(٢٢)

عيسى والنبيون كلمات الله
محمد وعباد الرحمن رسل الله
من آلوا محمدا سفن النجاة وبيوت الله
إن لله عبادا إذا ذكروا ذكر الله

حديث الجمعة

٢٠ شعبان ١٣٨١ هـ - ٢٦ يناير ١٩٦٢ م

أشـهد أنه لا إلـه إلا الله، لا شـريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وفى كل شيء ظاهر، وبكل أمر لشـيء حكيم. نعبده ونعبِّد أنفسـنا له، لنتوحده، فنوحده، ونرتضيه لنقوم به فيه، ونحبه ونفنى فيه لنشـهده في أنفسـنا لنا، لا شـريك له منا، ولا سـلطان لغيره علينا، ولا ظهور لغيره لنا، ولا ظهور لغيره بنا. نقومه لنشـهد بلطيفه وجهه بنا محيط، من وراء كل نفس دائم، وعلى كل نفس قائم، وبكل نفس شـهيد، ومن كل نفس شـاهد.

نشـهد وحدانيته، بوحدانيته معنا، وبوحدانيته مع كل ما يحيط بنا، وبوحدانيته بكل ما يقع نظرنا عليه، أو يقع نظره علينا، أو يقع أثره فينا، أو يقوم تأثيره منا. نحيـا تحت سـلطانه، ويقوم بنا بسـلطانه، نسـلم له ونؤمن به، طامعين أن نكون له وجـه، وأن نكون له عنوان على ما أودع بالإنسـان من صفات من الرحمة والحكمة، من الكبريـاء والعظمة، تزاحمت صفاته، وتجلت به آياته، وقامت في الناس بالعباد أسـماؤه، وتنزهت حقيقته، وظهر بالعباد معروفه، وعُلِم بصفاتهم موصوفُه، فذكرنا له الاسـماء، وعرفنا له الصفات، وشـهدنا لـه الآثار، وقامت بنا عنه الأخبار، فكان المعروف وإن لم يعرف، وكان لنا الموصوف وإن لم يتصف، وكان منا القريب وإن لم يدرك في عظمته وفى تعاليه وفى إحاطته وفى إطلاقه.

تكلمنا عنه وتكلمنا به، وقام بنا وقمنا به، وظاهرنا وظاهرناه، وقاربنا وقاربناه، بمفرداتنا وجماعاتنا، في ماضينا كما نعلم من تاريخنا، وفى حاضرنا كما نعلم من دراسـتنا لنا، وها نحن نبقى فيه كما كنا، وهو لنا ونحن له، وها نحن فيه على ما كان لنا وكما كنا له. وسـيبقي وسـوف يبقى وهو باقٍ لنا أبـدا على ما هو لنا، وسـنبقى كما كنا وكما نحن كائنون، وكما سـنبقى ونبقى ونبقى له على ما نحن عليه.

صفاتنا في جِمَاعِنا صامدة على ما هي عليه ظاهرا لإنسـانه وشـيطانه، وصفاتنا في مفرداتنا متجددة كما تجددت في قديم لمفردات لها، وكما هي متجددة في حاضر لمفردات منا من قديم لها، قانونا له وكتابا لنا، فسـيبقى نظام مجتمعنا من صفات الظهورية له، بوصفه من إنسـانه وشـيطانه تتجـدد ذوات وصفات المفردات فيه، للفرد يمتد بما ينزل الله عليه من أمره من النـور، وما ينفخ فيه من الروح، وبما يفيء ويفيض عليه من تواجد بالوجود، يمتد بنوره وروحه فيمن يخالل، وفيمن يحب، وفيمن معه يتحاب، حتى يمتد الفرد إلى جَمَاعة، وحتى تتوحد الجماعة في قيـام ووصف الفرد، أمة هي إمامها، وإمام هو أمته في امتداد من فرد متجدد لا يتوقف تجدده وكوثره، واجتماع من أمة تجدده لا يتعطل في تلاحق بتصاعد، وبعث بتواجد على جانبي الحيـاة دانيها وقاصيها بين يدي رحمته بالأولى عملا، وبالآخرة حصادا، في قانون دائب، ووجود صامد حتى يتحرر الفرد والجمع من سـجن الأرض والسـماوات.

هذا قانون فاعل لا يتعطل عمله أبدا، ولا يختفي أثره أبدا، ولا يظهر لمن كان من نصيبه، ردا لفعله القطيعة والهلاك أبدا. لا يعرفه إلا مؤمن، ولا يهتدي إليه إلا مؤمن، ولا يقومه إلا مؤمن، ولا يسـعى في طلبه إلا مؤمن. تأتي به مفقودا سـكرة الموت لجاحـده، كما تأتى به نعمة الموت لواجده.

إن الوجود في حقيته ثابت في قيامـه، ثابت في دوامه، ثابت في أوصافه، ثابت في فعله، متزايـد متناقص في مادياته من مفرداته. يمسـك إنسـان الوجود السـموات والأرض أن تزولا. صدق العليم بما جاء في كتابه من أنه الصمد في ذاته بوجوده بظاهره عن باطنه. وصدق رسـوله، من حقي إنسـانه، في سرمدي إنسـانيته، يوم علم وهدى (الظاهر مرآة الباطن)[١]. فالظـاهر لا تختل موازينه، ولا يختفي بالباطن يقينه، ولا يسـود على مفرداته من الخـلق ظنينه، بل الرحمن الرحيم، بل السـيد الحكيم، بل الرب الكريم، بل إنسان الله القائم على كل نفس، لا يميز بين نفس ونفس، ولكن النفوس هي التي تتميز وتتمايز بما تكسـب، وكل نفس بما كسـبت رهينة، وبما اكتسـبت ظنينة. لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسـه. المؤمن منكم مرآة أخيه، والمؤمنون منكم مرآة المؤمن الذي أظهره الله على الدين كله مرآة المؤمن من أمر رسـوله، ومرآة المؤمن مـن أمر مرسـله. شـهد الله أنه لا إلـه إلا هو، فكانت شـهادته لنفسـه، فهو المؤمن بنفسـه، العارف بها، وقد جعل الله إيمان العبد من طبيعة وفطرة إيمـان الله بنفسـه عن نفسـه. لا يؤمن العبد إلا إذا آمن بنفسـه فعرف ما تكون، على ما هي كائنة، عرفها شـيطانا في مادتها، وعرفها نورا في ملائكيتها، وعرفها روحا في ألوهيتها، وعرفها غيبا في عبوديتها، وعرفها ظاهرا في علميتها على معلومها، وعرفها وجودا كاملا حيـا في حقيقتها آمن بها. آمن بها في أسـفل سـافلين أنها من أسـفل سـافلين، وآمن بها في أعلي عليين أنها من أعلي عليين، آمن بها في إيمانه بأن الله قريب من المؤمنين بقربه من أهل محبته، وآمن بها في غفلتها بنصيبها من الغفلة عن حقيقتها من الغافلين. آمن بها مبلسـة في جنوحها عن سـفن نجاتها في حيواتها، وآمن بها في سـفين نوح بتوفيقها لخلاصها، وآمن بها من عيسـى في أملها، وفى عسـاها، وفى رجاها، وفى ترويض مبناها لكمال معناها، برؤية ضيق مبناها لسـعة معناها في عالم وجودها وتواجدها، بظاهر لمبناها منطلق في معناها، ومنطلق عنـه في حقي معناها، بالشـهود آمنها من محمد، يوم حقق لها حقها عليها به جانبا من رجاها في متابعته فحُمِّدَت صفاتها، عندها مدركة على ما اتصفها، مسـتزيدة من حقها ومعنـاها فيه، الأحمد مما حَمَدت، راجية من الواسـع العليم المحمود الأكثر مما به حُمِّدت، في متابعته لظاهرها ظاهرا، ولباطنها باطنا إلى ما لانهاية، لمتابعة في ما لانهاية من كسـب ووهب.

ليس هناك كمال يرتجى. لا جديد في الحق. لا جديد تحـت الشـمس. آيات الله في السـماوات والأرض لا ينقطع عملها، ولا يتوقف ظهورها، ولا يتعطل مدارها. وكم من آيـة في السـماوات والأرض يمرون عليها - والكل مارٍ عليها - وهم عنها معرضون. كم من آية في أنفسـهم يحسُّـونَها ولا يدركونها، وينظرونها ولا يعقلونها، ويقومونها ولا يتعظونها. العاقل من اتعظ بغيره، والشـقي من اتعظ بنفسـه، وهم أشـقى من الأشـقياء، لا يتعظون حتى بأنفسـهم، ولا يتعظون بالآيـات مهما كانت بارزة أمـام نواظرهم لعيونهم، في غيرهم أو في أنفسـهم. ينظرون رد أفعالـهم إليهم بالجـزاء على عين ما فعلوا بأنفسـهم مع من رأوه غيرهم، إذ تقـع عليهم ممن يراهم غيره، ولا يتأملون ولا يدركون. يرون العطاء يوم يرد الله إحسـان الآبـاء، عطاءً للأبنـاء ولا يتأملون، ولا يرجـون، ولا يطمعون… وليخشـى الذين إذا تركوا من بعدهم ذرية ضعافا خـافوا عليهم… ذرية طيبة بعضها من بعض… الذين آمنوا وتابعتهم ذرياتهم بإيمـان… أما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحـا… ينقطع عمل بن آدم إلا من ثلاث، صـدقة جارية، علم ينتفع به، ولد صالح يدعو له بالخير… من صلح أصلح الله له من صلح من آبائه وأزواجه وذرياته… وما إلى ذلك من حديث الإحاطة، وحديث النبي الإمام.

هذا هو هدى الله، في حديث من الله، ظهر به كتاب من الله، نُشِـرَ عبدا بين الناس من أنفسـهم، رسـولا من أنفسـهم، على مكث فيهم يتلوه، وعلى بقاء بينهم يُبينُه، كتاب أنزلناه عليك لتبين لهم، كتاب أنزلناه عليك - لم ننزله عليهم- أنزلناه عليك لتبين لهم، ولم نجعل من خصائص الكتاب أن يُبِين لهم إلا إذا قام رسـولا من بينهم، عترة رسـوله، وصنو كتابه لا يتوقف تنزيله. لو أن ما في الأرض من شـجرة أقلام والبحر يمده من بعده سـبعة أبحر لنفـد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا… تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، ما إن تمسـكتم بهما لا تضلون أبدا، فإنهما لا يفترقان أبدا… لا تزال طائفة من أمتي قائمون على الحق لا يضرهم من خالفهم… يأتي عليهم زمان القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر… ولتجدن أكثرهم لا يؤمنون… قليل من عبـادي الشـكور… فهمناها سـليمان… وقليل ما هم… من قتل نفسـا مؤمنة بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا… إن النفس الصالحة هي شـجرة الجنس، وهي فرض كفـاية من المجتمع فهي الكلمة الطيبة والشـجرة الطيبة والأصل الثابت للفرع في السـماء من الجنس البشـرى لجنسـه الإنسـاني، من الجنـة والناس. تؤتي ثمارها كل حين بإذن ربها أنه بيت الآدمية لشـجرة البشـرية.

بهذا كله جاء الكتاب، فتجاوز الناس الرسـول إلى الكتاب، لم يُنزل عليهم، وليس لهم من القلوب ما تَطهَّر حتى يكون لهم من نوره نصيب، ولم يعرفوا ما الكتاب فيتنزل عليهم روحا من أمره ونـورا من حقه، ولكنهم يتجاوزون الرسـول ويتجاوزون النور، ويتجاوزون القلوب، ويذهبون إلى الكتـاب ورقا يقرأونه، ووزرا يحملونه، كما تحمل الحمر أثقالـهم فيقرأونه كما يقرأه عليهم الحديد. يقرأونه أحاجي، ويفسـرونه خيالات وأماني، ولا يقومونه حقائق، وكيف يقومونه وهم بعيدون عن الحق بعملهم وبعقائدهم؟ ما وحدوا الله، وما قاموا رسـول الله امتدادا لنوره، وهو الذي جعل له النـور يمشـي به في الناس من أمر ربه، وقد أوحى إليه، ونفخ فيه الروح من خلال أسـواره، جعل له العلم نورا والرحمة حيـاة يمشـى بهما في الناس فيهديهم ويحييهم، فجعل من الله للناس قدوة ليسـعدهم ويرضيهم، يسـري بنوره فيهم فيهديهم، ويقوم بروحه بهم فيميتهم ويحييهم، وعلى ما هـدى، وعلى ما عَلَّم، وعلى ما عَلِم لا ينقطع له بين الناس تواجـده، يقوم ويتقلب في السـاجدين، مرفوع الذكر، مغفور الذنب، مطاع الأمر، مجاب الدعاء، مقبول الشـفاعة، مأذون الوسـيلة، هو رحمَة الوجود، بغيرها ينقطع التواجد، ويأسـن ماء الحيـاة ولا يتجدد، فلا تقوم الأفعال، ولا ترد إلى الناس الأعمال، حوض الحي القيوم في حيـاة الناس قائمين به بالحيـاة، قائم بهم من الله بالـهدى، قائم عليهم بالقيوم بالحيـاة والـهدى. يضاعف لهم الحيـاة، ويضاعف لهم الممات، تضاعف الحيـاة لمضاعفها، بمضاعفة الموت لـه، لا ينفر منه، ولا يظن بالله الظنون في أمره. يموت قبل أن يموت، يموت قبل أن يموت النـاس، وهو منهم، ويبعث قبل أن يبعث الناس، وهو ليس منهم. يؤمن بالقيـامة قائمة في قيام الله، ويؤمن بالسـاعة قائمة متجددة في نفحات الله وفى جزاء الله، ويؤمن بالوجـود خالدا قديما، باقيا، لأنه دار الله، لأنه دار من دور الله، لأنه وجود لله، من ظاهر الله لباطن الله، يتجـدد من قديم نوعه، ويتجدد منه جديد نوعه، في مجتمع للوجود متوحـد بالموجود، ظاهر فيه عين الوجود، باطن له باسـم الموجد، لا يغيب عنه رسـول رحمته. واعلموا أن فيكم رسـول الله… وما كان الله ليعذبهم وهو فيهم.

به أدرك المدرك هدي رسـول الله، هدي رسـول نفسـه، هدي رسـول قديمه لقائمه، وهدي قائمه لجديده برسـول الله وبعبد الله وإنسـانه، ونور الله وعنوانه، وروح الله ورحمانه. يطمع الطامعون في الله، ولا ينقطع للمؤمنين به رجـاء في الله، ولا يقنع عارف بما حقق الله وإن شـكره، ولا يأمن مكـر الله وإن غفره، فيسـتغفر الله، ويسـتغفر الله، ويسـتغفر الله، ويَسـأل الله، ويسـأل الله وإن أجابه لسـؤله، وإن أجابه لسـؤله. يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد.

هذا هدي رسـول الله، وهذا هدي كتاب الله، فهل آمنا بالله؟ أو أدركنا كتاب الله؟ أو آمنا برسـول الله؟ أو عرفنـا عن رسـول الله؟

إنا نزعم أننا نؤمن بكتاب الله، وما طلب إلينا الله في كتـاب الله أن نؤمن بكتـاب الله، فليس هناك إيمان بكتاب الله على ما تعارف الناس عن معنى كتـاب الله. إن كتاب الله كما يجب أن يعرف من ورق الوجود، ومحابر الشـهود، ليس معنى كتاب الله المجلد المعبود، أو الرسـم والصوت المعتقد أو الموجود، ولكن كتاب الله المراد أن يكون موضع إيمان الناس إنما هو الناس. إن كتاب الله المراد أن يكون موضع إيمان الإنسـان إنما هو الإنسـان. وفي أنفسكم أفلا تبصرون… هذا كتاب الله. ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسـئا وهو حسـير… هذا كتاب الله. استفت قلبك وإن أفتوك وإن أفتوك وإن أفتوك… فهذا هو كتاب الله، وبيت الله، ووجه الله.

إن الله قائم على كل نفس، وأقرب إليها من حبل الوريد، ومعها أينما كانت وأينما تكون. هذا هو كتاب الله وقيام الله، وحق الله، ونور الله. آمن كتاب الله نفسـك، آمن رسـول الله عقلك. اقرأ نفسـك واسـمع عقلك. آمن بالله روحك. لا تعقل بعقل غيرك. ولا تتزكى بزكاة نفس غيرك. ولا تحيـا في حيـاة فعل غيرك. فإذا كان الله قائم على نفسـك، فكيف لغيره تلجأ؟ وكيف في غيره تكون؟ إنما من تراه غيرك من عبـاد له - إن عرفت فيهم معاني العبودية له - فليسـوا غيرك. فإنك إن حييت فيهم، فإنما تحيا فيه، وإنما تحيا فيك، وإنما تحيا بنفسـك. يا أيتها النفس المطمئنة، أدخلي في عبادي وادخلي جنتي. إن لا إلـه إلا الله حصن نجاتك، وحوض حيـاتك. وإن لا إلـه إلا الله تقوم فيمن قامت فيه ليكون حصنا لك بمعناها لك، وبمعناها عندك. إنها حوض حيـاتك، وإنها ماء حيـاتك، وإنها سـفينة نجـاتك، وإنها أرض قيامك، وإنها شـمس شـهودك، وإنها روح وجودك.

يا حسـرة على العباد ما يأتيهم من رسـول إلا كانوا به يسـتهزئون… ما يأتيهم من ذكر محـدث إلا اسـتمعوه وهم يلعبون… إلا اسـتمعوه وهم يلهون، وبأمر دنياهم يقومون وهم بها منشـغلون. كيف تشـهد وحدانية الله في نفسـك لنفسـك وأنت لا تؤمن أن وحدانية الله في شـهودك بموجودك لعبد من عباده؟ هل أنت أوليته حقا أو خلقا؟ إنك تعلم أنك لسـت أوليته لا حقا ولا خلقا. وتعلم أنه لا أولية من حقه ولا أولية من خلقه لك ولعالمك إلا بإنسـان نشـأتك وآدم خلقتك. كيف تطلب لنفسـك ما لم يحقق الله بعقيدتك لأحد من خلقه من قبلك وفي حاضرك في جمعك وجماعتك؟ أتريـد أن تبدأ مجاهدتك من نفسـك؟ فليكن، فإن الله وعدك وتحت مسـئوليتك… الذين جاهـدوا فينا لنهدينهم سـبلنا. إن الله وعـدك أن يهديك السـبيل، ما جاهدت فيه وصدقت المجاهدة له… وكان الإنسـان على نفسـه بصيرة وإن أبدى معاذيره. ولكنها طريق يطول شـأنها، ويطول أمرها، ومآلـها في النهاية أن تعرف السـبيل!!! ولكن هديه الذي هدى برسـله وحفظ ذكرهم بكتبه التي أبرز ويبرز، رسـله الذين تواجدوا وفي قديم الناس، ولم ولن ينقطعوا في حاضر ومسـتقبل الناس، فيهم صلاح الجديد وحفظ الصالح من القديم من الناس، جُعلوا عونا للناس ممن أعطىَ كل شـيء خلقه ثم هدى، كانوا سُـبل الله للناس، وكانوا مصابيح السـماء الدنيا، من حيوات الناس، وطبقات الناس، من دنيا قيامهم بنهاية ماضيهم، وبداية حاضرهم، وأول مسـتقبلهم، بين يدي رحمته تكفل لهم منهم بخيِرين شـهداء، وبصدِيقين أنبياء، وبأنبياء أولياء، وبأولياء رحماء، وبرحماء أتقياء، وبأتقياء علماء يظهَرون روح الله، وعباد الله، ورحامين الله لخلق الله. هم في دوام بين الناس، لا ينقطع لهم تواجـد، ولا يتوقف لهم ظهور، ولا يختلف لهم هـدي، ولا يتعارض منهم منطق، ولا يتضاد منهم مسـلك، ولا تتضارب لهم صفات أيا ما كانت أممهم، وفي أي أرض كان ظهورهم، وعلى أي دين برزت صفاتهم. إنهم عبـاد الرحمن في كل دين، وفي كل أرض، وفي كل أمة وفي كل زمان.

هذا جاء به الإسـلام، وما طُلب من الناس في الإسـلام أن يؤمنوا برسـوم الكتاب، ولا بجسـده من الورق باسـم الكتاب وبمعني الكتاب… لو أن قرآنا سـيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى… بل لله الأمر جميعا. فيجب أن لا يكون هناك إيمان بألفاظ، ولا بألواح من ورق، ولكن الإيمـان إنما هو في العنوان من الإنسـان، كتابا كان، أو لوحا كان… إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسـى. وما كانت صحف إبراهيم وموسـى إلا مفردات الصادقين من أمة إبراهيم وأمة موسـى، عبادا لله في أمة إبراهيم وأمة موسـى. وكذلك الأمر في شـأن محمد، وأمـة محمد، وكتـاب محمد، ودين محمد، إنما هو الأمر في النـاس من المسلمين له، المؤمنين به، القائمين فيه… لا تزال طائفة من أمتي قائمون على الحق لا يضرهم من خالفهم الى أن تقوم السـاعة… الخير في وفي أمتي الى يوم القيامة.

هذا هو هدي الدين إن أردنا أن يكون لنا كتاب ودين، وهذه هي الطريق إن أردنا أن يكون لنا في طريق الحيـاة مسـير ويقين، وهذا هو المسـلك إن سـلكناه، وهذا هو التخلق بأخلاق الله إن عرفناه وطلبناه، وهذا هو المنظور بالحيـاة في أطوار الإنسـان. وهذا ما أشـير إليه وما عنى بقوله… خلقنا الإنسـان من سـلالة من طين أو خلقناكم أطوارا.

هذا قليل من كثير فيما يصح أن نتكلم فيه من أمر الإنسـان. إن الإنسـان مُهيأ بحكم خلقته لأن يكشـف حقائق نفسـه، وحقائق الوجـود، وحقائق الله في وجوده وفي مشـهوده. إنا إذا تأملنا فيما تكشـف لنا وكشـف لنا رجل نقول إنـه من غير ملتنا ومن غير أمتنا، فيما كشـف بكشـف قانـون من قوانين الطبيعة وقوانين الوجود، يوم وضع هذا القانون في كلمات فقال: “إن لكل فعل رد فعل مسـاوٍ له في القوة ومضاد له في الاتجاه”…

إن هذه العبارة على إيجازها، وقد كشـفت عن قانون من قوانين الوجود أثبته من اكتشـفه، واقتنع به من أدركه… هذا القانـون وحـده يكفينا لأن يكون مفتاحا للقرآن، ولكل ما جاء بالقرآن. هذا القانون إن آمناه، وهو مما كشـف الله لنا من آياته في الآفاق وفي أنفسنا، فطبقناه على أنفسـنا، فقرأناها لنكتشف به أنفسـنا، لوجدناه قانونا صادقا، يبين لنا صدق البعث، وصدق النشـأة، وصدق الجزاء، وصدق الرد للدنيا، وصدق الرد للآخرة، وصدق دنيا الروح وصدق دنيا المادة.

فكل ما صدر من دنيا الروح راجع إليها يوم تصل بعملها الى هدفها من التواجد في المادة، ثم يبـدأ رد الفعل بالقطيعة عنها وعدم التثاقل إليها. وكل ما صـدر من المادة، هادفا إلى الروح، فله رد فعل مضاد في الاتجاه مسـاو في القوة، يوم تحقق النفس بعملها وهي تهدف الى عالم الروح فتصله وتتواجده، ومنه ترد الى الأرض بالبعث، كما بدأ أول خلق يعيده، على أصل نشـأتها، وعلى صورة قديم فعلها.

إن هذا القانون الطبيعي يكشـف الكثير مما جاء في القرآن، ويضع البيان له في مواضعه، يضع النقـط على الحروف… إنما هي أعمالكم ترد إليكم… من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شـرا يره. إن الله قانون الوجود وهو الوجود، وقانونه قائم على كل نفس بما كسـبت هذه النفس، أعمالـها ترد إليها، وما يصدر من عملها أو من طاقتها إنما يقابله رد فعل مسـاوٍ له في القوة مضاد له في الاتجاه، فعملها مردود عليها إن خيرا فخير، وإن شـرا فشـر… إن الله لا ينظر الى صوركم وأقوالكم ولكن ينظر الى قلوبكم وأعمالكم… وإنما الأعمال بالنيات ولكل أمرئ ما نوى… أنا عند ظن عبـدي بي إن خيرا فخير وإن شـرا فشـر… فالذات محل صدور أفعال القلوب تتجدد برد الأفعال الصادرة عنها لتكون لها محل على عين صورتها، مسـواة البنان بمحدثها لقديمها.

إن الذي أعني بذلك إنما هو أن تدركوا ويدرك الناس معكم، أن ما يتكشـف لنا من قوانين في علوم الطبيعة، وفي العلوم عن الحيـاة، إنما هو مفتاح لبيان الكتاب بين أيدينا، وأن هؤلاء الذين كشـفوا هـذه القوانين في الطبيعة، وقدموها لنا سـائغة مدركة، معتقدة، إنما هم من عباد الله الذين سـخرهم الله ليعرف الناس عن طريقهم حقائق أنفسـهم وحقائق وجـودهم. وهم إذ يعرفـون مما يعرفون عن أنفسـهم وعن وجـودهم إنما يعرفون عن الله القائم على كل نفس بالحيـاة في ظل قانون الوجـود، فيشـهدون الله الموجود في كل موجود، ويطلبون الله المحيـط بما نعلم وبما لا نعلم من الوجـود، فيحبون الحيـاة بالله الظاهر المشـهود، في كل ما يظهر من أبعاض الوجود لأبعاض الوجود، فيسـتقيمون مع الله من ورائها محيط بأحديته، ويؤمنون بالله من ورائها المعلم والمعلوم، فيوقن المؤمن أن الله من ورائه ومن وراء الشـمس، وأن الله من ورائـه ومن وراء أخيه، وأن الله من ورائه ومن وراء حاكمه، وأن الله من ورائـه ومن وراء محكومه، وأن الله من وراء الكل محـيط… من وراء الأب ومن وراء الابن، ومن وراء الجد ومن وراء الحفيد، والله من وراء كل ما هو أكبر منك ومن وراء كل ما هو أصغر منك. الناس فيه وسـط ما بين الكبير من الأجـرام السـماوية ومن الأرض، والصغير من الذرات والحيوات الدنيا للنبات والحيوان. وكذلك الإنسـان بطبقاته في وحدة جماعه في اجتماعه.

كل من عليها فان بمعناه من عزلته واسـتقلالـه، باق بمعنى وجهه من وصلته وامتثالـه. والبقاء لله ما بقي الناس بالله، وما بقي الله بالناس، البقاء لله ظاهرا ما بقي الناس في ظهور، والبقاء لله باطنا أو غيبا ما اختفى الناس عن الظهور في إنسـانية الغيب.

إن الناس بوصفهم ظاهر الله ظهوره بالوجود موجودا وموجدا، لهم فيه دوام، هو دوام الله، ولهم فيه بقاء، هو بقاء الله، ولهم به سـرمدية، هي سـرمدية الله، ولهم منه أزلية، هي أزلية الله، ولهم به أبدية، هي أبدية الله. أما الله في صمديته فإنه لا يعرف الأزلية ولا الأبدية لنفسـه، ولا يليق أن يتصف حتى بالسـرمدية لها، لقد جعل كل ذلك من صفات ما أوجد من معاني الخلق فيه، وهي ظاهر الوجـود له. فالخلق لهم فيه سـرمدية لأنهم عرفوه سـرمدا في سـرمدية أنفسهم، والخلق لهم فيه أزلية لأنهم عرفوه أزليا في أزلية أنفسـهم، والخلق لهم فيه أبدية لأنهم أدركوه أبديا في أبدية أنفسـهم، والخلق عرفوه منزها لاجتماع معناه من قدرته كخالق إلى معنـاه من وصفه كحق دائم في معانيهم، فنزهوا الدائم فيهم عن المخلوق به منه لهم، فقالوا منزه، وقالوا غيب، وقالوا مشـهود. كل هذا وعي الخلق عن الحق فيهم، وعن وصف الحق لهم، بوصف الخلق منه بهم.

إذا عرفنا هذا عرفنا قضايا الدين كلها، في أنفسـنا، وعرفنا البعث فينا لنا، وعرفنا القيامة منا بنا، وعرفنا السـاعة في يقظتنا من غفلتنا، وعرفنا الديمومة من تجددنا بأنسـجتنا لمفرداتنا وبمفرداتنا لمجتمعنا، في أبدي وجود على مثال مما كنا من أزلي وجود، في تجديد دائم بقائم وسـرمدي وجـودنا. نشـهدنا في حاضرنا بمفرداتنا وجمعنا، معنى الجديد والقديم والقادم في قائم وجـودنا، يتجمع لنا القديم والقادم في حاضر من قيامنا، فإذا علمنا عن قيامنا، وجعلنا معرفتنا من قيامنـا، علمنا عن الله، وعن الحق، وعن السـعادة وعن الحبيب المحبوب، وعن القادر وعن المقدر، وعن القريب وعن العلي، وعن المتعالي وعن العالي، وعن المنزه في معرفتنا عن وصفنا بهذه الصفات جميعا، الظاهر منا مـرآة الباطن لنا، ما آمنا بالله معنا، وما شـهدنا وحدانية الله لنا، وما تابعنا في ذلك مشـهودا بيننا رسـول الله من أنفسـنا.

هذا هو دين محمد مع محمد، وهذا هو دين الإنسـان بمحمد، وهذا هو دين الناس في محمد. أشـهد أن لا إلـه إلا الله، وأشـهد أن محمدا رسـول الله.

اللهم إنك تعلم ضعف حيلتنا، وعجز وسـيلتنا، وظلام قيامنا، والتواء أمرنا، عن أمر عبدك ورسـولك، وشـفيعك ووسـيلتك، من أظهرته لنا رحمة في جديد لقيامه، من قديم فيك لقيـامه، جددت قديمه، وأحييت نديمه به كثرته وأغدقت كوثره، فما عرفناه، لا وجودا، ولا موجودا، ولا قائما، ولا متحـددا، ولا متعددا، ولا ممتدا، ولا مشـهودا، وقد جعلت معرفتنا عنك في سـؤالـه عنك، وقد قلت لنا في مخاطبته بنا… إذا سـألك عبادي عني فإني قريب أُجيب دعوة الداع إذا دعان… إذا سـألك عبادي عني… سـبحانك يا أزلي… سـألك عبادي عني… ألا يدرك العباد أن المسـئول للمسـئول عنه، لا بد أن يكون موجودا في دوام وجود المسـئول عنه!!! كيف يأمر الله أن نسـأل رسـوله عنه؟ وكيف يكلف رسـوله ليحمل لنا المعرفة عنه فينا، ورسـوله المسـئول عنه لا وجود له بيننا؟؟ ولا شـهود له منا؟؟ ولا قيام له بنا؟؟

سـبحان الله… هل يطلب الله منا أمرا جعله علينا مسـتحيلا! إنا نريد أن نسـأل رسـوله عنـه ليعلمنا، ويشـفع ويسـتغفر لنا، ويتوسـل إلى الله ليصلنا حتى يجيب الله دعوتنا، ويكون لنا في شهودنا فنشـهد به أن لا إلـه إلا الله، ونشـهد أن المسـئول حقا موجودا، فنشهد أن محمدا رسـول الله في وجودنا، وفي قيامنا، وفي شـهودنا. سـبحان الله، هل علم الناس؟ هل أدرك الناس؟

إنهم يقولون إنهم قرأوا كتاب الله، فهل قرأوه؟ ويقولون إنهم حملوا كتاب الله، فهل حملوه؟

اللهم أغطش ليلنا وأخرج ضحانا، وأشـهدنا معناك في معنانا. وقوم اللهم سـبيلنا وحقق عبادك بيننا، وأشـهدنا عبوديتك في عبوديتهم، وجماعتك في جماعتهم، وصدقنا في صدقهم، ووحدانيتنا في وحدانيتهم.

اللهم دلنا على من يدلنا عليك فينا بيننا، في الأرض وفي السـماء، في الدنيا وفي الآخرة، فيما نعلم وفيما لا نعلم، في حاضر من الزمان وفي قادم من الزمان، فيما يدرك لنا بوجود وفيما يمكن أن يدرك لنا بتواجد.

اللهم ولِ أمورنا خيارنا ولا تولِ أمورنا شـرارنا. اللهم ادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم إنك أنت الأعز الأكـرم. اللهم أصلح نفوسـنا، وأصلح قلوبنا، وأصلح عقولنا، وأطلق أرواحنا، وزدنا من نورك، ووفقنا لما تحبه وترضاه، وأقمنا فيما تحبه وترضاه. واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقائك، وحقق لنا فينا عاجل لقاء لك بوحدانيتك مع من اصطفيت لنا من عباد رحمتك وبيوت رشـادك.

أضواء على الطريق

(إن المعرفة والخدمة أعظم من الأشـخاص، وما حصلنا عليه من نشـرهما في عالمكم حتى الآن قليل بالنسـبة لما يمكن الحصول عليه. لا يصح ولا يمكن أن تفرض حدودا للروح الأعظم اللانهائي أو للحكمة أو للإلـهام الذي يصدر عنه أو للحق الذي يمكنه أن يرسـله لينشـر شـأن رحمته فوق عالمكم. وإنه لا يوجد قيود للقدرة الروحية الجبارة التي تنتظر لتملأ عالمكم، إذا ما أمدتنا أجهزتكم بالممرات الصحيحة كي نسـتخدمها لتحقيق هذه الغاية التي سـتتحقق حتما وفي الوقت المناسـب).

(سـلفربرش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. إشارة إلى مقولة من خطبة للإمام عليّ ـ كرم الله وجهه ـ:“…اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطناً على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث ظاهره خبث باطنه…”. بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎