أمر سـيادته وهو السـيد بلا منازع، ولكنه أظهر أمر عبادته وهو عبد ربه بلا مشـارك، فعبد الله فيمن دونه وامتثل لله فيمن فوقه، (إذا كنت في حضرته علمني كلاما أخـاطبه به)[٢]. (رب أشـعث أغبر لو أقسـم على الله لأبره.)[٣]. فاتقوا الله في الناس وقد أخفى حقائقه بعباده الذين تولى في الخلق، كما جعل من الكبر على أهل الكبر صدقة. {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسـك بالعروة الوثقى لا انفصام لها}[٤] (اللهم ارزق أهل بيتي الكفاف)[٥]. هكذا قسم رسـول الله الناس في تعاليمه، وفي رسـالته، وفي فعله. اسـتكبر على أهل الكبر من قومه فلم يأبه لهم فكان في هذا صلاحهم، إذ لا يخضع المتكبر إلا لمن تكبر عليه، وخشـي الله في الضعفاء من قومه فلم يغفل عنهم، واددهم وآكلهم وعاشـرهم وأسـند ظهره إليهم، وعرف وجه الله من بينهم يقوم، كما عرف وجه الشـيطان في أهل الطغيان يقوم. وعرف نفسـه في الحال الوسـط من الناس بهم يقوم، حتى يكون قدوة مرتضاة عند أهل الفاقة، وحتى يكون قدوة مطاقة عند أهل الثراء، فيبذل أهل الثراء مما أفاء عليهم الله مختبرين مبتلين. أما من أكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمني، وما أكرمه ولكن ابتلاه. فليبذل الناس ما فاض عن حاجتهم لإخوانهم من الإنسـانية من الناس مرضاة لرب الناس ملك الناس إلـه الناس. وليعفف الفقراء عما في أيدي الأغنياء اعتزازا بإنسـانيتهم أن تهدر، وإكبارا لحقيقتهم أن تحط، حتى يفيء الله عليهم مما خلَق لهم… تحسـبهم أغنياء من التعفف.

إن المجتمع الإنسـاني على ما هيأه محمد في أوضاعه لا يعترف بألوهية المال حتى ينقسـم على أساس ملكيته إلى طبقاته، ولكن المجتمع على ما أنشـأه محمد يعترف بقيمة تقوى الله، ويرى من تقوى الله أسـاس تناسـقه. إن أكرمكم عند الله أتقاكم… ولا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله… رفعنا بعضكم فوق بعض درجـات… وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا. إن الذين يعاملون الله في معاملاتهم للناس هم في دين الله، والذين يتجاهلون الله في شـئون الحيـاة وفي واقع الحيـاة، إنما يجهلون الله. وما الكفر بالله إلا الجهل بالله. وما الإيمان بالله إلا العلم عن الله. وما الوصلة بالله إلا اكتسـاب الحكمة من الله في فعله وقوله. إن الله هو الحيـاة، وهو قوانين الحيـاة، وهو الوجود على ما يشـهد الناس للوجود، وهو فيهم التواجد ما تواجدوا بأسـرار الوجود.

إن الإسـلام على ما عرفه محمد، وعلى ما قامه محمد، إنما هو محمد، وكل محمد، وكل من تحمد، وكل من كان في نظر محمد، وفي طبيعة محمد، وفي قيـام محمد، وفي فعل محمد، وفي قول محمد، وفي لسـان محمد. محمد رسـول الله… محمد رسـول الناس من أنفسـهم من الله… محمد رسـول أنفسهم بتقوى الله إلى أنفسـهم بالغفلة عن الله… محمد منهم وإليهم في أنفسـهم يوم تتغلب محامد الخلق فيهم على مسـاوئ الخلق بهم. إنه الصراع، إنه المعركة المشـبوبة، في كل صدر، وفي كل ضمير، وفي كل نفس، وفي كل عقل، وفي كل قلب.

إنه الضمير الحي المقبور بين الجوانح والصدور. إنه البيت المهجور من القلوب في مشـكاة الصدور من كل إنسـان. إنه البيت المعمور يوم تشـعل به مصابيح الصدور. إنه العقل الواعي يوم يقوم العقل من منامه، وينتشـر بعمله في قيامه، متأملا دراكا، مبصرا بصيرا. إن محمد هو معنى الناس وحيـاة الناس إذا آمن الناس بمحمد، وهو رب الناس إذا قام الناس برب محمد. إنه روح الحيـاة فيهم ما آمن الناس بمحمد ورب محمد، محمد وجهه عندهم، ويداه منه إليهم، وأقدام سـعي لرحمته لعالمهم، فآمنوا بالحق فيه بينهم قام، وآمنوا بالحق به في أنفسـهم يقوم، أولى بهم من أنفسـهم، أزواجه أمهاتهم، أمته جماع عباد الرحمن، رسـالته قيوم معاني الإحسـان، ربه ولي من يتولاهم، وولي من يطلبون وجهه في أنفسـهم.

ماذا عرفنا عن الإسـلام، وعن رب المسـلمين؟ ما عرّف الإسـلام ربا طاغيا، جبارا مهلكا، ولكنه عرّف ربا غفورا رحيما، راحما، عفوّا كريما… أمة مذنبة ورب غفور. ما عرّف الإسـلام ربّا أعماه الكبرياء عن عباده وعابديه، ولكن عرّف الإسـلام ربا يسـهر على العباد وهو في غنى عنهم، يخدمهم لا يخدمونه، يحييهم به لا يحيونه بهم، يقيمهم لا يقيمونه، يحيـاهم فيحيونه، ويقومهم فيشـهدونه. عرف الإسـلام عن رب المسـلمين لا تعدد بينه وبينهم وقد وحدوه فتوحدهم، يدخلون في حصن وحدانيته يوم يشـهدونه في أنفسـهم بلا إلـه إلا الله، فيقومونه لا إلـه إلا الله، ويتوسـلون إليه فيهم لا إلـه إلا الله، لا في كبرياء يقومون، ولا في اسـتعلاء على الناس يعملون، ولكنهم بخلق ربهم يتخلقون، أقربهم إلى الله أقربهم إلى قلوب الناس، وأطوعهم لله أخدمهم للناس، يؤثرون على أنفسـهم ولو كان بهم خصاصة.

هكذا عرّف الإسـلام رب المسـلمين، وهكذا عرّف الإسـلام من يكون من المسـلمين. فبالله عليكم ألِشَيء من ذلك تشـهدون؟ أشـيئا من هذا تسـمعون؟ أفي هذا الأمر تقومون، وبه تناصحون، وعليه تراشـدون، وفي ظل رعاية تتسـابقون، ولقيام معانيه تعملون، فمن الله تسـاندون؟ إننا في هذه الدار نحاول، ومعنا تحاولون، ونستعين وبمن نسـتعين به معنا تسـتعينون، ونتواصى وبما عرفنا تتواصون، وبالله ولا ملجأ لنا سواه نسـتعين لنتوحد معكم، وبالله معنا ومعكم تسـتعينون لنتوحد جميعا لله موحدين.

هذا هو جوهر الدين إن أردنا أن نكون في الله على دين، وأن نخرج من الشـيطان الرجيم ومن دينه على يقين، فللشـيطان دين، كما للرحمن دين، وكل في معسـكره به يدين. إن دين الشـيطان إنما هو دين المادة، إنما هو دين الأشياء، إنما هو عبادة المادة، إنما هو عبادة الذات الفانية لا الأقدس لها من ذات باقية. أما دين الرحمن فهو دين الروح، هو دين الحياة، هو دين روح الحيـاة، أقرب للناس من حبل الوريد، إذ هم أحياء، إذ هم بدونه أشـلاء، إنه الله في أنفسـهم، إنه الله في معانيهم، إنه الله في ضمائرهم، إنه الله في قلوبهم، إنه الله متجليا في جلابيب خلقه.

إن الذي يلبس عليكم ما تلبسـون، إنما هو ما بكم من معناكم من الله، به لذواتكم تحيون. لا تذكروا الله بعيدا عن أنفسكم، بعيدا عن معانيكم، بعيدا عن وجودكم، ولكن اذكروا الله قريبا منكم، وأقرب إليكم مما تدركون عن أنفسكم. إنه حيـاة الضمير يوم يحيا لكم ضمير، إنه حيـاة القلب يوم تحيا منكم قلوب، إنما هو نـور العقل يوم تتحرر لكم منكم عقول، إنه فيكم معاني الكرامة ومعاني الحرية ومعاني الحيـاة، ما قدسـتم الحيـاة وقدسـتم الحرية وقدسـتم معنى الإنسـان. إن الله في قيامكم، وكان في قيامكم بقيام قام قبل أن يقوم بكم، وإن الله سـيبقى لكم وسـيبقى معكم في قيام لكم به يقوم بعد قيامكم، فأنتم في الله قيام بعد قيام بلا بدء لقيامكم فقد قمتم قديما في قيام الله، وها أنتم في قيام الله، في قيام بعد قيام، لا ينتهي لكم فيه قيام حتى تقوموا بالله له في أنفسـكم مشـاهدين.

إن خروجكم من قيام إلى قيام، في خصام إلى خصام أو في سـلام إلى سـلام، إنما هو القيامة، وإنما هو السـاعة، وإنما هو سـكرة الموت، وإنما هو مولد بعد مولد حول أحواض الحيـاة… {خلق الموت والحيـاة ليبلوكم}[٦]. فلا تغيبوا القيامة عن قيامكم به، ولا تغيبوا البعث عن بعثكم برحمته، ولا تغيبوا اللوح والقلم عن فعلكم بذواتكم ومعانيكم، ولا تغيبوا القدرة عن قدرتكم، ولا الرضوان عن رضائكم. حاسـبوا أنفسـكم من اليوم وفي غد عن أمسـكم. لا حسـاب إلا محاسـبتكم لأنفسـكم. كفى بنفسـك اليوم عليك حسـيبا، وجد الله عنده. إن يوم الحسـاب إنما هو يوم يسـتيقظ الضمير فيصدر عنه العقاب. لا حسـاب إلا محاسـبتكم لأنفسـكم في حاضر من قيام، أو قادم من قيام. وإن سـمعتم القول فاتبعتم أحسنه فقبلتم ما يقدمه عالم الروح لكم اليوم من بيان لما بين أيديكم من بلاغ، لعلمتم أنكم في وجودكم هذا قديم حساب، وقديم عقاب، أبرزتم ميسـرين لما خلقتم له ثمرة لقديم فعل منكم، وحسـاب لكم، وإنكم إلى قابل لكم تسـتطيعون أن تكتبوه لأنفسـكم في يومكم من فعلكم… {ن والقلم وما يسـطرون}[٧]… ولو كنت يوم كنت أعلم الغيب لاسـتكثرت من الخير وما مسـني السـوء… وأنتم الآن في غيب عن مسـتقبلكم ولكنكم تسـتطيعون أن تكتبوه على ما تريدون. {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شـرا يره}[٨] {ووجدوا ما عملوا حاضرا}[٩]. تعلموا الدين، تعلموا الحيـاة، تعلموا عنكم، تعلموا أنفسـكم. اقرأوا كتاب أنفسـكم، فهو بأيمان قديمكم أو بشـمائله اليوم تنظرون، فإن أدركتم فأنتم المؤمنون، وأنتم الموقنون، وأنتم المبعوثون، وأنتم للحوض الواردون، وأنتم عن النار مزحزحون، وأنتم للجنة داخلون، وبها فائزون، عرفها لكم على ما تشـهدون، بذلك أنتم المسـلمون، وبالإسـلام تدينون.

إن لم تكونوا فيه على ذلك، فبأي عقل تسـلمون، وأي حق تطلبون، وأي إلـه تعبدون، وأي رسـول تتابعون؟

إن إلهكم ورسـولكم وكتابكم اليوم، إنما هو من وضعكم. أفلكتاب الله تحرفون؟ وفي غير مواضعها آياته تضعون؟ وبآي الله تنطقون وتتمشـدقون؟ وبها عملا تهزأون؟ وأسـفارا باسـم الكتاب تحملون؟ وأوزارا مع أوزاركم تجمعون؟ فإلامَ هذا أنتم فيه تقومون، وعما جاءكم من الذكر تغفلون، وقد جاء الحق برسوله وعبده، في عباده بينكم يتتابعون؟ ومن يوم جاء الحق بينكم ما غاب الحق عنكم تشـهدون، ولكن غاب في أعين الناس له يعمهون، لا في أنفسـهم يذكرون، ولا عند من أدرك الحق وعرفه يتابعون، ولكنهم وراء المنحرفين وكلام المنحرفين للمخرفين باسـم السـلف الصالح يذكرون، ووراء المنحرفين يتابعون لانحراف باطنهم وغفلة ظاهرهم عما يقولون، والله أعلم حيث يجعل رسـالته في كل وقت وحين، في كل ولكل جمع من المؤمنين، والله أعلم حيث يجعل خدمته من المؤمنين للمؤمنين، والله أعلم حيث يفيض بتقواه من المتقين إلى المتقين. علم الناس كيف يتعلمون وجعل في ذلك الدين، ولكنهم لا يريدون أن يتعلموا وبظلامهم يتدينون. {اتبعوا من لا يسـألكم أجرا وهم مهتدون}[١٠] {لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى}[١١] {ومن يقترف حسـنة نزد له فيها حسـنا}[١٢] ولكنهم لمن يسـومهم العذاب ويقطع عنهم الأسـباب يتابعون ويخضعون، والجهلاء من بينهم أئمة لهم يقيمون.

(مثل أهل بيتي كسـفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك)[١٣]، (تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، ما إن تمسـكتم بهما لا تضلون أبدا، فإنهما لا يفترقان أبدا)[١٤]، فإن عرفتم الكتاب دون عترته فما قرأتم كتابا، وما اخترقتم حجابا، وما لمسـتم حيـاة، وما أشـرق فيكم نور. وإن وهمتم عترته بلا كتاب فقد تابعتم الخزعبلات والخرافات والانحرافات من أهل الانحراف وأهل الفتنة والادعاء.

إن عماد الدين هم العترة، ودسـتورهم إنما هو الكتاب. لا يقوم الكتاب إلا على العترة ولا تقوم العترة إلا على الكتاب، فإنهما يقومان قياما واحدا. العترة تنزيل دائم، وقرآن حي، والقرآن إنسـان معنوي حي لا يمسـه ولا يقومه إلا المطهرون… يوم ندعو كل أناس بإمامهم… كتابا مبينا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها {الرحمن فاسـأل به خبيرا}[١٥]، {قل لا تمنوا علي إسـلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان}[١٦]، {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشـي يريدون وجهه}[١٧] (المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل)[١٨]، (المؤمن مرآة المؤمن)[١٩] (والمؤمن أخو المؤمن)[٢٠]. {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث}[٢١] {… لتبين لهم}[٢٢]، {وإذا سـألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعان…}[٢٣]، هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في السـاجدين}[٢٤] {وما جعلنا لبشـر من قبلك الخلد}[٢٥].

عنون مجتمع المسـلمين الإنسـان العلوي إذ عنون الفرد المرئي لهم في قبلة صلاتهم له يسـتقبلون، وحول بيته بيتا لله يطوفون، القائم في وصلة اتصالاتهم يبعث في أنفسـهم، الحوض المورود ماء حيـاتهم، والتطور المنشـود في منشـود قيامهم، عبدا ورسـولا خالدا متكاثرا يقوم ويتقلب في السـاجدين.

لا إسـلام بلا مسـلم نصبا للمسـلمين، ولا مسـلمين بلا مؤمن نصبا للمؤمنين، فلا مسـلم بلا جمع للمسـلمين، ولا مؤمن بلا جمع للمؤمنين. وما المسلم إلا من أسـلم لله قياده في خدمة المسـلمين هم وجه لربه رب العالمين تحت لواء لقدوة يوقظ غافلهم، ويشـجع سـائرهم، ويعول مفتقرهم، ويرد طاغيهم. وضع نفسـه في خدمتهم، ما ذكروا الله متذكرين متذاكرين، وما تناجوا بالله متناجين، فيه يقظين ما عرفوا أن الله مع قديمهم في أحسـن تقويم كان، وفي حاضرهم معية مستقيمهم كائن، وفي مسـتقبلهم مع من صلح يكون في دورة للحيـاة لا بداية لحلقاتها ولا نهاية لدوراتها، طلبوا الحيـاة يوم اتجهوا من دائرتها باجتماعهم على الله إلى مركز الحيـاة لهم فيمن أسـلم وجهه لله منهم، وطلبوا مركز الحيـاة لهم في قلوبهم ليشـهدوه بقيام الحيـاة فيهم، ما قاموا في خدمة أنفسـهم وخدمة أهليهم وخدمة معانيهم. (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول)[٢٦]، (لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها)[٢٧]، {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}[٢٨] (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)[٢٩].

فاقد الشـيء لا يعطيه… كيف يهدى للإسـلام من لم يدخله؟ إن الإسـلام دين وكتاب حي لا يدخله الناس بشهادة الميلاد. والناس جميعا بمولدهم في فطرته أمة واحدة، ما اختلفوا إلا بعد الذي جاءهم من العلم.

ما الحج إن لم تعرف الله في نفسـك؟ ما الصلاة إن لم تعرف الصلة بربك؟ ما الزكاة ما لم تعرف الإيثار على نفسك مرضاة لظاهره بالكل حولك؟ ما الصيام ما لم تكبح جماح نفسـك عن شهواتها، وغلوائها في طلب المال، وطلب الزينة، وطلب الدنيا، وطلب الجاه والسـلطان، ومتعة النفس في الطغيان؟

ما هي أركان الإسـلام الخمس التي يجددون إذا لم يكن الإسـلام في جوهره محل فقهك ومحل علمك ومحل معرفتك؟ وما الإسلام ليكون محل علمك ومعرفتك إذا لم يكن الله محل تفكيرك ووعيك، ومحل مشـغوليتك ونجواك، ومحل إدراكك، وحسـك، ومحل رهبتك ورغبتك؟ وما الكتاب وما الرسول إن لم يكن الرسـول محل وصلتك ومحل شـهودك ومحل قيامك في وجودك؟ فبالله عليكم هل آمنتم بالله قائما عليكم؟ بالله عليكم هل شهدتم الله عليكم في أنفسكم فشـهدتم أنه لا إلـه إلا الله؟ قيل لكم اعلموا أن فيكم رسـول الله، فبرسـول الله فيكم هل آمنتم رسـول الله فيكم؟ هل عرفتم أو له طلبتم؟ هل علمتم حقا أن رسـول الله فيكم واسـتهديتموه بالصلاة عليه والصلة به؟ هل شـهدتم رسـول الله فيكم فنثرتموه؟ كيف تؤمنون برسـول الله فيكم وأنتم تنكرون عليه أن يكون في رجل منكم؟ وكيف تؤمنون بالله عليكم وأنتم تنكرون على الله أن يكون ظاهرا لرجل عليه بينكم؟ ويأبى كل منكم على ظلامه وحجابه إلا أن يكون الله ورسـوله له دون غيره، فإن تكشـف له بصيص من نفسـه وهمهما وتألـه بوهمه على جهلاء قومه؟ وتذكرون تراب اللاهوت في موتاكم وتنسـون دوام القدس في الناس من محيـاكم بمن أسـلم وجهه لله فقامه، وأسـلم عقله لرسـول الله فكانه، وأسـلم نفسـه للناس فكانوه، وأسـلم قلبه لمحبته فكان المحبة للناس وكانهم، فكان للناس وجه قبلتهم وأهل كعبتهم.

الناس يعمهونه ولا يعرفونه. لا يشـهدونه إلا من رحم الله. وكيف يشـهدونه وهم يطلبونه؟ وكيف يطلبونه وأمره بينهم لا يؤمنونه؟ وكيف يؤمنونه وكتابه كتاب الله يقرأونه ولا يفقهونه؟ وكيف يفقهونه وهم في أنفسـهم لا يذكـرونه ولها لا يطلبونـه؟ لو رُدَّ الناس إلى أنفسهم يقرأون كتبهم كتاب الله فيعلمون أنهم كلمات لله في عمائها، وكتبا لله في أغلفتها، ولكن الناس يضعون أصابعهم في آذانهم حذر الموت، وهم الموتى وللموت يضاعفون، ويتجنبون مسـالك الحيـاة وهم مطلوبي الحياة للحيـاة لها قالين، يظاهرون الله وهم يشـهدونه، فيظاهرهم الله وهم يعمهونه.

هذا هو الإسـلام وهذه هي حال المسـلمين، فنسـأل الله وقد أصبح الإسـلام غريبا على موصوف أهله أن يجدده على ما جدده بمحمد في قديم بعثا لملة إبراهيم، وأن يجعل منا أمة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله.

اللهم إن دين الشـيطان قد اشـتد سـاعده، وتكاثر رائده على ما تعلم، وانتشـرت يده وامتدت فقبضت بقياد الأشياء كما نشـهد ونعلم، ونحن نؤمن أن الغلبة لرحمتك على عدلك. وقد امتد الشـيطان من عدلك علينا بسـلطانه فقامنا بعنوانه. اللهم برحمتك فأمددنا، وبعونك فأعنا، وبقدرتك فانصر كلمة الحق فينا، وأعلِ كلمة الحق بيننا، وابعث وانشـر كلمة الحق في قلوبنا.

اللهم إنا قد ضعفت حيلتنا على ما ترى وعلى ما تعلم، وقد يئسـنا على ما قدرت لضعفنا. اللهم بالنصر فعجل للحـق على الباطل في أرضك وفي سـمائك، وفي عوالم خلقك وفي عوالم ابتلائك وفي جزائك.

اللهم اجمع بيننا وبين الصالحين منا والصالحين من سـلفنا. اللهم مكن الصالحين من سـلفنا من الانبعاث بجديد لهم في أنفسـنا، نورا منك، وحقائق طلعتك، ووجوه شـهادتك، وأقلام قدرتك، وسـيوف عدلك، وأحواض ماء الحيـاة منك. أنت الحي وغيرك ليس بحي. وأنت القيوم على الحيـاة ومن غيرك لا تكسـب الحيـاة. اللهم أحيِ موات قلوبنا، وأنزل ماء الحيـاة على أرضنا لتهتز وتربو.

اللهم اجمع بين قلوبنا وعقولنا حتى نَحُج بيتك، واجعل ذلك في اسـتطاعتنا بقدرتك وبرحمتك. ولا تحل بيننا وبين قلوبنا بعدلك.

اللهم قد عرفنا قبلتك وعرفنا كعبتك، وشـهدنا بهديك كل الناس وجهك. اللهم فعرفنا عنك فينا، واجمعنا عليك بنا، واكشـف حجاب الغفلة عنا، واجمعنا وجوها لك على جماع وجوهنا منك لنا.

وولِ اللهم أمورنا خيارنا، ولا تولِ اللهم أمورنا شـرارنا بما كسـبنا، وارعنا بفضلك حكاما ومحكومين، قوادا ومقودين، مجاهدين ومتابعين، روادا ومرودين، أربابا ومربوبين، آلهة ومألوهين، متقدمين ومتأخرين، لا إلـه غيرك ولا معبود لنا سـواك. نشـهد أنه لا إلـه إلا أنت إلـه محمد وبشـريته، ونشـهد أن محمدا عبدك ورسـولك ووجه الحق لنا منك.

أضواء على الطريق

(أنتم الآن في وسـط الأزمة. يوجد ألم كثير قبل أن تحدث الولادة كما تعلمون. وولادة الأمر الجديد معناها ألم كثير، وسـوف توجد آلام مضاعفة حتى بعد أن يأتي الأمر الجديد.

إنما زرعت في عالمكم بذرة سـوف تنمو. وسـتبوء بالفشـل مجهودات الذين يحاولون وهم في مراكزهم الكبيرة أن يُتلفوا البذرة. لقد قيل قديما “لسـوف يصنع في الأرض مثلما هو في السـماء وهذا سـوف يأتي”[٣٠] ).

(برش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة آل عمران - ١٥٩ ↩︎

  2. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  3. حديث شريف: " رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، ذِي طِمْرَيْنِ، تَنْبُو عنه أَعْيُنُ الناسِ، لو أَقْسَمَ على اللهِ لَأَبَرَّهُ". أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) بلفظه، وأصله في صحيح البخاري ومسلم بنحوه. ↩︎

  4. سورة البقرة - ٢٥٦ ↩︎

  5. استلهاما من حديث شريف أخرجه البخاري ومسلم بلفظ: " اللَّهُمَّ ارْزُقْ آلَ مُحَمَّدٍ قُوتًا". كما جاء بصيغة: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم): اللهم ارزق محمدا وآل محمد ومن أحب محمدا وآل محمد العفاف والكفاف…” في كتاب الكافي تأليف محمد بن يعقوب الكليني. ↩︎

  6. سورة الملك - ٢ ↩︎

  7. سورة القلم – ١ ↩︎

  8. سورة الزلزلة ٧-٨ ↩︎

  9. سورة الكهف - ٤٩ ↩︎

  10. سورة يس - ٢١ ↩︎

  11. سورة الشورى - ٢٣ ↩︎

  12. سورة الشورى - ٢٣ ↩︎

  13. إشارة إلى الحديث شريف: “مثل أهل بيتي مثل سـفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.” أخرجه الحاكم في المستدرك. ↩︎

  14. إشارة إلى حديثين شريفين: “إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض”. أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده. و"إني تارك فيكم ما إن استمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما". جاء في سنن الترمذي. ↩︎

  15. سورة الفرقان - ٥٩. ↩︎

  16. سورة الحجرات - ١٧ ↩︎

  17. سورة الكهف - ٢٨ ↩︎

  18. حديث شريف: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎

  19. حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎

  20. نفس الحديث الشريف في الملحوظة السابقة. ↩︎

  21. سورة الإسراء - ١٠٦ ↩︎

  22. سورة النحل - ٦٤ ↩︎

  23. سورة البقرة، -١٨٦ ↩︎

  24. سورة الشعراء - ٢١٨-٢١٩ ↩︎

  25. سورة الأنبياء - ٣٤ ↩︎

  26. حديث شريف ذات صلة: “خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى. وابدأ بمن تعول.” صحيح البخاري وصحيح النسائي. أيضا: “ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها فإن فضلَ شيءٌ فلأهلكَ، فإن فضل من أهلك شيءٌ، فلذي قرابتِك فإن فضَل من ذي قرابتك شيءٌ فهكذا وهكذا، وهكذا.” أخرجه مسلم والنسائي. ↩︎

  27. استلهاما من حديث شريف يخاطب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم الإمام علي بن أبي طالب. " فوالله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لكَ حُمْرُ النعم." أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  28. سورة المائدة - ١٠٥ ↩︎

  29. حديث شريف. أخرجه الترمذي والدارمي. صحيح الترمذي. ↩︎

  30. إشارة للصلاة الربية: (أبانا الذي في السماوات، لِيتقدس اسمك، لِيأتِ ملكوتك لتكن مشيئتك كما فِي السماء كذلك علَى الأَرْض) “لو ١١: ٢” ↩︎