(٥)

محمد الله وآدم الله
للناس قدوة وأسوة
وللعالمين حياة ورحمة

حديث الجمعة

٧ ربيع الأول ١٣٨١ هـ - ١٨ أغسطس ١٩٦١ م

إلى محمد الله، إلى من أخرجه الله قدوة وأسـوة، إلى من بعث بربه رسـول رحمة، إلى عين رحمة الله، إلى رسـول أنفسـنا من الله، إلى عقولنا مكلفة، ونفوسـنا مزكاة، إلى روح أرواحنا منطلقة ومعفاة، إلى مفتاح الحياة وباب الحياة ووسـيلة الحيـاة، إلى سـفينة النجـاة، إلى طريق الاسـتقامة والموالاة، إلى باب الله ووجـه الله، إلى يد الله وذكر الله، إلى عبد الله وابن عبد الله وأبي عبد الله، إلى آدم الله وإنسـان الله، إلى من اسـتخلفه الله وأحياه ونفخ فيه من روحه فأبقاه، وبعثه رحمة فأرضاه، وأضافه إلى نفسـه فأسـعده وتولاه، إلى رسول الله لرسل الله، إلى رسـول الله لعبـاد الله، إلى رسـول الله لخلق الله، إلى رسـول الله لعـوالم الله، إلى رسـول الحيـاة إلى الحيــاة .

إليه… باسـم الله، وبروح الله، وبنور الله، نتوجه بالإيمان والموالاة طلبـا للعبـودية لمن عبـده وولاه، وكان لنا به عين معنـاه فآمنـاه، وصدقنـاه، وأسـلمنا أنفسـنا وأرواحنا له ولمعنـاه.

في مثل هذه الأيام من كل عام يحتفل فريق من الناس من أهل هذه الأرض، بمن عرفوه اسـما وذكـرا محمد ابن عبد (الله) ابن آمنة (الله) بنت وهب (الله)… يحتفلون به على الصورة التي ترضيهم، وبالمعنى الذي يرتضيهم، يذكرون ما أسـموه مزاياه وسـجاياه، يذكرون له صفات وأوصاف ارتضوها، ويتحدثون عن أقوال وأفعال تلقوها أو شـهدوها، وعنه عن آبائهم نقلوها…

على أن هذا هو كل ما يليق به عندهم، وكل ما يصح أن يعرِّفوه به بينهم…

وكل ما جعلوه له أو نعتوه به إنما هو ما شـاركوه بقائمهم فيـه، أو كانوا محـلا لمـعانيه، وقد جهلوا أنفسـهم منـه من الله كـما جهلوه منهم من الله، فلم يصفوه إلا بما عـرفوا عن أنفسـهم، وما عرفوا عن أنفسـهم إلا أنها بعيدة عن الله وعن عبد الله وعن عبـاد الله، ولو أنهم عـرفوا أنفسـهم قريبة من الله لوصفوه بغيـر ما وصفوه، ولنعتـوه بغيـر ما نعتـوه، ولعـرَّفوه بغيـر ما عـرفوه.

إن ما نعتـوه به وما وصفوه به وما ذكـروه متصفا به أو مالـكا له، ما كان إلا بعض ما وصفته به الجـاهلية. فقد عرفته أمته في جاهليتها صـادقا أمينـا وما زال هـؤلاء الذين يقولون أنهم آمنـوا به وأسـلموا له وتابعوه على دينـه يصفونه بما وصفه به من جهلوه ومن أنكروه ومن خاصموه على أنه أهم مزاياه، فيقولون إنه الصـادق الأمين مثـلا، وما كان هذا الوصف يشـاركه فيـه الجـاهليون بكثير منهم ليكفي لحملهم على الإيمـان به أو الإسـلام له، فلم يغـنِ وصفه بالصـادق الأمين من عرفه صـادقا أمينـا ليؤمن به وليسـلم له، وليتـابعه على ما جاء به، وقد نعت عنده من قبل الرسالة بالصـادق الأمين، فما عرفه قومه في الجاهلية إلا صـادقا ما كذبـوه، وإلا أمينا ما اسـتخانوه. ولكن وصفه هذا عنـدهم لم يكفِ لهم فيـه أن يؤامنوه وعلى دينهم يأمنوه وعلى أنفسـهم يأتمنوه فيتبِّعـوه فيتْبعـوه.

إنا ما زلنا نقول الصادق الأمين، على أن هذا ما يشـرف به وخير أوصافه. إن الواجب في الإنسـان أن يكون صادقا أمينا، فإذا اتصف محمد بالواجب الذي يقع على كل إنسـان وما يحققه لنفسـه أي عاقل، فما وجـه تميزه في ذلـك؟ وهل هذا كل ما أبرزه الله فيه وبعثه بيننا به؟ نعم هو الصـادق الأمين وهذا من يسر قدوته، ولكن أين هو الفضل العظيم له من ربـه؟ ما هو الخلق العظيم يصفه بـه ربه؟ كيف هو أول العابـدين؟ وما هو الفتح المبين؟ وأين ومتى هو رحمته للعالمين؟

إن الله أبرز محمدا عبده، وذكره، وحقه، ووجهه، ويده، وقدمه، وإنسـانه، وروحـه، ليكون للناس فيه أسـوة ما تأسـوه، في ذكر سـمعوه، أو خبر رددوه أو أسـمعوه، أو فعل رأوه أو نقلـوه، أو إليهم انتقل ممن أدركوه، فعرفـوا ما كان منه، ورشـدوا بما كان من حكمة ربه به فتأسـوه واقتدوه.

إن محمد الله، أسـوة بأثـره وخبره، بحياته ومماته، وتاريـخ حركاته، باسـمه وذاته وذكـرياته. إنه عبد الله الذي إذا ذكر ذكر الله. إن لفظ الله امتزج مع لفظ عبد فيه، فنسـب العبد إلى الله حقه وخالقه وباريـه، فذكر الله عند ذكر عبد الله، فكان حلقة وسـطى وعروة وثقى بين النـاس ورب النـاس في الله. كان بذاته آدم رسـالته من مرسـله، وآدم إرسـاله من كتـابه، وآدم اسـتجابته من ربه، وآدم بشـريته من أمته، وآدم ذاته من حقه. أرسـله آدم ومرافقه من الأعلى آدم، فكان آدم نفسـه، وآدم أهله، وآدم بيته، وآدم متابعيه، وآدم المسلمين له، وآدم المؤمنين به، وآدم النـاس من آدم رب الناس أرسـل إلى النـاس، يتواجـدون به أوادم الله، بمتابعة آدمه متجددا بينهم كلمـات لله.

كان آدم إرسـاله، آدم ربه، هذا الذي فرض عليه القرآن، وفرض عليه مع فرضه له الارتداد به إلى قومه، بمزيد وعيه بما وهبه من سـر الكوثر، فما أدت ذاته منه وظيفتها إلا تجددت له ذات بعين وظيفتها، بما أعطاه من سـر التكاثر بنوعه ومعناه، فكلما فارق بذات تبدأ بمرتقاها عاملة بعملها ذات، تغزو النفوس وتحـررها عن معناها إلى معنـاه، تصلها به لربـه، وتنحرها عنها إليه من ربـه، فتصبح به عبـادا لربه، بعينه لعين ربه، كان ميتـا فأحيـاه وأنزل عليه نـوره فأبقـاه يقوم ويتقلب في السـاجدين. بالنـور الذي أنـزل معه، والنـور الذي جعل له بالروح الذي بعث به من أمره… يسـمع به ويبصر، يسـمع به من يسـمع في الحكمة والطبيعة كـلام الله، ويبصر به من يبصر في النـاس والآفاق وجـه الله، ويقرئ به من يقرأ في الوجود كتاب الله، ويقَوِّم به من يقوم في الناس منه سـراج الله.

ولكن تمر القرون وتمر الليالي والأيام، والناس كلما مرت بهم الأزمان، وكلما بعث الله فيهم على رأس كل قرن في لمحات الزمان من يجدد لهم أمـور دينهم به، ازدادوا بالمخاصمة في غيهم، وأبقوا على جاهليتهم من صلاتهم وصلواتهم للظـلام، فأظلمت الدنيا من حولهم، وأظلمت بظلام فعلهم قلوبهم بين جوانحهم في مشـكاة صدورهم… لا تشـرح لهم صـدور، ولا تشـرق بروح الله فيهم قلوب، فلم تنـر بذكر الله كلمات أنفسـهم، ولم تتطور باسـم الله عوالم ذواتهم كعالم صغير لله نواة لعالم كبير في الله، {لخلق السـماوات والأرض أكبر من خلق النـاس}[١]. فما خلق السماوات والأرض إلا تطـور النـاس إلى معاني الكبـر فيهم بمعناهم من ذواتهم… والله أكبر. فما خلقت السـموات والأرض من إنسـان نشـأتها إلا لإنسـان وجودها وطلعتها، يشـهدون أن لا إلـه إلا الله بكشـف الغطاء عن غلاف نفوسـهم من نار قدسـه، مشرقة بنوره من نور هديه، متسعة بكرمه وجوده من عطاء رحمته، باقيـة بالحياة من قيوم حياته. خلق السـموات بأيدٍ من الإنسـان من النـاس، وأنه في خلقه بأيدٍ له لموسـع، ما اتخذ المضلين عضدا، وما أشـهد المضلين خلق أنفسـهم ولا خلق السـموات والأرض، ولكنه أشـهد العابدين له، العارفين به، القائمين بأمـره، الذين ظهرهم فأظهروه، وقامهم فأقاموه، وشـهدهم فأشـهدوه، وعلمهم فعرَّفـوه، أشـهدهم خلق أنفسـهم وأشـهدهم خلق السـموات والأرض، ولم يجعلهم أنفسـهم ولكن جعل من أنفسـهم لهم به عبيدا هم لهم في معانيهم من معناه بهم، وهم في أنانيتهم من أنـاه، وهم في أوانيهم لمعانيهم بيته ومبناه في موجوده من وجوده.

هذا جاء به محمد الله وعبد الله ورسـول الله وأسـوة الناس وقدوة الأجنـاس، فهل تذاكـروه قومَه؟ وهل تعارفه أهله؟ وهل تواجد به بينهم بيته للناس؟ والنـاس جميعا في بيت فطرته، والناس في أزمانهم هو لهم قدوة، والنـاس في عصورهم كان هو لكافتهم أسـوة… رحمة للعالمين وربا رحيما بالعالمين، وعبدا لله، عبدا لله على ما عرف الله، وعلى ما عرَّف الله، بما عرف للملأ الأعلى، وتعـارف عليه كما عرفه رسـول الله فيه، يُشـهد فيه الله وجها لوجوه، ويتقلب في السـاجدين بأمر الله وبسـر الله وبنـور الله وبقدرة الله. يعرفه النـاس يوم يعرفون معنى الله، ويذكـره الناس يوم يذكرون اسـم الله، يد الله تظل الناس، ويد الله تقل الناس، ويد الله تقود الناس، ويد الله تهدي الناس، ويد الله تجتث الأشـجار الخبيثة من بين الناس، يد الله القادرة، ويد الله الراحمة، ويد الله الهادية، ويد الله الباقية، ويد الله المتجددة الأبدية، ويد الله القديمة الأزلية.

بماذا تحدث الناس عن رسـول الله قبل محمد الله؟ وبماذا تحدث الناس عن رسـول الله بعد محمد الله؟ ما كان قبل محمد الله إلا محمد الله آدما للنـاس. وما كان بعد محمد الله إلا محمد الله آدما للأجناس. وما كان محمد الله بين النـاس إلا آدم الله للناس. وصفوه خليل الرحمن ووصفوه حبيب الرحمن، وما عرفـوه من الله، وما عرفوا من خالل، وما عرفوا من معه تحاب من قبل ظهوره ومن بعد ظهوره.

يقولون خليل الرحمن بألسـنتهم وبأفواههم، لم يسـكن في قلوبهم لخلة الرحمن معنى، ولا تُعرف خلة الرحمن إلا في قيام خلته مع من كان له خليل، ولا تعـرف محبة الرحمن إلا في محبته مع من كان له حبيب… إن كنت خليلا لرسـول الله عرفت كيف خالل رسـول الله الرحـمن وكيف خـالل الرحمن رسـول الله. إن كنت لرسـول الله حبيب عرفت كيف أحب الرحمن رسـول الله، وكيف أحب رسـول الله الرحمن، كيف أحب رسـول الرحمـة ربه الرحيم، مظهرا لحب الله بعبده الكريم.

إن شـهادة أن لا إلـه إلا الله تقتضي أن يشـهد المشـاهد لها، القـائم بها بما عـرف منها من قاموها وشـهدوها، فقال قائلهم (ما في الجبـة إلا الله)[٢] وقال قائمها (سـبحاني ما أعظم شـأني)[٣]. ولو أن هذا الداخل في حصـن لا إلـه إلا الله شـهد محمدا رسـول الله، لشـهد أن الله أكبر، على ما شـهد أسـوته وقدوته عبد الله ورسـول الله، أن الله أكبر، ولقامت فيه العبودية للأكبر اسـما وذكـرا لله الذي هو منه أكبر، والذي هو به يظهر، وجها له وعبدا له.

إن الإسـلام بني على شـهادة في شـهادتين وعلى أمر في أمرين… شـهادة أن لا إلـه إلا الله، يشـهدها المؤمن بالله مع رسـول الله فيشـهد أن ما في الجلدة إلا الله عنده وعند رسـول الله. فإذا قام رسـول الله وكان رسـول الله، وعلم ما علم رسـول الله مما أعلم رسول الله، ومما اختار رسـول الله لأهله، ومما احتفظ رسـول الله به لنفسـه، لشـهد الله أكبـر. ولو شـهد أن الله أكبر لعلم أيضا أن رسـول الله منه أكبر. ولو شهد أن الله أكبـر وعلم أن رسـول الله أكبر، لكان لهما في الأرض مظهر. فكان كلمة لله وعبدا لله وابنا لرسـول الله، وثالث ثلاثة حقائق يجمعها الله، وتظهرها كل حقيقة منها بالله بيتا له ووحدة لأهله.

هذا كله جاء به محمد الله، وجاء به كتابه من الله كتابا له وبلاغا إلى الناس… كتابا له وإعلاما له عن غيب نفسـه، وبلاغا إلى النـاس وإعلاما لهم عنهم، وإعلاما لهم عن بشـراهم من الله لمآل غيب أنفسـهم.

تنـزه بمحمد الله ربه ورب الناس عن مفردات الناس في مقامه وفي إعلامه وفي قيـامه، كما تنزه به ربه ورب النـاس عن الجهل به، أقـرب إلى النـاس من حبل الوريـد، ومن ورائهم محيط، وعلى كل نفس قائم ومعهم أينما كانوا معروفا لا مجهولا. يعرفونهم في معرفتهم أنفسـهم، وفي معرفتهم أنفسـهم يشـهدونه واحـدا أحـدا آمنـوه. ويجهلونهم في جهلهم عن أنفسـهم وأمرهم من أمـره بهم هو لهم ميسـر، فيجهلونه أو يجحدونه.

إن النـاس بقائم دينهم ما لبـوه، ما أحبـوه، ما آمنـوه، ما وحدوه، وهو الذي جـاءهم ببـلاغ الله {وإذا سـألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعـوة الداع إذا دعان فليسـتجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشـدون}[٤]. لقد جعل الله رشـادهم في اسـتجابتهم وإيمانهم، وجعل إجابتهم وتلبيتهم في طلـبهم وسـؤالهم لنبيهم. وأمـر نبيه وعبده أن يُعَلِّم الناس كيف يطلبونه كلما سـألوه، ووعده بإجابتهم على ما أجابه وكما أجـاب من قبله، وأمـره بأن لا يحول دونهم مفتونين به بما حبـاه من وسـيلة دائمة لهم… فإنه مجيب كل من طلبه عن طريق رسـوله، هادي السـبيل إلى الرسـول لكل من جاهد فيه. فلِمَن يكون بعد ذلك الأنبيـاء وقد فتح الله بمحمد في دوام رسـالته بجديد ذاته الباب لكافة النفوس بتحقيق الأمل لكل آمل وتحقيق الرجاء لكل راجي معرفته؟

فمن طلب أن يكون نبيا يحمل نبـأ الله للنـاس، ونبـأ ربه للنـاس، ونبأ رسـوله للنـاس، ونبـأ نفسـه وتجاربها لنفوس الناس، فليطرق باب الله في مجتمعه لن يغيب أبدا - هو {الرحمن فاسـأل به خبيرا}[٥] - وليسـلك طريق الله مسـتقيمة أزلا، وليتابع رسـول الله أو من تابـع رسـول الله على بصيرة، لا يغيب أبدا طريقا للرسـول البصير في القانون القائم في {قل هذه سـبيلي أدعـو إلى الله على بصيـرة أنا ومن اتبعني}[٦] طريقا لا تنقطع أبدا. أهلها يدعون إلى من يدعو إليه الرسـول على بصيرة، وهو فيهم دائما ببصيرته، يقومهم ويتقلب بالسـجود لربه فيهم.

هذا هو محمد الله على ما أبرزه ربه، رب النـاس رسـولا من أنفسـهم، الله من ورائه وورائهم محيط، رسولا إليهم منهم، يقول لهم ما قال له رسـول ربه له أنا منكم وإليكم. أيها الناس: الحق لكم منكم وإليكم. أيها الناس: إنما هي أعمالكم ترد إليكم. أيها النـاس: الهدى منكم وإليكم. أيها الناس: نصيبكم من الله منكم وإليكم.

أيها الناس: حقكم من الإنسـان منكم وإليكم. أيها الناس: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير يأمـرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله. أيها الناس: لقد جعلكم الله برسـول الله أمة وسطا لتكونوا شـهداء على الناس ويكون الرسـول عليكم شـهيدا، أيها الناس: لقد جعلكم الله برسـول الله خير أمة أخرجت للنـاس… ألسـتم به متابعي خير عبد أخرج للناس لخير أمة لله بين الناس؟ ألسـتم به في دين الله في دين محمد الله عبد الله ورسول الله، وأقرب الخلق إلى الله، وأعرف الخلق بالله، وأقوم الخلق للخلق في طريق الله! كيف لا تكونوا به خير أمة أخرجت للنـاس، وأنتم على دين القيمة الشـهداء المصطفين، رسـول الله عليهم شـهيد؟!

هذا هو محمد الله على ما يليق أن نذكره أو أن نتواصاه، فنعرفه من قبل أن يتواجد معروفا لنا بمبناه، رسـولا قديما في رسـل الله، وبعد أن غاب عنا بأولية جديده لقديمه من حقي معناه ومبناه آدمان في آدم الله، نعرفه متكاثرا في أوادمنا بأوادمه، متكاثـرا بوجوهه وجها لله ينظر إلينـا متكاثرا بخلته، ومتكاثرا بمحبته، ومتكاثرا ببيته ومدينته، ومتكاثرا بأهله وأُمته، ومتكاثرا بعترة كتبه ومصابيح طلعته، ومتكاثرا بعبوديته عبادا لله لا انقطاع لهم بالحق يقومون وله يشـهدون.

فهل عرفنا محمدا محمدا لله، فعرفنا في معرفته الله، وطلبنا في طلبه الله، وقمنا في القيام به قياما لله، وجاهدنا في طلبه والبحث عنه بين جوانحنا وبين عوالمنا وبين أهل بيئتنا، وفي علمنا وفي كل ما نعلم عن الله، نرى فيه فيض الله وهدي الله؟

هذا ما يليق بنا أن نذكر به عبد الله ورسـول الله، من كان لنا قدوة وجعل الله فيه لنا أسـوة. نشـهد أن لا إلـه إلا الله ونشـهد أن محمدا رسـول الله وعبد الله وحق الله ووجه الله ودوام ظهور الله ودوام غيب الله.

اللهم حمدنا بمحمدك. وعبدنا بعبدك. وأنرنا قلوبا بمصباح علمك. وأوصلنا بطـريق وصلتك. وخذ بنواصينا إلى الخيـر به يدا لك، ورحمة منـك. اللهم ألحقنا به مغفورين، وألحقنا به محمديين محمدين، وألحقنا به لك حامدين. اللهم عـرفنا إياه معرفة نشـهد بها مُحياه، وأقمنا بك محياه حتى نشـهدك عين معناه. اللهم أَدخلنـا به حصن لا إلـه إلا الله، وأقمنا به بلا إلـه إلا الله، وأكملنـا به وكبـرنا فيه حتى نشـهد أن محمدا رسـول الله، وحتى نشـهد أن الله أكبر. اللهم كن لنا في الصغير والكبير من شـأننا، وفي كل أمر به فتولَنا، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخيـر أيامنا يوم لقائه ولقـائك. اللهم أصلـح أمرنا حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، مجتهدين ومتابعين، يقظين وغافلين، وكن لنا رحمة يا رب العالمين، وعافنا من إقامة عدلك وعاملنا بجودك وعفوك.

أضواء على الطريق

  • {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسـوله يؤتكم كفلين من رحمته}[٧]- هل الأمر بالإيمان بالرسول موقوت بفترة ظهوره بذات التبليغ؟ وهل نفاذ أمر الله موقوت بحيـاة الرسـول بذات البلاغ؟ - أم هل يطلب الله من الناس الإيمان بالرسـول كذات من ذوات التاريخ كنابليون وهولاكو مثلا؟ أم هل المطلوب منهم في معنى الإيمان به أن يلوكوا بألسـنتهم اسـمه ونعتـه وليس له موضـع من قلوبهم وليس لـه واقع في مجتمعهم؟ فليتأمل الناس أمرهم وأمر ربهم.

  • {قل هذه سـبيلي أدعـو إلى الله على بصيـرة أنا ومن اتبعني}[٨] فهل انقطع الـداعي من بعده؟ وهل الداعي المتابع على بصيرة يخرج نفسـه للنـاس بإرادته والكتاب يقول {الله أعلـم حيث يجعل رسـالته}[٩] كما يقول {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}[١٠]؟ والرسـول إذ يظهر بينهم الروح جبريل، يقول لقومه هذا أخي جبريل جاء يعلمكم دينكم… أيصبح مسـتحيلا بعد ذلك الاتصال بالروح والعلم عنه، وإخراجه للدعاة؟ هل الداعي المتابع على بصيرة يأخذ هذا الوصف من البصيرة وهو بعيد عما تحقق به الرسـول من الصلة اليقينية بربه والاتصال الدائم به، والرسول يقول علماء أمتي كأنبياء بني إسـرائيل، والقوم يقولون الشـيخ جبـريل المريـد، والرسـول يقول من كنت مولاه فعلي مولاه؟

  • هو {الرحمن فاسأل به خبيرا}[١١] هل أَمر الله الناس بالالتجاء إلى خبيـر لا وجـود له في طبيعة حياتهم، أم يعني أقوال منقولة عن خبيـر عـرفه أهل عصره بهذا الوصف ضالين أو مهتدين؟ ومن يكون الخبيـر بالرحمن غير عباده يمشـون على الأرض هونـا، يعرفهم ويعرفونه، ويصلهم ويصلونه على بصيرة، لا ينقطع لهم وجـود برحمة، ولا تواجد بمجاهدة، يخرج قديمهم جديدهم، ويعـرف عنه عند عارفيه في تتابع ودوام؟

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة غافر - ٥٧ ↩︎

  2. مقولة للحلاج. ↩︎

  3. مقولة لأبي يزيد البسطامي: (سبحاني سبحاني ما أعظم شأني). ↩︎

  4. سورة البقرة - ١٨٦ ↩︎

  5. سورة الفرقان - ٥٩ ↩︎

  6. سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎

  7. سورة الحديد - ٢٨ ↩︎

  8. سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎

  9. سورة الأنعام - ١٢٤ ↩︎

  10. سورة يوسف - ٨٧ ↩︎

  11. سورة الفرقان - ٥٩ ↩︎