(٢)

الإنسان
عالم لعبد ورب

حديث الجمعة

٧ شوال ١٣٨٠ هـ - ٢٤ مارس ١٩٦١ م

آمنت بالله وجودا لا شـريك له. وآمنت برسـول الله إنسـانا لا انقطاع له. وآمنت بعبـاد الله حقا ووجوها له. وآمنت بخلق الله عوالم قيام عبوديته في قيام له. تنزه ربي عن الغيبة وعن الاتصاف. وتنزه إلهي عن التعدد والوصف.

إذا لم يقم الدين على معرفة النفس وربها بالإنسـان غريزة وعقلا، وإدراك فعله وفعلها، وقيـام وصفه على وصفها، وتخليها عن وصفها إلى وصفه، والتمييز بين فعلها وفعله، وتعطيل فعلها إلى قيام فعله، بتعطيل وصفها إلى قيام وصفه، ومقت فعلها وارتضاء فعله، ومقاومة فعلها والتمهيد لقيـام فعله… إذا لم يكن هذا حاضرا من أمرها لحاضر من أمره، وحاضرا لقيامها لحاضر من قيامه، فلا دين ولا أساس لدين.

تأملوا هدي الرسـول وهـو يقول (إنما هي أعمالكم ترد إليكم)[١]، وتأملوا قول ربه على لسـانه في كتابه… وحسـابه… وبعثه… وهو يذَكِّر بقرآنه {فمَن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومَن يعمل مثقال ذرة شـرا يره}[٢]، تأملوه وهو يقول {أحاطت بهم خطيئاتهم}[٣]، وتأملوه وهو يقول {ووجدوا ما عملوا حاضرا}[٤] فهل أحاط العمل بصاحبه أم أحاط العامل بعمله؟

إن الله لفظا وكلمة، وكلاما وعقيدة، وقياما ومعنى، وعلما ووعيا وفهما، ومعرفة وجهلا، موحَدا في ذاته وروحـه، ومعددا في صفاته وتجلياته، مباعدا أو بعيدا، مقاربا أو قريبا، بأي قسـط من ذلك عنه من إنسـانه للإنسـان يكفيه. وأي لون به فيه يرضيه. فلا محل للجدل فيه ولا للشـرك به، إذ لا محل للإحاطة به أو الاسـتئثار بأمره. فهو من ورائهم محيط بوحدانيته، ومن وراء الكل محيط بحكمته، وعلى الكل قائم. وعلى الفرد قائم.

صفته الهدي، وصفته الخلق، وصفته الفعل، وصفته القرب، وصفته التعالي. خلَّق الناس بخلقه خلفاء له على أرض ذواتهم. وجمعهم فيه خليفة عنهم على أرض قيامهم. وأبرز منهم حصيلة أنفسـهم رسـولا منهم برد أعمالهم إليهم في افتقارهم إليه رحمة بهم منهم، هي رحمته في دوام أمـر وفي دوام فعل على صورة من دوام فعله، ودوام صفاته، ودوام أمره بقائم ذاته وقيوم روحه بدوام تجليه، بوجوه ذاته في دوام قربه بلطيف روحه.

فإذا قال رسـول الله (إنما هي أعمالكم ترد إليكم)[٥]، وإذا قال الكتاب {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شـرا يـره}[٦]، وإذا أشـار إلى ما يحيط بالمرء من سـوء عمله، وإلى ما بإحاطة المـرء بعمله فقال {ووجدوا ما عملوا حاضرا}[٧] كان الفهم في الدين هو الفهم في النفس من حيث أمرها من أمر الله، ومن حيث بعثها في أمر الله، ومن حيث قيامها بأمـر الله، ومن حيث فعلها صادرا عنها بنفسـها أو بنفسـه، ومن حيث فعله صـادرا عنها برحمتـه أو بحكمته بفعل صادر منه - وإن صـدر منها - وصادرا عنه - وإن صدر عنها - سـواء اتصف الفعل بخير أو بشـر-، فإذا نُسـبت الأفعال إلى الله فلا شـر فيها ولكنها توصف أنها له بعطاء أو بجـزاء، توصف له برضـوان أو بحكمة، توصف بصالح أو طالـح. أما إذا نسـبت الأفعال إلى العبد فإنها عن علم أو عن غفلة توصف بمعلوم مرضي أو بمجهول غير مرضي، توصف مضافـة إلى الله في إيمـان به أو توصف مضافة إلى النفس في مخاصمة له، كما قد توصف في وهم المخاصمة له أو في مظهر الطاعة له من حكمته. وفي إضـافة الأفعال إلى النفس مع جهل بارئها وصف الشـرك وإن صلح العمل.

فإذا ما تجمع الناس متواصين بالحق، متواصين بالصبر على مثال من ظاهر ما تفعلون اليوم في هذه الدار… ترجون وجـه الله، وتسـألون رحمة الله، وتقومون بوحدانية الله، وتتذاكرون بقدرة الله، وتتخلون عما في أنفسـكم من أوصاف القطيعة والجهل، وتتحلون منه برحمته ومن فضله بصفات الكرامة والرحمة والقرب والوصل… إن هذا الذي تقومون فيه منتج لآثاره بقيام وحدة منكم وحصيلة لوصلتكم، ترتد إليكم فيظهر لكم خروجكم من قطيعتكم، وقيامكم في اتحادكم، بوحدتكم في وصلتكم.

يظهر الله لكم فيكم برسـول من أنفسـكم فردا هو جماعكم، ويهيئ لكم من أمركم رشـدا في اجتماعكم، منكم جماعتكم فردا يجمعكم… قلوبا متجمعة على قلب تحييه ويحييها، قلبـا يرتد به إلى القلوب عملها، ويتم لها بقلبه بيت طواف، وقبلة حب، وصلة وصلاة باجتماع إنسـان هي فيه لها مرآة مفرداتها روحا لله، وهي له مرآة فردها به عبد الله يرى الله في صفاته في رؤيته لحقي وجوهها وجها لربه ووجها له، ويرون على مرآة صفاته معانيهم من وحدتهم في أحدهم من الله مرآة لما في قلوبهم… مرآة لهم على وجهه بمرايا له، فيتنافرون مع أنفسـهم في التنافر معه، ويتواددون مع أنفسـهم في التواد إليه، ويتخلفون عن سـداد خطاهم في مسـتقيم طريقهم في التخلف عنهم بالتخلف عنـه، ويواصلون طريقهم طريق الله مسـتقيما في متابعتهم لهم في متابعته.

الموحد من توحد معه. والصدِّيق من صدَّقه. والصادق من صَدَقَه. والفارق في الأمر هو الفاروق في وصفه من فَرْق البحـر معه ليتابعه ومعه في الحق يجمعه. في خلاص من اتصفت نفسـه بالطمأنينة فدخله فتخلَّص، ومن أوزار نفسـه خَلُص. والناجي من ركب سـفينته. والعارف من دخل مدينته. والمشـرق من بنوره نار قلبه بامتداده إليه وبقائه معه من نور الله بحضرته.

قامت قيامة من اجتمع عليه فعرفه. واجتاز سـاعته من أحبه فَشـرُفَه.

إنه طالب لمن طلبه، غير مجاف لمن قلاه وفقده. تأملوا هـدي الرسـول وهو يقول (إن الله يبحث عن عبده كما يبحث العبد عن ربـه)[٨]، وما الله الباحـث عن عبـده إلا رسـول الله الباحث عمن يصدقـه، وعمن يوحـده، وعمن يقبله حقا من الله مرسـلا. والعبد البـاحث عن الله ليس إلا رسـول الله في كريم عبوديته لربه… بحث عن الله فوجـده، وأدرك جهله عن معية الله فعلمه، فعلمه النـاس وجـوها له، وعرفه الناس قربا منه، وعرفه نفسـه عبدا له، فحسـنت خُلقه، وكمل خَلْقه، واسـتقام تخلقه، وقام عليه ربه وحقه فقامه رسـولا وعبدا موصولا، فكان بذلك أسوة للناس، وكانت رسـالته للناس وجوده، وشـفاعته للناس اقتداؤه، ورحمته إلى النـاس تجدده، ومعرفته عند الناس بعثه فيهم وتواجده، وجماله عند الناس قربه وتوادده.

عبد الله… ووجه الله… ويد الله… وقدم الله… وطريق الله… وحضرة الله… وجنة الله… ونار الحياة من الله… ودنيا النعيم من الله… وأخرى لقاء الله… وغيب حضرة الله… والرفيق الأعلى من الله.

هل شـهدنا رسـول الله؟ هل شـهدنا لرسـول الله؟ هل شـاهدنا فيه وجه الله؟ هل عَلمْنا به عظمة الله في عظمة عبد الله؟ هل أحسـنا عملنا في اقتدائه وعقائدنا في اقتفائه؟ هل انتظرنا ارتداد عملنا إلينا ببحثنا عن حجاب ارتداده، تتأبن فيه أعمالنا فترد إلينا من قبلة صلاتنا إلينا في بيت لوجـوده منا من بيوت تدانيه إلينا؟ هل قامت فينا أعمالنا مرتدة من حجـابه وجها له منا تحجـب به عنا وجها لله لنا، إلى حجابنا من ذواتنا تحول بين ما ورائنا من الحق، وبين ما بين أيدينـا من حقي أنفسـنا؟ هل عرفنا أن السـاعة قائمة يكاد يخفيها لتجزى كل نفس بما تسـعى… وأن السـاعة نحن مقيموها يوم نكون من مدركيها ويوم نكون من المؤمنين بها، فنحاسـب أنفسـنا فترتد إلينا أعمالنا فنقـومها ظالمين لأنفسـنا أو منصفين لها حتـى نواصل الحيـاة على بصيرة - وقد كشـف عنا غطاؤنا وقد تعرضنا لنفحات الله في أيام دهرنا على ما هدينا-؟ إذا لم يقم على هذا الدين، فلا دين لنا، ولا قيام له فينا.

ها أنتم قد صادفتكم عناية الله، بقدر منه، على مجهول طلب منكم إليه، أُجبتم إليه بتجمعكم هذا - وها هو صالح عملكم من قديم في آبائكم يرتد إليكم في يومكم، برسـول من أنفسـكم، حصيلة وجودكم على سـنن مما قام يوما في دورة الزمان بأديم بمحمد، إنسـان الله من عبـاد لله أسماءً له ووجوها لجلاله، بهم أحواض ربه وبحار مياه الحيـاة تتدفق من ميازيب سـمائه على موات أرضه، قطرات حياة من لانهائي وُجوده وجُودِه.

ها هي السـماء تلبيكم في جمعكم، وتناديكم في إنسـانيتكم وتقاربكم مجيبة، وتنتشـر في النـاس بكم مسـتجيبة - ها هي السـماء بنورها ومائها بخيرها وملائكتها، بجنودها وروحها، بريحها وطيبها، بأقداسـها وقُدُسـها، بظلل الغمام من رحمتها، بقيومها بقيامها، بأربابها بعبادها، بوحدانيتها بصفاتها، بكرمها وجودها، بدانيها بغيبها، تدانيكم في وحدتكم، وتنتشـر منكم بوجوهها تطلب بكم الناس لأحـواض رحمتها، وتناديكم لحضرة ربهم في ربوبيتها روحـا قريبا مدانيا لا ييأس منه طالب أو مسـتجيب، كبيرا متعاليا يُرجى ويُسـأل ويُطلب ويُسـعى إليه، مع وسـطائه ورسـله، لا تدرك نهايته فلا انتهاء له، ولا يحاط به فهو المحيط بعباد إحاطته، لا ينتهي لـه طلب، ولا يتوقف أو ينقطع منه رغب، يطلب فيمن توفى من عبـاده بمن صلح من عباد لهم عبادا له. فهو المحيط بعباده محيطين بعباده أو بخلقه… وما الحياة الدنيا من الناس في الآخرة منهم إلا متاع أهل الآخرة منهم، فما الحياة الدنيا من أهل الأرض إلا متاع أهل الآخرة من عوالم الروح. وما الحياة الدنيا والآخرة بما فيهما إلا في ملكية أهل وده من عبـاده من أهل رشـاده، وأوادم وجوده، وآحاد معناه، وبدايات قدسـه في لانهائي وجوده المكاني أو الزماني أو المعنوي.

إن الوحدانية فيه لا تكون إلا معهم، بالتوحيد مع آحاد عباده من تمام بدايات خلقه. إن أول العابدين يتوحد معه آخر العابدين، وما آخر العابدين في أحديته إلا أول العابدين في وحدانية المعبود منه من الحـق الموجود في سـاحة الرحمة، المقصود في لانهائي الله.

إن محمدا كان أول عابدين وأولية عابدين ومثالا لأوليات العابدين. من قبل محمد ومن بعده مئات وآلاف وملايين الآلاف من محمديات ومحمدين في لانهائي الله، وفي أحدية وجود الله ظهرت وتظهر بعباده من آحاد خلقه. إن كل من في السـموات والأرض إلا آتيه عبدا، إذ ما عرف أهل السـموات والأرض في الحقيقة إلا عبد سـيادتها، استوى بوجه جلال ربه على عرش وجودها، واتسـع كرسـي سـلطانه لما فيها بسـمواتها وأراضيها. تعالى أحد الوجود عن الاتصاف بمفرداته، وتعالى المحيط بالوجود عن قيام إحاطته بما تواجد فيه به من خلق. تعالى الغيب عن الشـهود، وتعالى الموجود عن التواجد، وتعالى الكل عن الجزء. تعالى الله عن الوصف والاتصاف.

كل هذا جاءنا به عبده، وعلَّمنا رسـوله. فما علمه إلا ذو حظ عظيم، وما تلقاها إلا الذين صبروا. عَلِم الرسـول الحكمة فعلَّمها فكان حكيما. وتعلَّم الناس منه الحكمة فكانوا حكماء، وكان لهم الحكمة، فعنـون من الحكيم إلى الحكمة، ومن الحكمة إلى المحكم، فكان أول حق، وأول وجه، وأول خلق، وأول كون، وأول وجود، وأول عبد عرفته بشـرية هذه الأرض. كان لنا لكل شـيئية في الله، ومن كان لشـيئية لحق فلا آخـرية له بعثا لأولية في شـيئية أو في الحق.

سـنعرف عن محمد - وقد عرفنا عن محمد - وسـوف نعرف عن محمد، وسـنبقى مع كل معرفة في جهل بمحمد. كلما عرفنا عن محمد عرفنا عن أنفسـنا فيه، وكلما عرفنا عن أنفسـنا فيه عرفنا عن نفسـه فينا. وكلما عرفنا عن نفسـه فينا عرفنا عن الله علينا. وكلما عرفنـا عن الله علينا عرفنا عن محمد بنا، وكلما عرفنا عن محمد بنا عرفنا عن محمد منا، وكلما عرفنا عن محمد منا عرفنا عن الحي القيوم بنا.

إذا قلنا لا إلـه إلا الله فيجب أن نقول معها أنه لا رسـول إلا الله أيضا، ويجب أن نقـول معها أنه لا عبد إلا الله كذلك، فإن لا إلـه إلا الله تشـمل ذلك كله. فإذا دخلناها وعرفناها عرفنا أن الله أكبر. وكلما عرفنا أن الله أكبر كلما دخلنا في لا إلـه إلا الله، وكلما عرفنا عن لا إلـه إلا الله.

ولذلك قامت رسـالة الفطرة وقامت رسـالة الإسـلام على عمدها الخمس في عمدها من آل بيت محمد الخمس… عمودا واحدا في لا إلـه إلا الله… في رب محمد قام به محمد وقام بمحمد في أهل بيت الله. وبأهل بيت محمد قامت أمة محمد، لا عـد لها ولا حصر لها ولا توقف لها ولا تعدد لها. إنما هي وجوه في وجه لله، بوجه محمد وجها لربه، وبوجه عَليّ وجها لربه، وبوجـه فاطمة وجها لكلمة الله وروح الله، وبوجه الحسـن والحسـين وجها لحضـرة من عَليّ والفاطمة، وبوجوه أبناء هي وجه لهم متعاقب، وبوجوه محبين وعترة هي وجوههم… وجوها لله. الله بمحمد من ورائها محيط… (سـلمان منا أهل البيت)[٩] ، (مثل أهل بيتي كسـفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك)[١٠]، (تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، ما إن تمسـكتم بهما لا تضلون أبدا، فإنهما لا يفترقان أبدا)[١١]، (الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة)[١٢]، أي يوم أقوم بينكم بالمقام المحمود من الله وجها له، ذكرا جديدا، سـوف تعرفونه لذكر قديم ما تجهل لكم ولكنكم تتجاهلونه… ذكر يحدث من ذكر حدث لذكر تقادم يقوم ثمرة عنهما لوصلة الحديث بالقـديم، في بيوت أذن الله أن توضع، من بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، برجال لا تلهيهم تجـارة ولا بيع عن قيام ربهم وعن ذكر الله، قريبا من أنفسـهم بعيدا عن إحاطتهم، محصلا ذكره بهم في حصيلتهم من قيامهم في دنياهم أو بمرجو قيامهم به في أخراهم.

هذا هو الدين في بسـاطة وعمق. من قامه مع من قامه فقد قامه. ومن لم يعرف من قامه فما عرفه. ومن لم يقمه مع من قامه فلم يدخله وما شَرُفه، (المـرء على دين خليله)[١٣]. فتعاليم الدين بينكم إنما هي في إرشـادكم لذلك وإلا فليسـت بتعاليم لدين. إن الدين عند من يعرف اليتيم وليسـت عند من يدع اليتيم، عند من يطلب مائـدة المسـكين وليس عند من لا يحض على طعام المسـكين. ولا يحض على طعام المسـكين إلا من يطعِم من موائد المسـاكين.

إن الدين في اجتماعكم على من هو الدين من بينكم (فلينظر أيكم من يخالل)[١٤]. وإن البعد عن الدين إنما هو في ابتعادكم عمن كان الدين في عصركم. {قل هذه سـبيلي أدعـو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[١٥]، {إنا أعطيناك الكوثر…}[١٦] {وما جعلنا لبشـر من قبلك الخلد}[١٧]. {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث}[١٨]، {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}[١٩]، {ما ننسـخ من آية أو ننسـها نات بخير منها أو مثلها}[٢٠]. هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في السـاجدين}[٢١]، {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على وهو الحق من ربهم كفـر عنهم سـيئاتهم وأصلح بالهم}[٢٢]… الذين قالوا سـمعنا لكل كتاب، وأطعنا لكل رسـول، وعـرفنا أن النقص من شـيمتنا، غفرانك ربنا ضع عنا أوزارنا وإليك المصير.

ما فرط الكتاب في التعريف عن الكتاب. وما فرط الكتاب في التعريف عن الله. وما فرط الكتـاب في التعريف عن الطريق إليه. وما فرط الكتاب في التعريف عن الألوهية للإله، وعن الألوهية للناس، وعن الربوبية لله، وعن الربوبية للناس، وعن الملك لله، وعن الملك للنـاس. ما فرط الكتـاب في التعريف عن أم الكتاب. ما فرط الكتاب في التعريف عن الكتاب يكتبه الناس يأخذونه بأيمانهم أو يأخذونه بشـمالهم. ما فـرط الكتاب في الإبانة عن الكتاب يقرأه كاتبه تعريفا عن معرفته عن نفسـه. ما فرط كتاب محمد في التعريف عن نفسـه كتابا لمحمد أخذه بيمينه، وقال للنـاس هاؤم اقرءوا كتابيه، فكان رسـول الله إلى النـاس، وكان عين كتابه للناس أناجيل نفسـه، وكان معناه هو الكتاب، وكان الكتاب إنما هو بيانه عن نفسـه عنوانا للنـاس وأسـوة لهم، فكان بذلك قدوة لكافة الناس ارتضاها الله لهم، وبقي أن يرتضيها الناس لأنفسـهم. ويوم يرتضيها الناس لأنفسـهم رضي الله عنهم. ويـوم يقوم رضوانهم عنه مع رضوانه عنهم يقوم رضوان من الله أكبر.

هذا هو الحق أسـأله لي ولكم متزايدا، وأسـأله لي ولكم متواجدا، وأسـأله لي ولكم في رحمة منه سـياجها عزة به، وأسـأله لي ولكم في عطاء منه بلا قنوط منا، ولا طغيان به على غيرنا. وأسـأله لي ولكم في دنيانا، كما أسـأله لي ولكم في أخـرانا، وأسـأله لي ولكم في بنائنا، كما أسـأله لي ولكم في أرواحنا، أسـأله لي ولكم في سـؤال له دائم لا ينقطع أبدا ما تواجدنا بوصف عبده، وما تواجد فينا بوصف الرب لنا في تواجده بوصفه لا شـريك له، إلى أن نلقاه في أنفسـنا، يوم يكشـف الغطـاء عن معناه في معانينا بمعيتنا، وعن معنانا في معيته عبادا ووجوها له. لا إلـه غيره ولا معبود سـواه.

أضواء على الطريق

من أقوال القوم: ـ

  • بيني وبينك أنيِّ تنازعني فارفع بفضلك أنيِّ من البين. (الحلاج)

  • رح يا أنا يا فاسـد التركيب يا حائلا بيني وبين حبيبي. (عبد الغني النابلسي)

من الأثـر:

  • لا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتـى أحبـه فإذا أحببتـه كنته ولا فرق بيني وبينه ولئن سألني لأعطينه)[٢٣] (حديث قدسي)

  • (القلب بيت الــــرب)[٢٤] .

من هدي الكتاب:

  • {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السـماء وما يعرج فيها}[٢٥] {وهو معكم أين ما كنتم}[٢٦]

  • {وإذا سـألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}[٢٧]

  • {قائم على كل نفس بما كسـبت}[٢٨] - {أقرب إليه من حبل الوريد}[٢٩].

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. من حديث قدسي: “… يا عبادي! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه.” الراوي: أبو ذر الغفاري. المحدث: ابن تيمية المصدر: مجموع الفتاوى، وحلية الأولياء حكم المحدث: صحيح. ↩︎

  2. سورة الزلزلة ٧-٨ ↩︎

  3. سورة البقرة -٨١ ​​ ↩︎

  4. سورة الكهف - ٤٩ ↩︎

  5. من حديث قدسي: “… يا عبادي! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه.” الراوي: أبو ذر الغفاري. المحدث: ابن تيمية المصدر: مجموع الفتاوى، وحلية الأولياء حكم المحدث: صحيح. ↩︎

  6. سورة الزلزلة - ٧-٨ ↩︎

  7. سورة الكهف - ٤٩ ↩︎

  8. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  9. حديث شريف. أخرجه الطبراني، والحاكم في “مستدركه”، وأبو نعيم الأصبهاني في “معرفة الصَّحابة”، والبيهقي في “دلائل النبوة”. ↩︎

  10. حديث شريف أخرجه الحاكم في المستدرك بنص: " مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق ". ↩︎

  11. إشارة إلى حديثين شريفين: “إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض”. أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده. و"إني تارك فيكم ما إن استمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما". جاء في سنن الترمذي: ↩︎

  12. تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎

  13. حديث شريف: " المرءُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم مَن يُخاللُ." أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎

  14. نفس الحديث الشريف أعلاه. ↩︎

  15. سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎

  16. سورة الكوثر - ١ ↩︎

  17. سورة الأنبياء - ٣٤ ↩︎

  18. سورة الإسراء - ١٠٦ ↩︎

  19. سورة الحجر - ٩ ↩︎

  20. سورة البقرة - ١٠٦ ↩︎

  21. سورة الشعراء - ٢١٨:٢١٩ ↩︎

  22. سورة محمد - ٢ ↩︎

  23. استلهاما من معاني الحديث القدسي: “إنَّ اللَّهَ قالَ: مَن عادَى لي ولِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ.” أخرجه البخاري ↩︎

  24. عبارة دارجة عند المتصوفة يذكرونها كحديث قدسي يتناغم مع الحديث القدسي (لم تسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن) الذي أخرجه أحمد بن حنبل في الزهد. ↩︎

  25. سورة سبأ - ٢ ↩︎

  26. سورة الحديد - ٤ ↩︎

  27. سورة البقرة - ١٨٦ ↩︎

  28. سورة الرعد - ٣٣ ↩︎

  29. سورة ق - ١٦ ↩︎