(١)
الحق والعدالة
محاضرة بدار نقابة المحامين
١٣ جمادى الآخرة ١٣٨٠ هـ - ٢ ديسمبر ١٩٦٠ م
(الكلمة التي ألقاها السيد المستشار الجمهوري بإدارة قضايا الحكومة في صـالة المحـاضرات بدار نقابـة المحـامين)
دعــــوة وعنــــوان
أبنائي إخواني أساتذتي سادتي سيدي النقيب…
باسمكم وباسم الحق فيكم نتوجه إلى الحق معنا يقومنا ويسمعنا حقا واحدا لا يتجزأ ولا يتعدد. نحن به أحياء وبدونه أشلاء. به معنا نقوم، وإليه فينا نلجأ، وبه علينا نستعين، وله قيوما على قيامنا نكبر، وعنا ننزه ونكبّر.
يسـرني أن أتحدث اليوم في هذه الدار وقد طالت غيبتي عن الحديث فيها، إذ كان آخر ذكرياتي بالنقابة ودارها وناديها أيام اشـتركت مع الأعضاء زملائي… أعضاء مجلس النقابة، وأنا أمثل بينهم المحامين الشـبان مع زميلـي الأسـتاذين اسـطفان باسـيلي وإبراهيم عبد الهادي مع سـائر الزمـلاء في حفلة وضع حجر الأسـاس لهذا المبنى، وقد تشـرف بوضعه اعترافا بمكانة المحامين رأس الدولة وقتئذ وملك البلاد.
ويضاعف من سـروري أن أتحدث اليوم عن موضوع آمنته محـاميا شـابا بكل أعماقي، إيمانا كان كامنـا وراء كل نشـاط ظاهر لي. وكان لي حظ وشـرف الترجمة عنه وقتئذ في ثوب موضوع الـوقت، وهذا سـر ما صادفته مما سـماه الآخرون نجاحا في نشـاطي وأحاديثي نشـاطا لم أغنَ منه لأنه كان خالصا لوجه الحق. وإني إذ أتحدث به في هذه الدار الآن إنما أحقق لنفسـي أمنية طالما سـاورتني، فالمحـامون زملائي وإخـوتي وأهلي ودارهم داري، فأنا بينهم في أهلـي وفي دارهم في بيتي. فإذا كنت بينهم بالأمس زميل نشـاط في المهنة وفي القومية والجهاد السـياسـي والاجتماعي فما أحراني أن أكون اليوم معهم زميل نشـاط البحث عن الحق والعدالة في دائرة الحقيقة، وهي ما وراء ظاهر المجتمع الذي نعيشـه، ونجهل الكثير من علل مظهر التواء الأمور فيه.
عندما طلب إليَّ أخي وزميلي السـيد النقيب أن أكون أحد المتحدثين في ندوة هذه الدار رحبت بالطلب رغـم اعتيادي قصر أحاديثي على جماعتي في الجهاد الروحي، ورأيت فيه أمرا من السـيد النقيب لزميل له من المحـامين، فلسـت غريبا عنهم، ولم أفارقهم بعملي الجديد في المهنـة إلا بقصر وكالتي على عميل واحـد مفروض فيه الإنصاف هو الدولـة. ولكني اعتذرت أن يكلفني ببحث مهني وبين زملائي من هو أقـدر مني على الخدمة في هذا المجال. وطلبت أن يدور حديثي في موضوع اجتماعي، وأن يختار هو عنوانه فاختار أن يكون عنوان الحديث (الحق والعدالـة)، فكان توفيقا له وجميلا منه أن يختار هذا العنوان أو هذا الموضوع فلسـنا في هذه الدار إلا في بيت من بيوت الحق والعدالة. ولسـنا فيها متحدثين أو عاملين إلا جنود الحق والعدالة.
وفكرت هل عنى السـيد النقيب أن يكون موضوع الحديث في مجال الحق والعدالة من مجال التسـامي في النظر المهني؟ أو في مجال أهداف السياسـة والاجتماع؟ فقلت لنفسـي إن الزمـلاء مني أقدر على التحدث في هذه المجالات أيضا ولم تعد لي هوية فيها كما يعلم. إذن فلأتحدث عن الحـق والعدالـة في المجـال الواسـع، في الوطن الكبير، في المجتمع المتناسـق، في الإنسـانية الخالدة، في الذات البشـرية، في مجتمعها من الأعضاء والخلايا، في روابطها العالمية بعوالم مجتمعها الأزلي، وتناسـق مجتمعها الوجـودي بعوالمها الأبدية، تحت زعامة من يسـوس هذا الوطن الخالد قائمـا على كل نفس بحقها منه، وبعدلها بما كسـبت، وتمثيل هذا الوطن من عالم كل ذات لصـاحب السـيادة عليه، في مجتمع هذه العوالم بصفات كل نفس علما على قيامها بمعلومها من العليم القيوم بكل نفس.
هل إذا تحدثت عن الحق والعدالة في هذا المجال وعلى هذا النحو أكون مغربا وبعيدا عن خدمة الحق والعدالة المهنية؟ أو خدمة الحـق والعدالة الاجتماعية والسـياسـية؟ لقد تسـاءلت بهذا لنفسـي فوجدت أن الحق والعدالة المهنية، والحق والعدالة الاجتماعية لا يسـتقيم لهما أمر في رجل المهنة، ورجل المجتمع المجند لخدمة الحق والعدالة في مجتمعه الصغير أو الكبير، إلا إذا كان الحـق، وكانت العدالة لهما موضع في ذاته لذاته، وفي ضميره لضميره، وفي نفسـه لنفسـه، وفي إدراكه لإدراكه، ففاقد الشـيء لا يعطيه. وإنني إذا تحدثت على النحـو الذي قد يكون غـريبا على سـامعي، فإنه لن يكون غريبا عن مجال خدمة الحق والعدالة حتى على ما يعـرفها مجتمع النـاس أو تعرفها بيئة المهنة.
وقلت إذا لم يكن جنود الحق والعدالة - على ما نصفهم في مجال المهنة والمجتمع - أهـلا لسـماع حديث عن الحـق والعدالة في جوهر الحياة، فمن هؤلاء الذين يكونون أهـلا لاسـتماع مثل هذا الحديث؟! إن زملائي ولا شـك - وهم أسـاطين التفكير والتعبير عن الأفكار هم مصدرها أو صَادرة من الآخرين - هم أقدر الناس على فهم مثل هذا الحديث عن جـوهر أنفسـهم أو جوهر النفس، وهم أصلح الناس للتخلي عن التعصب للفكر الذاتي إلى القيام في الفكر الغيري، والتعبير به لعرض قضايا الفكر الإنسـاني على بسـاط التقدير وتحت مجهر النظر.
إذن فلأتحدث إلى إخوتي في بيتنا وإلى زملائي في عملنا عن الحق والعدالة في العالم الكبير من ذات الإنسـان، وفي الإنسـان الصغير من ذات الكون، في سـاحة البشـرية التي لا يحـدها الزمن، والتي هي مصدر لعوالم منها تبدأ وجودا ومولدا، وإليها تنتهي نسـبا وتبعية.
فلأتحدث عن الذات البشـرية نواة لكون، وعن الروح البشـرية نواة لحق، وعن العقل البشـري نواة لرسـالة، وعن النفس البشـرية نواة لمجتمع. فلأجدد لإخوتي في بيتنا ولزملائي في عملنا رجاءهم في الحيـاة، وأملهم في النور، وسـعادتهم في الذات، وسـكينتهم في النفس، وانطلاقهم وحريتهم في العقل. فلأهيئ لهم الفرصة ليحركوا أيديهم فيرفعوا الغشـاوة عن عيونهم لينظروا جمال الحياة في أنفسـهم، وجمالها المفقود عند المتأمل فيما حوله إذا غاير الوجود معناه هو من الوحدانية عنده.
أي عدل وأي حق!!
إن المحاماة علمتنا كيف ندافع عن المظلوم، وكيف ندفع الجور عن المجور عليه، وكيف نرد الحق إلى صاحبه، وكيف نعيد الحرية لمن فقدها، وكيف نعيد الأمور إلى نصابها. فنحن المحامين جنود الحق والعدالة وهذا فخرنا وشـرفنا. ويشـرفنا أن يكون الشـرف مهنة لنا. ولكن أكبر من هذا ينتظرنا. فأي حق وأي عدل هذا الذي يشـرفنا ونقوم جنودا له؟ إنه الحق والعدل في حياة السـراب لمجتمع من فاقدي النظر في بيداء الوجود. إنه العدل الصبياني في تمثيلية التواجـد المسـرحي للعمل المؤقت لأعضاء الفرق الفنية من الأبطال والكومبارس والنظارة في روايات تراجيديـة أو كوميدية أو اسـتعراضية أو ما إلى ذلك، تمثل على هذا المسـرح الصغير من قارب الأرض السـابح في الفضاء لبيت يتنزه في بحر الأثير.
قد يكون العدل الحقيقي على هذه الأرض في اختلال العدل المسـرحي، كما قد يخفي اختلال العدل المسـرحي وراءه حقيقة كبرى للعدل الحقيقي.
نعم نحن المحامين نؤمن بالحق، ونؤمن بالعدل، ونحن أقرب الناس إلى الحق وإلى العدل، ولكن أما آن لنا أن نتسـاءل بيننا عن الحق مفقودا؟ وعن العدل موؤدا في أنفسـنا؟ أين هـو الحق يقوم به قائم للحـق؟ وأين هو العدل يعدل به عادل للعدل؟ ما نوع الحق الذي نطلب أن نعرف أو أن نقيم؟ وما نوع العدل الذي نطلب أن نجـري أو أن نشـهد؟ في أي مجالٍ نريد الحق! وفي أي موضوع نريد العدل؟
إنا نعيش في مجتمع يرى أفراده الحق في اغتيال حقوق الآخرين وإن كانوا إخوة في بيت، والعدل في سـلب العدالة للآخرين وإن كانوا طوافا لبيت. وهذا مجالنا على المسـرح الصغير، وعملنا المؤقت في تمثيلية الحيـاة الوقتية. وهذا نشـاط لا يكفي النفوس والعقول والقلوب الكبيرة. وحتى إذا ما حاولته وفق نظرها العميق ردها من ورائه العدل الحقيقي والحق العادل بسـلطانه فسـجدت للواقع السـطحي، ومنه كسـبت حسـن الفهم وحسـن التقدير وانتهزت فرصة الكسـب للحـق في حقيقته، وللعدل في طبيعته من مظهر الحياة عن جوهر الحياة.
إني سـأتكلم إليكم اليوم عن الحق الخالد، وعن العدل السـرمدي في المجال الأبدي. سـأتكلم عن الحـق والعدل في الإنسـان. سـأتكلم عن الذات هيكلا مقدسـا للحق والعدل. سـأتكلم عن النفس خادما أمينا للعدل. سـأتكلم عن العقل نائبا أمينا للحق. سـأتكلم عن الروح سـر ما وراء العقل والنفس والذات.
فاقد الشـيء لا يعطيه
أيها الإنسـان، أيها العنوان، أيها العالم، أيها البيت للحق، أيها القانون للعدل، إذا كانت الحقيقة مهيضة الجانب في بيتها منك، فكيف يقوم بك لله حق، وفي الناس عدل؟! وإذا كانت العدالة مضطربة في بيت العدل منك، فكيف يسـتقيم العدل فيك، ويظهر شـرف العدل بك؟! وإذا كانت نفسـك فاقـدة لحقها في مملكتها، فكيف تعين نفسـا على اسـترداد حق مفقود لها؟! وإذا كانت نفسـك تشـكو مما يقع عليها من أعبـاء الظلم، فكيف ترفع هذه الأعباء عن غيرها من نفوس الآخرين؟!
أيها المحامون، أيها الجنود للحق، أيها المصابيح للعدل، إن عبأكم من خدمة الحق والعدل مضاعف، إذ أنكم اتخذتم شـرف الخدمة لأسـمى ما في المجتمع الإنسـاني، من أوصافه من الحق والعدل حرفـة لكم… فأنتم بهذا الاحتراف إلى الذروة أو إلى الحضيض من المجتمع المنتظر، فضلا عن المجتمع القائم. إن في احتراف الخدمة للحـق والعدالة مدخل إلى صومعة ناسـك، الأرض صومعته الضيقة، والسـموات مجال انطلاقه وعمله.
إذا شَرُف الناس في كل مهنة بصفة كريمة من صفات الإنسـان، فخدام الحـق والعدل ورعاته وحماته ذهبوا بجماع هذه الصفات بقيامهم في خدمة ذات المجتمع، بتوفيـر أسـباب الحق والعدالة لمفرداته، وجماع ذاته.
إذا كان المجتمع البشـري بجميع مفرداته وبجميع مجتمعاته مدعو من طبيعته، ومن فطرته، ومن آدابه وتكاليفه بالأديـان والعقائد إلى احترام المعنى الإنسـاني فيه، وإحياء معنويات القلوب، ومثاليات العقل، وكبـح جماح النفوس، وتكييف نزواتها، إلى مرجو الكمال لغرائزها في أحسـن تقويم، بمفارقة ما طرأ عليها من التواجـد أسـفل سـافلين، فإن جنود الحق والعدل من المحامين يتضاعف عبؤهم، كما يتضاعف وزرهم، في معاملتهم لأنفسـهم وعقولهم وأرواحهم، وهم في شـرف الخدمة للنفوس والعقول والأرواح بحكم عملهم وامتهانهم.
لو عرف الإنسـان نفسـه لعرف حقه ووجوده
إن في مولد كل إنسـان على ظهر هذه الأرض على الفطرة، مولد للحق وبداية للكون، وظهور للغيب. والحق الوليد إما إلى نمو فإشـراق فظهور فانتشـار، وإمـا إلى ضمور وخمول واحتجاب فغياب.
إن حياة الحق في حركته ونشـاطه الحيوي في قيومه بذاته. فإذا رجع لمصدره من الأكبر دون إحيائها فقد عدل عن المولد. وكل كائن بشـري لا مولد له بالحياة إذا لم يتخذ الحـق الوليد فيه له مسـتقرا بالنمـو في عالم ذاتـه. فكل غافل عن الاسـتجابة بمعناه لمعاني الحق فيه غافل عن فرصة الحيـاة له. والنفس البشـرية في الجهاز البشـري إنما هي عالم وليد لقيام الحق والحياة من العالم الأكبر، وهي مظهر لنفس الحق بقيامه متكنزا بحجاب نوره، وبحجاب ظـلامه من عمله. إن جديد الإنسـان على مثال من قديمه الأزلي. إن معرفة الجديد للقديم إنما هي في معرفة الجديد عن نفسـه من الحقيقة معرفة لا تتناهى، في وجود لا يتناهى، ونمو لا يتناهى.
إن في الإنسـان كعبة أو هيكل أو مدينة مقدسـة لا يفقدها ولا يوجدها ولكن يكشـفها ويتواجدها. هي القلب. إنه نقطة دائرته من ذاته ومن معناه بهذه الذات. إليه يتجه بكله، ومنه يسـتقبل من الإحـاطة به فيضه على كله. إنه السـراج في مشـكاة صدره، منه زيته بعمله، وإليه نوره بكسـبه.
إن الذي أوجد الإنسـان لم يُظلم عليه كيانه، والذي أوجد من أوجده لم يمنعه عنه عنوانه. فالأعلى غايته، والمنظور نهايته. إن المثل المعطاة من رب الناس برسـله هي مشـهود الحق لهم، إليها منتهاهم وربها لهم ربا مرتضاهم. ومعاني الإنسـان لهم حقهم وبشـراهم.
فإذا كانت النفس من الحق مظلومة في معبدها من الذات، محرومة من قبلتها من القلب، وقد ضاقت بظلام الأعمال صادرة من هيكلها، فإنها تنتظر بفارغ الصبر لحظة انطلاقها من هذا الجسـد ليكون لها لمعناه وما صدر منه معها، موقف من عتـاب، ومن جزاء وحسـاب مرتدة إلى مصدرها، راجعة إلى جوهرها، ولم يكسـب معناه معناها، ولم يصبغ هيكله باسـم مبناها.
إن النفس القائمة في قيام البشـر، الكائنة في كيانها من البشـرية، قد ظلم البشـر معنـاها في تجاهلها من الحق فظلموها، قبروها بالحياة، ما حـرروها. وهي فيكم على ما هي فيهم، وهي تجـأر إليكم بين صدوركم جنود الحـق أن تحـرروها، أن تطلقوها، أن تحيوها. إنها لا تجد من بينكم من يعينها على أمرها، من يمكنها من بيتها تحييه، ويقيمها في هيكل قدسـها بحقها ترتضيه.
فيا من تقومون في شـرف الدفاع عن كل مظلوم، هلا قمتم في شـرف الدفاع عن مظلوم أنفسـكم؟ تلاقوا معها في سـجنها بين جوانحكم، تلقوا منها سـرها ونجـواها، واكتموا بسـر مهنتكم أسـباب بلائها وشـقواها. إنـكم إن أنصفتموها تعلمتم جديدا في إقامـة العدل، وإقامة الحق، وعدلتم في أمر جوارحكم ووظائفها، وسـعدتم في أمركم من حق أنفسـكم، وأضفتم إلى قوانينكم الوضعية قوانين الطبيعة القدسـية، وإلى فقهكم سـنن الوجود الكونية، فاتسـعت بذلك العقوبات التي تطبقونها في مجالاتها، ووصلت يد القانون الجنائي إلى مسـتحق الجزاء، فعرفت ما عناه القانـون السـماوي بمعنى قوله من قتل نفسـا مؤمنة بغير نفس من الحق فكأنما قتل الناس جميعا، لأن القدرة خلقت الناس جميعا من نفس واحدة. وهي بدائم فعلها كما بدأت أول خلق من نفس واحـدة تعيد بدأه من نفس واحدة. وكل نفس لها هذا الحق، وهذا الوصف. وكل كائن بشـري على نفسـه بصير بهذا المعنى.
فمن قتل نفسـه بغفلته وجهله، ولم يبعثها بالحق من نفس قدوته ومثاليته من رسـول معتقده ومتابعته ومن تابعه على معناه من نفسـه، فقد أخطأ في الانتفاع بالقوانين السـرمدية للوجود، وأخطأ في حق نفسـه، فاسـتحق من جوهر نفسـه الجزاء الصارم، بعد قيام الحجة عليه، وقد كشـف له القناع عن أمره من الحقيقة، المرة بعد المرة، في حيـوات متعاقبة، بين الغطاء والسـفور، من عوالم الروح والكواكب.
إن من لم يرد نفسـه إلى آدمها بصلته بشـهيد جماعته على معتقده، فقد قطعها عن بحر الحيـاة الزاخر. فهو بفعله آثم في حق معناه من الحياة. إن قديم الإنسـان بالحق يصل حاضر الإنسـان المنبئ عنه، ويتصل بمن اتصـل به من معاني الإنسـان في البشـرية عن طريقه. إن الحلقة الوسـطى من حـاضر الإنسـان بصلاتها بقديمه وصلتها بحاضره ومسـتقبله من معانيه، هي أسـاس العقائد الدينية في جميع الأديان، وهي أسـاس كسـب الحكمة عند جميع الحكماء في جميع العصور. وهي الوسـيلة المعنية بالتوسـل. وهي مرآة الصفاء يرى فيها جديد الإنسـان حقه من قديم الإنسـان.
هذه هي قضية أنفسـكم أيها الرفاق، تقام عليكم فيكم، هيكلا للعدالة. وهي القضية المرفوعة منكم من قديم، ولم تفصلوا فيها بعد لكم وعليكم. وإن فصلكم فيها لكم أو عليكم إنما هو بداية سـعيدة لكم، يوم تذهب بكم معرفتكم فيكم إلـى العلم بما حققتم لأنفسـكم، وما تخلفتم عن تحقيقه لها، وهـو أمر يقوم لكم في عالم قيامكم هذا إن أردتـم وله عملتم. وهو ما ينتظركم مجهولا عليكم يوم تفارقون هذه الحياة كرها عنكم.
صدقوني في هذا واعملوا له فإني لأطمع في اليوم الذي تصدقون فيه بذلك وتعملون له، فتتبنون هذه القضية للناس، كما تتبنون قضاياهم في تافه الأمر من دنياهم، بعد أن تكونوا قد نجحتم فيها من أمر أنفسـكم.
الظاهر مرآة الباطـــن
إن جهاز العدالة الإنسـاني، على ما ترونه من ظاهر الحياة من أمـركم وأمر الناس، في تشـابكه وامتداده، ما هو بما يشـمله من مجال تطبيقه ومجالات قيامه إلا تعبير عن جهاز العدالة الإنسـاني في المجال الحيوي لإنسـانية الحياة الحقيقية. ألم يقل لنا إمام المبلغين وكمال المهتدين وأولية العابدين (الظاهر مرآة الباطن)[١]؟ فإذا كنتم ركنا ركينا في جهاز العدالة الظاهري فلمَ لا تفكرون أن تكونوا ركنا ركينا في جهاز العدالة الحقيقي للإنسـانية الحية؟
إن جهاز العدالة الحية للإنسـانية الحية يحيط بالأرض وأهلها شـمولا، ويمتد إلى أجواز السـماء وأهلها، كما يمتد إلى أعماق الأرض وأهلها. ولا تسـتطيعون ولن تسـتطيعوا أن تقوموا في شـرف امتهانكم من العمل لتحقيق العدالة، وإقامة الحـق، ورد جحافل الظلام من الظلم الصادر من البشـرية من بعضها لبعض، ما لم تسـتكمل عمد الحق والعدل كيانها من تناسـق مدرك بين ظاهر أمرها وباطن أمرها، حتى لا تختل موازين العدل باسـم الحق، وتقام معابد الظلم باسـم العدل.
إذا كانت عمد وأسـس الحق والعدل في الناموس الظاهر للمجتمع وحدة متماسـكة، فإن عمد وأسـس الحـق والعدل في كمال هيكله بشـقيه من القوانين الوضعية والقوانين الفطرية وحدة متماسـكة كذلك. كيف يطلب المحامون تطبيق قانون وليس هناك قضاء؟ وما قيمة الحكم إذا لم توجـد سـلطة مُنفذة له! وكيف تنفـذه سـلطة قضائية لا تسـندها السـلطة الإدارية؟ وكيف يطبق القضاء قانونا يمثل العـدل ولا وجود له لانعدام قيام سـلطة تشـريعية؟ وما قيمة سـلطة تشـريعية لا تتمتع بولاء السـلطة التنفيذية؟ وكيف تتصف سـلطة بأنها سـلطة تنفيذية ولا يتواجد بجوارها سـلطة تشـريعية وأخرى قضائية؟ وإذا قامت سـلطة تشـريعية في مجتمع لا قضـاة له فما قيمتها؟! إن هذا الذي نشـهده في هذا التماسـك في جهاز العدل الوضعي يقابله ما يماثله وراء ما نشـهده من نظام ودقة في سـير الأحداث والكائنات.
وما نشـهده من قوانين فطرية حاكمة للطبيعة بأفلاكها وأجرامها وذراتها في حركتها هو بعينه ما يحكم سـير الأمور بين الناس، كأجرام إرادية يخفى عليها ما وراء الظاهر من إرادتها المكيفة لحركاتها، ويظهر لها كامل الحرية والاختيار فيما تتجه إليه بهذه الإرادة.
والواقع أنها كاملة الحرية والاختيار، إذا تكشـف التناسـب والارتباط بين منظور الحياة للناس وباطن هذا المنظور لهم، المحكوم بقوانين أخرى غير ظاهرة ولكنها قائمة هم مصدرها بأثـرها الظاهر، في تناسـق وتناسـب مع ظاهر الأفعال ومبرراتها وآثارها ومعقباتها.
القانـــون يحكـم الوجـــود
إن إقامة الحق ونشـر العدل في مجتمع موصوف عند أهله بالمدنية أمر يسـتلزم ويسـتتبع قيـام وانتظام السـلطات فيه، وارتباط المجتمع بها… وبذلك يكون لهذا المجتمع وحدة من كينونة، وانتظام في حركة الحياة الرتيبة. فإذا أردنا أن تكون تشـريعاتنا الوضعية مسـتقيمة، وفي أكمل صورها، وسـلطاتنا متناسـقة متعاونة في أكمل أحوالها، فلدينا إلى ذلك ثلاثة مصادر من الطبيعة تمثل الفطرة السـليمة للمجتمع المثالي، أولها ما يتيسـر لنا تناوله من منظورنا، وما يمكن أن يدخل تحت إدراكنا وتقديرنا ومكنتنا، وهي دراسـة أخلاق وأحوال ونظم الحياة في الممالـك الحيوانية من أسـود الغابـة إلى الحشـرات والطفيليات. ولعلّ مملكة النحل، ومملكة النمل، وممالك الطيور، في حال من النظام والنشـاط يعطي الإنسـان أروع الدروس في النظم الاجتماعية، والنشـاط الفردي والجماعي، والسـعي لبيئة والتخلص من بيئة. وقديما تلقى الإنسـان الأول أول دروسـه عن الغراب. ولم يستحِ الله أن يضرب للإنسـان مثلا بعوضة فما فوقها. وخص سُـورًا بأسـماء الحيوانات إشـارة إلى انتظـام الحياة الحيوانية في ظل الحق والعدل، المقام بالقوانين الفطرية. وقد جعل من الإنسـان بهيمة الأنعام، ودابة الأرض المفضلة بأمانة العقل، والمسـلحة بقدرة الإرادة، وحكمة التدبير…
والمصدر الثاني هو دراسـة الطبيعة المحيطة، في روابطها وانتظامها، والطبيعة تحت النظر وتحت المجهر، في دقتها وجمالها وتناسـقها وانتظامها، والعمل على محاكاتها. أما مصدر المصادر والكتاب الجـامع الذي لم يفرط فيه مبدعه من شـيء، فهو دراسـة الإنسـان لنفسـه تشـريحا، ووظائف أعضاء، وخلق، وحياة، وكسـبها وفقدانها، ونشـأتها ومواصلتها، ومعناها وجهازها، وفلكها وعوالمها، ونظامها. وأخذ نظمه الاجتماعية مما يقوم فيه من نظم فطرية.
إن المقياس الصحيح لمدنية مجتمع بشـري، إنما هو قياسـه على ما أفاده من نظـم الجماعات الحيوانية، أما المجتمع الراقي في نظمه فهو ما يصح قياسـه على قوانين الحياة للنبات والفلك، وهو في أرقى صوره إذا صـح له القياس على تحليل الإنسـان لنفسـه في مفرداته، صورة جامعة للعالم الكبير، في هذا التمثال الصغير.
الإنسـان فرد وجماعة هو عنوان الحق
إن الإنسـان في ذاته هو المثل المضروب لجنسـه على القدسـية المعبودة، والألوهية المفقودة، من الفطرة الخالقة التي هو أيضا لها مثال وبها حال. إن الإنسـان هو شـقي الغيب والشـهادة… فهو يمثل الشـهادة بالمعلوم منه، ويمثل الغيب المقدس بالمجهول عنه. وشـهادته إلى غيب، وغيبه إلى شـهادة. فكله غيب إذا غابت الشـهادة. وكله شـهادة إذا حضر الغيب.
إن الإنسـان كفرد حي، هو مجتمع بقديمه وحاضره ومسـتقبله. والمجتمع المنتظم على قوانين الفطـرة، هو فـرد له نـواة منه حولها يطوف في وجدانه، ولها يسـتقبل في صلاته بقلبه وبنيانه. وتأخذ مفرداته أماكنها فيه أعضاء وأحشـاء له، لخدمة وظائفها من بنائه المتوحد بواحده، المتعدد في مفرداته بتجدده.
إن المجتمع المثالي هو المجتمع الموجه بمحصلة الجماعة توجيها غريزيا وهو ما لا يتوفر إلا لمجتمع كانت الـروح المتحررة في مفرداته مادة التئام أفـراده بقيامه فردا بالحق المعتقد في كيانه لهم المجتمع بوحدة دائرته، على مركز نواته الحية، وبقيامه بهم جماعة تعددت وجوهها وتوحد قلبها.
هذا المجتمع يعرف كل فرد فيه التزاماته وواجباته قبل أن يعرف أو يشـعر بالحاجة للمطالبة بحقوقه إن كان لذلك محل فيه.
هذا المجتمع تُمحى الأمية فيه برؤية كل فرد فيه لنفسـه مرآة صادقة لمجتمعه. فهو كتاب نفسـه ونفسـه كتاب مجتمعه. هذا المجتمع مهمة الحكومة فيه ميسـرة غير شـاقة فهي مهمة تمثيل الجماعة، في حركتها في ذاتها، وفي معاملاتها مع مفرداتها والجماعات الأخرى. إنه الحيـاة في الفرد الواحد بأعضائه وحركتها، وذاته وتنقلاتها، ووضع أحشـائها الداخلة من حركتها الظاهرية.
أما الفرد الحي وهو مجتمع عبر الزمن فقد جعل في الأديان أساسـها بقيام الحق على مفردات الناس بما كسـبوا. أمَّا إذا صلح المجتمع ليكون فردا فهذا أيضا له وضعه في الدين، وهو تأسـيس الدولة المسـتقيمة الذي يتبع قيام مجتمع مسـتقيم أسسـه مؤسـس الحكمة ومؤسـس الجماعة. وقيام مثل هذا المجتمع يعتبر فيه معاني البعث لمفردات الأوادم في العصور السـابقة وهو معنى السـاعة إذا كان المجتمع مدرك لمعانيه من الوحدة، ومفـرداته مدركة لما قدمت وأخرت في سـلوكها وتطورها على نطاق واسـع، وهو ما قام قديما في الهند، وأنتج فِرق البراهما، والسـيخ، والطبقة الوسـطى المختبرة. ووصف بخروج آدم من الهند إلى منطقة الشـرق الأوسـط، ليكون أبا لأنبيائه. وهو ما اعتبرت الأمة المحمدية بالرسـالة الفطـرية الأخيرة بداية فيه لأمر يجمع البشـرية يوما إذا ما تجدد لها الإنسـان المحمود في قدسي فطرتها. ونرجو أن تكون الصـلاة الروحية التي تنتشـر لتعم البشـرية بشـرى وحـدة الإنسـانية على أمر واحد في شـئونها الحاضرة والمسـتقبلة بوحدة ماضيها، محققة في عالم الروح، مبعوثة بالمحبة في أبنائها من عالم الشـهادة. وهو ما سـوف تبرزه الصلات الروحية من وقوف الأنبياء صفا في قضية السـلام على الأرض.
استشـرافك للحق هو قيام لك في قضايا الدين
إن كشـف القناع عن أسـرار الحياة في الفرد والجماعة هو أسـاس الأديان جميعا. وتحقق هذا الكشـف في سـلوك الفرد وفي عقائد الجماعة هو معنى الحسـاب والسـاعة والقيامة. واسـتمتاع المحصلة للفـرد والجماعة هو ما نسـميه الجنة عرفناها وقطفناها. وقيام المحصلة لحيواتـه بالجزاء هو إبراز الجحيم لأهلها ومسـتحقيها. إن الإنسـان لا يجزى بالنعيم في حياة القيام عن فعل يأتيه في هذا القيام - وإن تحقق النعيم - وكذلك لا يجزى بالجزاء عن فعل يأتيه فيها وهو فيها - وإن تحقق البـلاء -. إن كل ما يشـعر به الإنسـان في حياة القيام من نعيم أو بلاء إنما يقوم على أسـاس من الاختبار، ولكن هذا الاختبار في الوقت نفسـه له رباط بماضي الحيوات لصاحبه، يقوم على أسـاس من قديم أفعال له يمثل معها بحاله الآن معاني العطاء ومعاني الجـزاء. أما فعله في الحاضر فسـيكون أسـاس اختباره في حياة لاحقة تسـمى عند قيامها بمعاني البعث لحاضره بالعطـاء والجزاء أيضا. واليقين بالآخرة عند من قام اليقين عنده إنما يقوم على أساس من إدراك معنى الآخرة لما هو فيه من الحياة بالنسـبة لحياة سـبقت، دخل اليـوم هذه الحيـاة بكتابه الذي سـبق أن خطته يمينه، وهو الكتاب الميسـر له نفاذ ما جاء فيه… لم يظلمه ربه ولكن هو الذي خط كتابه وظلم نفسـه فيما لا يحب بما سـبق أن أحب، وأنصف نفسـه عطاء غير ممنون بما كسـب فما يسـره بما سـبق أن صبر له.
المجتمع المثالي تقومه الروحية والشـبحية في اتصـال متصل ووحـدة لا تنفصل
إن المجتمع المثالي الذي تعرف فيه مفرداته مواضعهم من الجماع، وتعرف الجماعة قيم مفرداتها منها، هـو ما ينتظره مسـتقبل البشـرية. وهو ما يعني بلوغ البشـرية لسـن الرشـد. وهي بهذا الرشـاد يسـتبعد عندها معنى السـماء والأرض لما يقوم في الوعي البشـري عن المعنى الإنسـاني يعمر الكواكب ويقوم العوالم الروحية، وبذلك تصبح الأرض موصوفة بالسـماء على ما يجب أن تعلم كما تصبح السـموات بأجرامها في معاني الأرض كذلـك كما يجب أن تدرك. ويتطور الجنس البشـري على الأرض كما تتطور بشـريات عوالم الروح إلى حـال يصح فيها اتصال واجتماع هذه العوالم بأحوالها ودرجاتها ومعارفها، يجتمع كل على شـاكلته. وينتظم أمرها في الظاهر والباطن على من تأتمر بأمره ممن يبرزه قانون الرد للأعمال على أسـاس من معدلات جماعاتها، أوادم بعث على أبناء في طريقهم لمعانيهم النورانية والكمالية ليكونوهم.
من هذا كله يمكنا أن نكشـف ما في الحياة في مجتمعنا على حاله من أسرار نفيد من معرفتها لأنها تنظم سـلوكنا في قائم أوقاتنا. ويمكنا أن نحصل بعملنا على نتيجة مشـجعة من كشـف بعض أسـرار السـلوك، وهو ما تحاوله الرسـالة الروحية في هذا العصر بمخاطبتها للعقل والضميـر الإنسـاني، وما تهيئه للنفس من تلقي لهذا الخطاب في صورة انفعالات، ومشـاهد، وإلهامات منظمة معللة، وهو ما تقدمه المدرسـة الروحية كمعرفة في مطبوعات ميسـرة منتظمة واسـعة الانتشـار. ليس المهم أن تقرأها ولكن المهم أن تحقق لنفسـك شـيئا مما يشـار إليه فيها.
إن رقي الحياة وانتظامها في المجتمع البشـري هو وسـيلة فعالة لرقي الحياة الروحية له في مجتمعه الروحي. إن الحيوات الروحية للمجتمعات إنما هي مواصلة لما هي عليه أو لما كانت عليه في الحياة الأرضية. وليس لها تطور في حياتها الروحية عن طريق مواصلتها إلا عن طريق الصلات الأرضية بالبعث الذاتي أو البعث الاتصالي حسـب الأحـوال، ولا يخلو مجتمع من مدركين لقيمة العودة بالبعث الذاتي أو البعث الاتصالي كذلك. والبعث الذاتي هو العودة الكاملة للروح في جوار شـخصيتها الجديدة. أما البعث الاتصالي فهو عن طريق الهيمنة على شـخص من عالم البشـرية عن طريقه يمكن للروح الارتباط بالحوادث الروحية الأرضية من الاتصال والتبعية بمن تنتظره مسـتويات عوالم الـروح ما دون الملأ الأعلى من أوادم في كمالها تتواجد بإرادتها على ظهر أرضنا، يرون فيها وجه الله من أهل الملأ الأعلى.
فليكسـب الفرد معاني الحياة
وإذا كان هذا هو حال المجتمع، لكسـب مسـتوى من مسـتويات الحياة السـرمدية فإن حال الفرد لا يخرج عن هذا القانون. فإنه يأخذ معه في الحياة الروحية ما يحيي من أعضائه وقلبـه وضميره. ولا يحيا فيها إلا بما يحيي من صفاته حية في أبعاضه من ظاهر وباطن جهـازه. ولا يحيا فيها بوصف الإنسـان إلا بإحيـاء كامل مفردات ذاته التي قد يحييها متجمعة من حياة أبعاضها أو يحيا بأبعاضه في حيوات متعددة.
قد يسـتغرق إحياء حاسـة النظر في الكائن البشـري حياة أرضية كاملة، وكذلك حاســة السـمع أو الشـم أو الحس وما إلى ذلك. وقد يتواجد في الحياة البشـرية بإحدى هذه الحواس أو الجوارح حية من قديم حياة له وهو ما تسـميه المدرسـة الروحية وسـيط موهوب. وقد يحيي هذه الحاسـة أو الجارحة عن طريق المجاهدة والتدريب وهو ما تسـميه وسـاطة كسـبية والحقيقة مع كل كائـن بشـري. وكل كائـن بشـري يصلـح لأن يكون إنسـانا كاملا. وكل كائن بشـري صالح للحياة. والحياة القائمة للبشـر إنما هي حياة موقوتة ومعارة من جـوهر الحياة قامت بأوادم البشـرية. وجوهر الحياة هو ما عرفته الرسـالات الدينية وعرفـه مؤسسـوها تحت عنوان (الله) بمعنى القيام الشـامل الموجود الراعي الذي لا يغيب.
فإذا تعرّف الكائن البشـري إلى نفسـه فعرفها، وظهرت له التزاماته وواجباته فأداها، وتكشـفت له معانيه وحقوقه فاسـتمتعها، فحـرص على جـوهر كيانه المدرك له، فقد سـلك مسـالك الحياة، وبدأ قيام الحق في نفسـه، وبدأ انتشـار العدالة في جوارحه وحسـه. إن فعل ولهـذا حقق صلح به لمحيطه مثالية للمثل الأعلى، وأصبـح نبراسـا يحتذى لمتابعيه من أهله ومن أهـل الطلب للمثالية المرتضـاة، متواصيا بالحق في معاني حقه، فينتشـر الحق على هذا التصوير، ويقوم العدل في هذا التدبير.
ما هو الحق في طلبنا ؟!
إن هذا الذي أشـير إليه وأشـير على إخواني به، يجعل من الإنسـان في كيانه نواة للحـق أو نواة لكبير حقه. ويجعل للإنسـان في وجوده كينونة أو نواة لكبير كونه. يقوم فيه الحـق ويقوم به، وينتشـر فيه العدل وينتشـر به. فعن أي حق تريدون أن نتحدث اليوم وعن أي عدل؟ أعن الحق المفقود في الوجود الأرضي، والمرسـوم في الخيال، والقائم في الأوهام! أم عن الحق والعدل الموجود في الإدراك للمدرك، وفي العقل للعاقل، وفي النفس عند النفس الزكيـة، التي ما خابت في مسـعاها، وما شـقي من زكاها، وما حيا من دسـاها!
عن أي حق تريدون أن نتحدث؟ وعن أي عدل تريدون أن نتناجى؟ وبأي أمر تريدون أن نتواصى؟ أعن الحق في مملكة النفس من ذات الإنسـان، وهو في عقله وروحه وكيانه وحسـه، به فيه يشـهده على مرآة الوجود، أينما ولى فثم وجهه، وكلما أدرك نفسـه آيته الكبرى، أدرك ما حوله من آياته، وكلما أدرك مظهر إرادته فيه وقدرته به، أحس بشـمول إرادته، وعظمة قدرته من حوله، وعلم أنه ما علم فيما علم إلا من حكمته، وما نعم فيما نعم إلا من نعمته؟
إن إدراك الوجود قائما بالحق، وإدراك حركته قائمة بالعدل. الحق الذي لا يخلقه خلق، والعدل الذي لا يقوم عليه سـلطان من شـيء حق الله وعدل الله، كل نفس فيه بما كسـبت ضنينة، وبما اكتسـبت رهينة. وإنما هي أعمال النـاس ترد إليهم بعدله في حدود عملهم وكسـبهم من حقه، قائما على كل نفس بإحاطته ورحمته، ومن وراء كل نفس محيط بوحدانيته وحكمته. إن في معرفة الوجود بالحق والعدل، معرفة للحق المجرد والعدل المجرد. وعن هذا الحق وهذا العدل يطيب الحديث، ويذكر جوهر الحق والعدل وهو الله.
هذا هو الحق المحيط المنتشـر، وهذا هو العدل القائم الذي لا يغيب ولا ينتظر. أما عن الحـق والعدل يبدعه الخلق على مراد الخلق في غفلة عن إلحاق أنفسـهم بحقها، وعن إقامتها بقيام الحـق عليها، فهذا وإن حملوه اسـم الحق والعدل فليس هو منه في شـيء. ولكنه ألوان من أنفسـهم في غفلتها، تبرز به بوهم سـطوتها لغاية من إشـباع لشـهوتها في عاجل من غريزتها مفرطة في أمرها من حقيقتها. وذلك إلى حين. وما ذلك في حياتها الحقيقية إلا غفوات من الزمان تقابلها لمحات للمعرفة.
يتجمع الناس حول معاول هدم الحق والعدل الحقيقي باسـم الحـق والعدل الزائف من رجال احتراف العقائد واحتراف الاجتماع فيضلون طريق الحياة مع الضالين عنها، ويتخلون عن إدراكات عقولهم الفطرية إلى وهم مغانم ووهم محارم. فلا يهتدون إلى أنفسـهم صوامع للحق المنفرد بالوجود والعدل الدائم للشـهود. وبذلك تصبح معاول هدم الحق والعدل منابر لإقامة موهوم الحق والعدل، وسـياط تسـوق الناس إلى سـاحة وهمية للحـق والعدل، فيشـهد المتأمل انفراد الحق والعدل المجرد بالقيام والعمل في الحرمان، انفراده في الوهب والإحسـان كما يشـهد ما يصدر من النفوس المنحرفة عن الحق والعدل مهما انحرفت، وما يصدر عن النفوس المسـتقيمة مع الحق والعدل، يتلاقى في النهاية على خدمة الحق والعدل إقامة وبيانا لأن الحق العام لا يغلب ولا يظلم ولا يخفى ولا يضيع. فهو القيوم على قيام الجميع في حدود ما يريد هو لخيرهم، وما يقوم بين النـاس من مصدره في القيام عليهم إنما يقوم في حدود من روابطهم معه ومع الحق الأكبر في حـدود تشـريعه النافذ المرعي، (كيفما تكونـوا يولّى عليكم)[٢]، (إنما هي أعمالكم ترد إليكم)[٣]، (رحمتي غلبت عذابي)[٤]
لنعمل من أجل اليقين ولإقامة الدين
فإذا تأملنا في هذا وتفكرنا فيه، كانت عناية الفرد فينا والفرد منا وحرصه على رباط الحق يقوم معه، ويقوم عليه ويقوم به، ومحاولته كشـف قناع الحق فيه لنفسـه بإرجاع البصر والبصيرة كرتين، مرة إلى داخله وأخرى إلى خارجه، مرة إلى ماضيه حتى إلى ما قبل وجـوده وأخرى إلى مسـتقبله حتى إلى ما بعد وجوده، مرة إلى نفسـه منعزلة عن الناس وأخرى إلى نفسـه موصولة بالناس جزءا من الناس، لوجدنا أن الحقيقة إنما هي في إدراك الإنسـان لا في مادياته، وعرفنا أنه لا يدرك من الحق في حاضره إلا بقدر ما أحاط به من الحق في نفسـه، وأن هذا الذي يدرك قابل للنمو والزيادة دائما، وأن زيادته في كشـف القناع عن المحاط به منه في قيامه، فهو الذي به ينمو إلى غيبه ومجهوله عليه، فليعمل على كشـف قائمه لينمو، وليعمل على نمائه ليصفو، وليعمل على توثيق الوصلة والصلة بين قائمه به وقيومه عليه لينمو ما فيه من الحق فينتشـر منه ويقوم به على طالبه. فإن فعل صلح لنفسـه، وإن صلح لنفسـه صلح لمن يعول من بيته، وإن صلح لمن يعول من بيته صلح بيتا لجمعه وقومه وأمتـه وبشـريته وإنسـانيته، صلـح لآبائه، صلح لأبنائه، صلح لأخلائه، لأنه للحق نسـب وبالحق قام، وللحق عمل، وبالحـق انتشـر، وعلى الحـق اجتمع، فعلى الحق جمع. لقد صار للحق وجها، وللحق بيتا، وبالحق أمة.
نؤذن للصلاة بإقامة وما أقمناها. ونؤذن للفلاح بقيام وما قام. إن الصلاة صلة بين العبد وربه. وليس عبدا من لا رب له. وليس ربا من لا عبد له. فمن عرف نفسـه عبدا وجب عليه أن يطلب ربه… أن يطلب ربه في نفسـه تضرعا وخيفة. فإن طلبه صادقا في نفسـه تضرعا وخيفة فقد أدرك سـبيله، وقام في الحب دليله… فإن لبَّاه - وهو ملبيه - فليكتم أمره حتى يبلغ رشـده، فلا يجهر بالقول، ولا يخـافت به، وليكن من أهل الإشـارة، وإشـارته بذاته قائمة بصفاته، وليبتعد عن العبارة ففيها فسـاد الأمر والخسـارة.
إن تجمعنا ذاكرين للحق معنا، عالمِينه الذي فرقنا منه قديما، وفي قابل يجمعنا، أدركناه لنا في حاضرنا، وأدركنانا له بحاضرنا، حي في حياتنا، قيوم في قيامنا، نحن فيه للغافلين أعلامه، وللسـامعين كلماته وكلامه، وللمبصرين وجوهه وسـلامه، وللمتأملين آياته وقيامه.
عرفنانا عباده لوحدانيته من ورائنا محيط، وسـعدنانا به أقرب إلينا من حبل الوريد، وقرأنانا كتابه قائما فينا بصفاته، فعَرفنانا وبالأكبر عرَّفناه قيوما على الكل وجه ذاته، قَريبا من الكل روح حيـاته فقدرناه واسـعا بعظمته معلما برحمته يتسـع ولا يتسـع له بالأكبر، ويعلم ولا يحاط بعلمه في الأعلم. إذا نحن بهذا لأنفسـنا لم نسوِّفه، وإذا نحن عن أنفسـنا لم نبعده عرفنا أننا حملنا أمانة حقه بأمانة إقامة الحق في حياتنا.
يا أيها الناس. يا أيها الزملاء. يا أيها المحامون. يا أيها الأخوة. إنكم تحملون أمانة الله. أنتم كلمـات الله، أنتم أرواح الله، أنتم أقباس نور الله، أنتم هياكل ومعابد وبيوت ومدائن الله. إن ذواتكم إنما هي هياكل ومعابد الروح.
طلب آدم منشـود عوالم الروح وعالم الأرض
إن عوالم الروح تعبد الله كما تعبدونه، وتطلب الله كما تطلبونه. ولكنها تعرفه قريبا، وتحسـه مجيبـا، ولسـتم غيرهم بنفوسـكم. وعالمكم ليس مغايرا لعوالمهم بصلتكم. وإمكانياتهم من إمكانياتكم. وإمكانياتكم من إمكانياتهم. وبينكم من هو مطلوبهم لمرتقاهم. وبينهم من هو مطلوبكم لمرتقاكم. إن أوادم عوالمهم مطلوبكم لمرتقاكم. وأوادم عالمكم مطلوبهم لمرتقاهم. ليس كل من في عالم الـروح مجتمع على آدمه. فالسـعيد منهم من عرف واجتمع على آدمه فأصبح له بيت، وأصبـح له مأوى، وأصبحت له حياة. وغير المجتمع على آدمه من الأرض لا يجتمع عليه في عالم الروح. فالحياة الروحية مواصلة للحياة الأرضية وتجمعاتها في قيود من الكسـب والوهب فيها. فهي عالم البدء للحيوات الروحية.
أما البعث من الحياة الروحية إلى الأرض فإنه يقوم متصلا باليقظة إلى ضرورة الانتسـاب إلى بيت لآدم معروف عند طالب العودة أو العودة في غفلة عن هذا إلى الاعتماد على النفس في الاختيـار والركون إلى العمل في التواجد. وفي هذا يكون تكرار للتجربة، ومواصلة للمجاهدة وإن لم يضع الجهد في النمو الذاتي وكسـب بعض الصفات.
وبذلك كان التجمع على النجوى في الله في هذه الأرض أو في عوالم الروح أهم ما في العالمين من السـعادة والكسـب وتلمس الطريق القويم. وكان اجتماع المفردات على أوادمها في هذه الأرض، أو معرفة الأرواح لهذه الأوادم مشـرقة من الأرض ببيوتها، واختيار هذه البيوت لأنفسـها للتوالـد منها في طريق العـودة والبعث لاسـتكمال مقومات الكينونة، هو أثمن ما في العالمين عن كسـب الحياة وورود أحواضها. وكانت الوحدانية في الحقيقة هي في الوحدانية مع آحاد العباد من أوادم الحقيقة وأسـماء الله.
أنتم قيام الحقيقة فلا تقطعوا أنفسـكم عنها
اعلموا يا إخواني أنكم لسـتم الهياكل، ولكنكم العباد في الهياكل. إنكم لسـتم ما هو ظاهركم ولكنكم ما هو معناكم المالك لظاهركم من ذواتكم وهياكلكم. إنكم روح الله، إنكم أسـماء الله، إنكم أعلام الله. إني أعطيكم عندي هذه المعاني على إطلاقها، لأنها قائمة بكم على إطـلاقكم. إن الله لا شـريك له وأنتم عند المؤمن به لا تشـاركوه ولن تشـاركوه بقيـام يقوم رغم إرادته، ولا تخالفوه ولن تخالفـوه بحقيقة منعزلة عن حكمته. جعل في فعلكم إرادته وفي إدراككم حكمته. لا طاعة ولا معصية فيه، ولكن الطاعة والمعصية من أوصافكم فيكم.
الله لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية
إنكم أطعتم أم عصيتم في نعتكم فإنه يعلم سـركم ونجواكم، وهو في كل أمر يتولاكم. إن الذي ينبهكم إليه أن القطيعة منه والعزلة عنه هي ما يحذركم منه، فإنها تسـير بكم في طريق خـاطئ، طريق الشـرك به - ولا شـريك له - وهو ما لا يغفره. إنه المربي الكبير، إنه المعلم الهادي لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة. ولكن المعصية تضر آتيها إن لم يكن له فيها كسـب الحـكم على النفس بالنقص والقصور، والحـكم للرب بالكمال والغفران. والطاعة تنفـع صاحبها ما لم يشـبها ما يعيبها من نسـبتها إلى الوجـود الناقص للنفس دون الوجود الكامل لها بالقائم عليها. فلا تغركم طاعتكم إن أطعتم، ولا تنسـبوها إلى أنفسـكم بما قدرتم، فإنه أظهر وصف الطاعة من معنى الخلق فيكم ليعلمكم أن كل ما في السـموات والأرض إلا آتيه طائعا مسـلما، يوم يأتيه في الاجتماع على عبده مجتمعا فيه كل من في السـموات والأرض.
معكم أينما كنتم
وهو إذ يترككم إلى حين، تظنون أنكم قد اخطأتم السـبيل، وفقدتم الدليل، فأسـأتم المسـلك وغابت عنكم الحكمة والتعليل، فهـذا من حكمته بكم وهديه لكم. فإنه ما ترككم ولن يترككم أبدا. فما تخلى عن وجودكم وجوده أبدا. فما تخلى عنكم يوم ناداكم من آدم إليه فأجبتم ويوم ناداه منكم فأجـاب. إنه معكم أينما كنتم. إن زلت بكم القدم من أنفسـكم هاوية إلى أعماق الأرض فهو معكم. وإن تماسـكتم فتصاعدتم إلى عنان السـماء فهو معكم، يبدل بكم الأرض غير الأرض، ويغزو بكم السـماء ويبدلها لكم غير السـماء، ويسـجدها وأهلها لكم خلفاءه في الأرض، بسـمو عقولكم سـموات أعلى، وبقدرات أرواحكم حقائق من كمالـه إلى أكمل فإنـه لا يفارقـكم بمعيته، ولا يتخلف عنكم برحمته، فما خلقكم إلا لنفسـه ومعانيه من قربـه وتعاليه، ولذاته بالفناء عن غيره، والبقاء به فيه. وهو بالغ فيكم أمره إلى ما يرتضيه. لا يفارقكم بهديه، ولا يخرجكم عن رحمته، حتى إذا ذهبت بكم الأوهام كل مذهب فوهمتم كل ذلك لكم دون تعبيد أنفسـكم له. فإنه معكم أينما كنتم وكيفما كنتم.
لا تتوهموا الاسـتقامة أو تكونوا من المتكبرين
ولو شـاء في يومكم لهدى الناس جميعا. فلا تسـتعلوا على الضالين وإن نشـروا ضلالهم جاهدين وبظلام أنفسـهم مسـتكبرين. واخفضوا جناحكم لهم هادين إن وفقتم أن تكونوا بنوره سـارين، وبروحه هادين، وبوصلته عاملين. وأشـفقوا بإخوانكم من العابثين لأن دورهم في الاهتداء والهداية سـوف يأتي بعد حين. ولا تيأسـوا منهم فقد يأتي على يد المصلحين، فأصلحـوا أمركم، وأصلحوا بين إخوانكم في محبة وإشـفاق ولين، وتخلقوا بأخلاق رب العالمين، ظاهرة في كل رسـول أمين، وعبد بالعبودية قمين. اسـتمعوه يخاطبكم إذ يقول لموسـى وهارون {اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشـى}[٥]. إن اللين هو سـيف الله المسـلط على الكبر في المسـتكبرين وماء الحياة من الله للخاشعين.
إن الله لا يحب المسـتكبرين المتعالين فهم عنده السـافلون الأسـفلون، ويحب المتواضعين وهم عنده العالون المرفوعـون. أما عظمته ففي كونه في عليين، هو في أسـفل السـافلين. إن الله مع كل كائن، ومع كل وجـود، وفي كل حين. وهو في عليين من كانه، وفي أسـفل سـافلين من سـوف يكونـه. وإن الملأ الأعلى يطلبونـه كما تطلبونه، والملأ الأسـفل يفتقدونه كما تفتقدونه. وما تواجد في الوجود شـيء دونه. فإن عرفته ربا ففيك. وإن عرفته إلها فإليك. وإن عرفته حقا فحالك. وإن عرفته الأكبر فمآلك. لا تغيبه عن وجودك. ولا تغيبه عن شـهودك. فهو غيبك إن حضرت بعبوديته، وأنت غيبه إن ظهرت بوحدانيته. إنه ظهور الماضي بالحاضر، وغيب الحـاضر بالآتي، وظهور الآتي في الماضي. إنه دورة الحياة ودورة الزمان. إنه غيب الإنسـان وحاضر الإنسـان بقدر ما أقـام الناس أنفسـهم فيه بوعيهم عنه، طالبين قيـامه بأنفسـهم لأنفسـهم بوصلتهم بمن قامه من أنفسـهم عاملين جادين حتى يرزقوا الصفاء ويلحقهم الاصطفاء.
{أفمن هو قائم على كل نفس بما كسـبت}[٦]، هذا هو الحق الجدير بالطلب. وهذا هو الحق العزيز على الطلب. وهذا هو الحق الميسـر للطلب. هذا الذي أقرر هو بين أيديكم في كل كتـاب قدمته السـماء على لسـان رسـول من رسـلها، بعث بينكم بقديم تجاربه. وهذا الذي أقدم لكم إنما هو من ثمار الفطرة، وتجول الحكمة، وثمرة العمل، ووصف المعرفة، وقيام الوعي يسـنده العلم والمنطق والتبليغ والسـنة. ولا أريد أن أسـند هذه الحقائق للحق والعدل الإلهي باقتباسـات من منقول القول في الأديـان ابتعادا عما يثير أعاصير التعصب الأعمى في قفار النفوس المظلمة. ولكني أريدكم أن تعملوا معي عقولكم فيما تسـمعون اليوم، فتأخذوا بالمعقول لكم الآن، وتتركوا إلى حين ما تقـدرون اليوم أنه لكم غير معقول. فليس فيما أقول إلا ما لا يتعذر على العقل قبوله، ما انطلق من سـجنه سـجينا في رءوس الآخرين الذين لا يعملون عقولهم، ويطلبون ويعملون على متابعة الناس لهم، ويفتحـون للآخرين رؤوسـهم، بما حوت من غث أحيته وثمين جيفته، ويتصيدونهم في السـجون الحية من رؤوسـهم.
تتحد البشرية في المظهر وتختلف في مراتب الجوهر
إن ما هو معقول عند كائن منا، قد يكون غير معقول عند آخرين من الكائنات البشـرية منا. أي أن ما تدركه نفس قد يكون غير مدرك عند نفوس. إن الكائنات البشـرية وإن اتحدت أو تسـاوت في مظهرها من مصـدر الجلباب من الأرض إلا أنها متلونة ومتعددة في الصفات والإمكانيات بألوان مصدرها من ضوء الطيف الشمسـي الذي امتصته مع ما صدر منها من أعمالها المردودة عليها بقوانين الحجز والرد من طبقات التأين المحيطة بالذات الأرضية، وردها للطاقات المنبعثة من مصدر الحـركة والحيـاة الأرضية إلى منبت صدورها من مجمع تجمع الذرات المتحركة في عوالم الكائنات البشـرية من ذوات نفوس الإنسـانية القائمة في وحدة الحياة الأرضية.
وهذا هو سـر تلوين الكائنات البشـرية في الصفات وتعدد هذه الألوان، كما هو سـر تفاوتها في قدراتها وفي نوع الطاعة الصادرة عنها على انتظام وتناسـق ونمو في القابلية والصـدور. نعيش في مجتمع منبسـط على سـطح الأرض الممهدة من حيث الذوات، وفي صورة هرمية متصاعدة أو غائرة في بطون الأرض من حيث عقولنا ونفوسـنا. تجمعنا وحدة متماسـكة من حيث حقيقتنا الخلقيـة بآدم والحقية بالإنسـان، أبنـاء وبنات له في تزاوج خلقي، من حيث الذات والنوع، وتزاوج حقي من حيث النفوس والعقول. فلا يصح ولا يجوز ولا يمكن أن ينفرط أحدنا عن الآخرين، أو ينكر عليهم معاني الصلاحية لما صلح به إن صلح، ولا يبخل عليهم بما عنده من صفات ومعاني الحياة إن وجد.
إننا نتعارف بما عندنا بما يظهر على كل منا في المعاملة والحديث. فلنحسـن في التعامل بصفات الإحسـان من صفاتنا الإنسـانية، ولنتحدث بمعانينا من العرفان عن المعروف بظهورنا في وجودنا من وجوده.
لا منافقين ولا مداجين ولا مختالين، ولكن في تواضع الصادق وإيثار المتحقق. ولنتواصى على الحرص برباطنا من الحـق وما يقتضيه تحقيقه من الصبر.
إننا إن فعلنا ذلك فقد طلبنا الحقيقة وتاجرنا معها بعنا واشـترينا، بعناها أنفسـنا واشـترينا نفسـها، فحصلنا بما كان في ملكيتنا وبما هو من مكنتنا على ما هو في ملكيتها وما هو من مكنتها، حتى نتوحد فيها اسـما لها وإنسـانا لحضرتها.
إننا إن تواصينا بذلك وتقاربنا عليه وتحاببنا فيه وعملنا به، كنا مواطنين صالحين لوطننا، وكنا وحدة صالحة لأمتنا، وكنا مفردات وجماعات مثاليات صالحة لبشـريتنا، وكنا حقائق ووجـوها للحقيقة للحي القيوم فينا، لعوالم إنسـانيتنا. وبذلك نكون جنودا للحق، وجنودا للعدل، وأعلاما للحقيقة الإنسـانية، وللعدالة الفطرية.
حديث للقلوب والعقول والنفوس
إني أتحدث إليكم الآن حديث قلب لقلوب، وحديث عقل لعقول، وحديث نفس لنفوس. وحـديث القلب إلى القلب أدبه الصفاء مع الحقيقة، وأدبه الإيمان بالحقيقة، وأدبه الاعتماد على الحقيقة. أما حديث العقل إلى العقل فأدبه أن لا نتناكر على معارف بعضنا البعض، وأن يتقبل كل منا معارف أخيه على أنها معرفة تؤدي إلى مزيد أو أخطاء تؤدي إلى يقظة، وأن يكون هدف المتحدثين نشـدان العلم. والعلم والجهل خلق قائم في الإنسـان يعرف أحدهما بالمقارنة بالآخر. والإنسـان في حقيقة أمره فوق العلم والجهل إذ هو مصدر لهما، وعنه يتواجد كلاهما. أما حديث النفس إلى النفس إن صلح، فأدبه الغيرة على الحق. والغيرة على الحق تقتضي العمل على إقامة الحق، القائم في النفس في نفوس الآخرين بالرغبة والسـؤال والمجـاهدة، كما يقتضي رغبة النفوس في التعجيل بإقامة الحق فيها على ما شـهدته في غيرها، سـواء صدقت النفس أو صادفها التوفيق فيما رأته من الحق بها، أو تعثرت في ذلك، وكذلك النفوس المجاهدة صادقة فيما شـهدته من الحق في غيرها، أو فارقها التوفيق في محل هذا النظر. فإن صدقت النفوس فيما هي فيـه، فيكفيها كسـبا صفـة الصدق فيه، وإن بدا منها التنافر، فهذه الخصومة مرضية - ما كانت النفوس صادقة مع نفسـها في الخصومة -. فالخصومة في هذه الحالة تحلو ولا تقسـو، لأنها تكون مشـربة بمحبة خفية لنصرة الحق ونشـره من المتخاصمين، وهذا ما ينظم هذه الخصومة، ويجعل فيها لينا ورقة، لسـلامة الهدف فيها، مما ينتهي بها إلى تلاق على حب، واتحاد على تناصر في الحق. ومن هذا القبيل ما كان بين أصحاب كل رسـول من خصومة ومظهر تنافر في حياة رسـولهم أو من بعده…
كل هذا يقوم في الناس، وكل هذا قائم في الناس فعلا. كل هذا دائم في الناس. كان بهم قائم في هذه الدار من دور الحيـاة، وما زال بهم قائم بعد أن غادروها لغيرهم، وخلف فيه خلف هو بهم قائـم وعنهم لن يزول. ويخلفهم عليه خلف بهم يقوم، دواليـك في سـنة الله لا تبديل لها إلا ما بدل الإنسـان في نفسـه من أحواله يمجها إلى حال يطلبها.
فالناس يتجمعون فيتصلون ويتنافرون على أساس من هذه المعاني في مختلف معنويات الحياة. فإذا قاموها في تعاليم دين يؤمنون بمؤسسـه وما حمل إليهم من حكمة ووسـائلها، تواجد بهم مجتمع صالح للحيـاة وبداياتها ومواصلتها. مجتمع متماسـك على اختلاف ألوانه. متكامل وإن اختلفت اتجاهات جدرانه. متناسـق في ازدواج أركانه. متعالي في تصاعد طبقاته. متداني في حرية لبناته.
إذا صدق الناس أنفسـهم في دينهم، فالحق واحد لا تعدد له. والقادر قدرته شـاملة، بها قام كل قادر، وإليها لجأ كل فاقر. والديان واحد، قائم في ضمير كل متدين. هو معاني الحياة في كل حي. وهو فيض الحياة من القيوم على الأحياء من مظاهر الحياة.
كل حديث أو دين هو وعي مؤسسـه ومحصلة عصره
جاءت كتب إنسـانية السـماء لإنسـانية الأرض في لبنات بيت الحق من الحكماء والهـداة، والأنبياء والرسـل، والأئمة، بزوايا البيت المتزاوجة في أولي العزم منهم. كما جاءت حقائق الصفات الإنسـانية وألوان المعاني للحيـاة الواحدة المتواصلة في البعض الآخر. فجاءت كل رسـالة بشـيء من الحق يتناسـب مع عصر موْلدِها، وقيومية مؤسسـها، وقابليات قومه، وفيوضات قيومه، وقابلية همته، وسـعة ربوبيته، وصفاء عقله، وحصيلة معقوليته. وبمحصلة هذه الحقائق في الرسـول يقوم الحق عليه، ويظهر به ويتصل منه.
فما جاء به كونفوشيوس، وبوذا، وحكماء الشـرق من الصين والهند إلا وجه من وجوه الحق. وما جاء سـقراط وأفلاطون وحكماء الغرب إلا بوجه من وجوه الحـق. وما جاء آدم ونوح وإبراهيم وأبنـاؤه من الكتب والكلمات إلا وجوها من وجوه للحق. وما كان عيسـى إلا وجها من لانهائي وجوه للحق. وما قام محمد إلا أمرا جامعا لأمور للحق.
البشـرية كظاهر لباطن من الروح، تجمعها وحدة الإنسـان، عالم الغيب والشـهادة، في ذاته من الظاهـر ونفسـه من الباطن، إنما هي جماع هذه الحقائق، وفي تجاوبها بالحديث والرأي قامت هذه الرسـائل. فعلم الإنسـانية عن نفسـها هو علمها عن الحقيقة. ورسـالات الأنبياء، والعلماء والأئمة والحكماء، هي الصحو الجزئي في مفرداتها، بعامل التوجيه من المعنى الكلي لها. ولا يختلف في هذا نبي عن نبي، أو إمـام عن إمام، من حيث المبدأ، وإن اختلف من حيث القسـط من الوعي والهمة من العمل.
رسـالة الفطرة ورسـالة الكتاب
ولكل رسـول رسـالة كتابية، ورسـالة فطرية، وما الكتاب إلا وعيه الذاتي وما الفطـرة إلا أحواله التقدمية. وليسـت أحواله التقدمية المنتجة لوعيه القائم، إلا بعث قديم حيواته، بتجاربه ومشـاهداته، من خلال فطري ذاته، قدوة وأسـوة لعصره وما يليه، حتى يتجدد من الناس للناس جديد بمزيد من معانيه.
بدأ آدم النبوة رسـالته لنفسـه بنفسـه من نفسـه، وتابعه عليها أبناؤه لأبنائه حتى إبراهيم الخليل لأبيه آدم، إذ جعلت النبوة والكتـاب في بيته، حتى ختمت بعيسـى من ولد اسـحق قيامة لبني اسـرائيل، وبمحمد من ولد اسـماعيل، بدءا وتمهيدا لدورة إنسـانية، وبعثا لآدم في دورة آدمية، وقياما لمعاني العبودية الحقية للكافة، بسـماح الحق الإنسـاني لنفسـه بالاجتماع على من يطلبه حق طلبه من عموم الناس من البشـرية والجنية.
وما جاءت النبوة قبل عيسـى ومحمد إلا برذاذ بالنسـبة لما تسـاقط على البشـرية من بعدهما من المعرفة، سـواء عن الذات البشـرية وما يحيط بها من ذات الكون، أو عن غيبيات الذات البشـرية، وغيبيات الذات الكونية. فأنبيـاء البشـرية من العلماء الذين حلت فيهم روح القدس، ففاضوا بكشـف أسرار النفس وأسـرار الوجود، قدمـوا للبشـرية وللزمن كل جليل من الحقائق عن قدسـية الوجـود، وعن قدسـية الإنسـان وحقيته. وما كان جهادهم إلا مواصلة لقديم الجهاد المتصل من الإنسـانية لكشـف القناع عن بصائر الجنس في مفرداته وجماعاته، تمهيدا لوحـدته على الحـق في معناه، وتمهيدا لقيامه بالعدل على مفرداته وجماعاته.
فالرسـالة الفطرية المنبعثة من الجنس الإنسـاني إلى مظهره بالبشـرية، والتي جددها محمد بقيامه أسـوة للناس، وبتعاليمه طريقا للكافة، وبأمته جديدا له وقياما به، وقامها عيسـى آية للناس، ولما يفعل الحق لطالبيه في مفرداتهم، رسـالة لا يلحقها الموت، ولا تبلى بمرور الزمن. ولكنها تتجدد مع تجدد الناس، وتتطور أسـاليبها مع تطورهم…
فالربوبية في رسـالة الفطرة هي الملأ الأعلى بقيامه على هذا الملأ. وهذا القيام يأخذ صورة الرعاية والتولي بالعناية، بوصف السـيد على المسـود، في أقرب صورة للبسـاطة، وبوصف المعلم للمتعلم، وهي صـورة أرقي من صفة السـيد بالمسـود، وهي صلة أكثر طمأنينة وأقرب ودا، أو صـورة الأصل مع الفرع ممثلة في صورة الأب مع الابن، وهي صورة أوثق في الصلة، وأكرم للمدعو وأرحم من الداعي، أو صلة الاتحاد ظاهرا لباطن بالوحدانية.
فإذا كان الأصل هو الحق، والأصل لا يتعدد، كان الفرع هو العدل، والفرع قابل للتكاثر والتعدد، وهو بتعدده محل لحقه لقيام العدل بين مفرداته. فإذا قيل لنا (كل مولود يولد على الفطرة)[٧]، أو قيل لنا (العقل أصل ديني)[٨]، أو قيل لنا الإسـلام للحق دين الفطرة، وأن الحـق من وراء الكل محيط، وأقـرب لكل نفس من حبل الوريد، كان في إقـامة العدل من الفـرد على نفسـه تمهيدا لظهور الحـق له فيه، ولظهور الحق به لعانيه، من الكون والحقيقة. فالضال يُهدى ما اسـتهدى، واليتيم يؤوى ما طلب أبويه، والسـائل يُسـقى ما أدرك حاجته للحياة - ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسـه. ومن أووي فإنما يؤوى لبداية من أصله. ومن يُسـقى فإنما يرتد إليه مرضي عمله. فمن ذكر ربه في نفسـه ذكّره ربه بنفسـه أقرب إليه من حبل الوريد. لا يفتقده بحسـه، ولا يجهله بعقله، ولا يفتقره بإدراكه، ولا يشـرك به، ولا يتعدد معه، ولا ينفصل عنه، ولا يتصف عنده، ولا يحاط به، ولا ينفك عن إحاطته به، موجود لا يغيب، وغيب لا ينقطع. الحق وصفه، والرحمة قربه، والعدل شـيمته.
إن الذين يؤمنون بالفطرة قياما، وبرسـالتها دواما، يؤمنون بأنها الحق وراء كل رسـول، وأن رسـالتها لرسـالات الرسـل جماع، وأنه لا ييأس من الروح متصلا مخاطبا مبينا هاديا معلما إلا القوم الكافرون. وها هي الفطرة وراء رسـالة الروح تظهر وتنتشـر.
الرسـالة الروحية اليوم هي رسـول الفطرة لنا جميعا
إن رسـالة الروح رسـولا للفطرة اليوم لا تفرق بين أحد من رسـلها، ولا بين كتاب من كتبها، ولا بين أحد من أبنائها. فالحـق عندها، والحق بها، لا يتسـع له عصر واحد، ولا أمة واحدة، ولا كتاب واحد، ولا تبليغ واحد، ولا تجربة واحدة، ولا محنة واحـدة، ولا رسـول واحـد. فنهاية المعرفة إلى بيوت الآحاد من الحقائق، الظاهرين بمعانيهم من معاني العبودية، للانهائي رحمته ولانهائي العلم عنه، من حقائق معانيهم، من لون قيامهم به، اتحـادا يمسـح الشـرك ويحقق المغفرة ويدرك الوحدانية. يشـهد بـه المؤمن (الإياك) نعبد في عين الأنا ممحوة أو مسـيحة. ويرى القبـح في الشـرك بالأنا، والجمال لبديع السـموات والأرض بوحدانية الهو، فتتحد الغاية من الدين وتسـتقيم الطريق إلى اليقين، إذ نعرف أننا بنا مخطئين. وأننا به مصيبين. وأننا إلى الحق في جلبابه من أنفسـنا سـارين. وبرسـوله في عقولنا مهتدين، وبوحدانيته في ضمائرنا موقنين. وأن الهـلاك في عزلتنا عنا، وأن الحياة في اجتماعنا بنا، وأن من سـبقنا إليه فيه هو لنا قبلة، ولنا بيت، ولنا له وجه، ولنا معلم، ولنا يد ممتدة لمعاني جماعنا في حال اجتماعنا، ولنا مرآة لأنفسـنا.
إن رسـالة الروح، رسـولا للفطرة اليوم، تفتح لهذه البشـرية باب الرجاء وتغلق دونها باب اليأس والقنوط، كما تهيئ لها طريقا مسـتقيما إلى غايتها من الحق تبحث عنه بغريزتها أصلا له وفرعا عنه، وتكشـف السـتر عن أرض البدء… أرض ما قبل آدم… مجتمع البشـرية… مجتمع الناس… مجتمع ما قبل آدم… مجتمع الطلقاء المكلفين… مجتمع العلماء الجاهلين… مجتمع الجهلاء العالمين… مجتمع الطبيعة… مجتمع الفطرة… مجتمع هو أرض آدم، منه يَصطفي بذرته، وفيه تزرع شـجرته حب الـزرع وحب الحصيد، مقبـول فعله، مسـتور عيبه، مغفـور ذنبه. منه يتواجد آدم، وفيه يبعث آدم، وبه يتحقق آدم، وعنه ينشـق آدم، ومنه يأخذ آدم ملأ حضرته، وإليه يعود آدم وملؤه. فهو لآدم بدؤه، ولآدم كماله، ولآدم أبده وأزله، ولآدم جدته، ولآدم كنزيته. بـه يتحقق لآدم للغيب عبوديته، وللشـهادة ربوبيته، وعن الكـون ألوهيته، وعلى الكون عظمته، بتجديد إنسـان صورته. به يبرز جلباب ذاته، وجلابيب صفاته، ليقدم رحمة أبوتـه، ويمتـد بلـدني علمه، فيوحي في الأرض أمـرها، وفي السـموات أمـرها، قائما بعظمة عبوديته في مملكة عطائه، جمالا لقيومه، وكلمة من قديمه، هي وجه لمسـتديمه.
مجتمعنا هو مجتمع الفحم والماس. الخلق والحق. الناس والمحمدية)
هذا المجتمع البشـري على هذه الأرض هو مجتمع الظلام الدامس بين مجتمعات النور المتلألـئ، من سـكان الكواكب وعوالم الروح، هو مجتمع سـر الألوهية، ومجلى الربوبية، وعظمة العبودية، وتفاهة الغيرية، وسـر ما وراء الشـيئية، وأصل وكتاب الكونية، وقدس وشـرف الوجودية، وظهور وجمال العلمية على معلوم الإنسـانية، والتعريف عن رحابة الروحية، وسـعة الألوهية، وعلى شـمول الرحمة، وعموم النعمة. إنه منجم الفحم والماس للإنسـانية. لقد جُعل في خاتم النبيين وأول العابدين، وذكر الله ذاتا، وبيتا، وجمعا، ووجه جلاله وإكرامه وكرمه للناس كافـة، ومظهر معنى ذات الحق، وروحه من الله للعالمين، عبدا لربه من الله، وربـا للعالمين من الناس، مثالا لما يخرج من منجم الفحم من جوهر الماس سـراجا في زجـاجة تعكس وتشـع من نور الإطلاق من موجود الوجود من الله، علما عليه، ورسـولا منه، وعبدا له. جعل فيه أسـوة للكافة، وطريقا مسـتقيما لا يختفي عامله، ولا يضل أمـره، ولا يفتن صادقه، ولا يرجع عنه طارقه، ولا يتوقف عن الرقي سـالكه، ولا ينتهي عن الامتداد صاحبه. أساسـه قيام الله على كل نفس، وكسـبه قيوما بقيامه بكل نفس، مذكورا في النفس من كل نفس، لا شـريك له، ولا وجود بحق لغيره. يعرف ربا لعباده، ويعرف منزها لموجوديه بتوحيده ووحدانيته.
هذه هي رسـالة محمد بالفطرة، كانها، وقامها، وتجددها، وتكاثرها. تكاثرها قبل ظهوره رسـول الله وعبدا لله، وتكاثرها بعد ظهـوره دواما لرسـالته بوجوهه، وتكاثرها في قيامه بعثا لقديم عبوديته، وانتشـارا لرحمته، رحمة من لانهائي ربوبيته.
هذه رسـالة الفطرة قديما مع آدم تجددت مع قدمه محمد، عرفها بكتابه وسـنته. فيها يولد كل مولود على الفطرة لا يُسـأل عن فعل الآباء والأمهات. ضرب فيها ابن مريم مثلا لمن يرتضي الله من عبـاد يكرمون ويرتضون من الله ومن الناس، فيتابعون متابعة للحق الظاهر من الحق الرسـول لإنسـان ورب العالمين. فالكل للحق من العبودية الإنسـانية أبناء. الكل لإنسـان الله أبنـاء. الكل للأبوة الإنسـانية أبناء. فتعالى اللانهائي عن الصاحبة والولد. أما البيت به يذكر اسـم الله فهو بيت الإنسـان، فيه حقائقه وحوله لطائفه ودقائقه.
الله هو السـلم وهو السـلام وهو في أعماق كل قيام
هذا هو الحـق على ما يجب أن يعرف لنا في أنفسـنا ومن حولنا. وإن ما نرانا من الحيـاة فينا ومن حولنا، ماثلة في الأحـداث الصادرة منا والصادرة ممن حولنا، وما نقع تحت تأثيره من نزوات زاعمي السـلطان الظاهر، وأدعياء التوجيه الصالح، تجعلنا في حرمان شـبه كامل من عوامل الحيـاة المسـتقيمة. وهذا فيه التعليل الصحيح لعلة ما نراه في عالم الحاضر من قلق شـامل يقض المضاجع وينزع السـكينة من نفوسـنا، يحرم عقولنا ما يصح لها من الأمن والطمأنينة، ويجعل سـفينة الحياة التي نسـافر عليها إلى دار مرجوة الخير مضطربة المسـير، لا تتحسـس أنظارنا لبحر الحياة شـاطئ سـلام، أو بر أمان. فما بالنا وقد دب بين ركابها الخلاف والخصام، وأصبح السـلام بعيدا عنها وعن مجتمعها في حال سـفره، وأصبح الخطر من عوامل العدم يتهدد عوامل الحياة والنجاة لها من الداخل ومن الخارج.
إن هذا الذي يمتنع علينا توفير أسـباب السـلام من حولنا وفي أنفسـنا إنما يرجع لتعطيل عوامل الحق والإخلال بموازين أنفسـنا فاختلت العوامل والموازين من حولنا، لأن الإنسـان كما هو صفوة الحياة هو أصل الحياة أيضا، والكون بمادياته خاضع لقوانين الطبيعة، وهذه بدورهـا خاضعة لتدبير الحكمة، والحكمة مصدرها مظهر الرحمن، وظاهره من الإنسـان العلم على المعلوم من الحق من الله.
حقائق الله دائمة التواجد فاعملوا لكسـبها
فلو كان لنا إلى معاني الحق فينا أهداف، لتجدد فينا سـليمان بحكمته وسـلطانه، ولتجدد فينا عيسـى بوصلته وعنوانه، ولتجدد فينا محمد بسـنته وبيانه، ولتجدد فينا موسـى بسـماعه وآياته وإبداعه، ولتجدد فينا إبراهيم بخلته ونبوته وأبوته، ولتجدد فينا نوح بسـفينته ونجدته وخلاصه، ولتجدد فينا آدم ببيته وقدسـيته، ولأدركنا بعث كل هذه المعاني والحقائق في طالبيها ومعتقديها من جميع الناس في كل وقت وعلى صورة الدوام، فشـغل الناس أمر أنفسـهم بدل أن يشـغلهم أمـر اسـتغلال غيرهم وهم في غفلة عن الانتفاع بأنفسـهم. ولكن الناس هم الناس، كلما جاءهم رسـول من أنفسـهم اسـتكبروا، فريقا كذبوا حتى إذا فارقوهم بالموت يصدقون، وفريقا قتلوا حتى إذا ما واروهم التراب عادوا يولولون.
إن الناس هم الناس على ما أخرجتهم الأرض، كلما جاءهم ذكر محدث من أنفسـهم، حصيلة أعمال الصالحين من آبائهم ترد إليهم عملا مرضيا من عنوان الحياة بهم، يعرف الله وينطق به ويعنون معاني الحـق منه، اسـتكبرت أنفسـهم بما فيها من ظلام الأرض، يعبـدون أنفسـهم ألفاظـا ورسـوما، ويغفلون أو يتغافلون عما فيهم من معاني وجواهر الحيـاة، يفقدونها بعزلتهم عنها، وإنكارهم عليها وهي الحق من الله لهم.
الله هو الحياة. الكل له وجه على ما نعتقده ونحياه
إن الحي القيوم من الله بالإنسـان هو معاني الحياة، يحياها كل حي من الناس من الأصل الإنسـاني القيوم عليه بالحيـاة. فالإنسـان بقيوميته وبحياته وحدة للحياة لا ترسـم برسـم، ولا تُعَنون باسـم، ظاهر المعروف بلا اسـم والموجود بلا رسـم. إنه الحقيقة لا يتميز فيها صاحب سـلطان بسـلطانه - وإن عدل - أو صاحب علم بعلمه - وإن وصل - إذ الله من وراء الكل محيط ولا يفقد معناه منها جاهل - وإن ظلم -، ولا عاص - وإن أظلم - فالكل له وجوه، نضرت أو قترت، نارت أو أظلمت، فهو القائم على كل نفس بما كسـبت علما على ما عَلِمت وعلَّمت، علَما على ما قامت وأقامت.
إنا نطلب الله واحدا لا تعدد له، ونعبده في وجهه من كل إنسـان، ولا نعبده في فرد وإن وضع الرؤوس تحت الأقدام، فلله وحده عنت الوجوه. والأيام يداولها بين الناس للاختبار وظهور الإحسـان. فهذه هي عبـادة الله على ما يليق بعبادة الله. إن نظرنا وجوها متميزة تابعناها وأحببناها فعبـاد معلمين، وآباء راحمين، وأخوة قانتين، يفتحـون لنا كنـوز قلوبنا لنـرى الله معنا. هذا دين الفطرة جـاء به الأنبياء ومن قبلهم ومن بعدهم الحكماء والعلماء، دينا لا يعرف دين السـلطان، ولكنه يعرف أن السـلطان كله للرحمن. ويعرف أن العبودية لله هي كل السـلطان وكل الإحسـان وكل الدين. فلا ضعف ولا اسـتكانة ولا ذل مع غيره، وأن العزة والقدرة والشـرف والكـرامة في كل ذلك معه. الحاكم والمحكوم له وجوه وله سـجود. لا شـريك له من موجود، ولا ينظر معه غيره في الشـهود، أينما نولي فوجهه. هذا حقه والاسـتقامة عليه كسـبه، والغفلة عنه فقده، وفي ذلك حكمه وعدله.
لا تعمهون عن حديث الله. فتناجوا بينكم فيه تكتب لكم النجاة
إن الله بحقيقته هو المتكلم على لسـان كل قلب يقظ، وكل عقل مشـرق، وكل نفس زكية. إن الله هو المتكلم في كل حكمة سـديدة أو فكرة رشـيدة يمكن أن تدرك، أو أن تقوم مدركة بين الناس. لقد أضعنا رسـالات السـلف من الأنبياء ورسـالات المتجدد بيننا من العلماء، كما أضعنا كلام الحق من الإنسـان إلينا، بتجاهلنا أو جهلنا أن الله هو المتكلم في كل علم، وهو الظاهر فيما أظهر من أسرار الوجود.
الإنسـان بين معاني الشـرق والغرب إنما يتقلب بين البدايـات والنهايات
إننا نشـهد ما يقدم بين أيدينا الآن من حكمة الغرب مبعوثة فيه من الشـرق الذي قبرها بعد أن عنونها زمنا. ونشـهد من علوم الغرب ما يعطي بيانا لما أنزل على أسـلافنا نحن أهل الكتاب من حكمة مع رسـله منا، وعباده من بيننا، فلا نلتفت لذلك، ولله المشـرق والمغرب، وشـجرة نوره من الجنس لا شـرقية ولا غربية، ولكنها أمة وسـطا به عدت عربية، جـديدا لقديم من آدم البشـرية. فإذا أظهر رب المشـارق والمغارب حكمته مشـرقة من مغرب جعله مشـرقا، فلا تغشـي عنها إلا عيون قلوب منقبرة بما توارثت من غفلات الآباء، عما كان حقا مدركا عند آبائهم من الأجداد. فهلا اسـتيقظ الأحفاد، فتجاوزوا الآباء إلى الأجداد، فأحيوا منهم الأبدان والأبناء؟
في الشـرق الغث والثمين، وفي الغرب الغث والثمين. لقد أخذ الغرب منا يوم سـدناه الثمين، وترك الغث، فسـادنا بما أخـذ منا. فلما سـادنا أخذنـا منه الغث وتركنـا الثمين، فما زلنـا نتعثـر في خطانـا.
ها نحن نرى في كل ما يصدر عن الغرب من مسـتحدثات الصناعة في المواصلات والطب والحاجات المعيشـية المختلفة، ومجـالات الثقافة والتسـلية الدقيق العجيب المعجز، وهو ما يذهب وجه العجب منه ويدخله في دائـرة الإمكان العلم والتطبيق والصبر على التحصيل والتجربة.
ولكل وجهة هو موليها
إن للغرب رسـالة كما كان للشـرق رسـالة. إن رسـالة الغرب تقوم في تبين الحق في ظاهر الحيـاة، وإقامة العدل بمقاييس الحق من ظاهر الحياة. كما كانت للشـرق رسـالة تقوم على معرفة الحـق باطنا لظاهر الحياة، وإقامة العدل على تناسـق الظاهر مع الباطن من الحياة. وإن للشـرق والغرب رسـالة يوم يجتمعان على الحق في الحياة بشـقيها من ظاهرها وباطنها، فتدعى عوالم الكواكب إلى مشـاهدة ما قام من الحق على الأرض، ويتمكن أهل الأرض من نشـر معارفهم وحقهم في أهل الكواكب لوفرة قسـط الأرض من الحق فيها وفي أهلها.
إن الإنسـان على الأرض يحيا في أحد مدنيتين، المدنية المادية والمدنية الروحية. والمدنيتان تعيشـان على الأرض بلا غيبة لأحدهما. ولكن إنسـان الأرض بما فيه من غلبة التراب والظلام يندفع إلى أحـدهما دون الآخر. والمدنيتان ضروريتان لرقي الحياة فيه، ومعناه جامع لهما في اجتماع غيبه على شـهادته من اجتماع روحـه على جسـد لها، أو اجتماع جسـده على روح له، ورقيه الذاتي ورقيه النوعي في تجمع مفرداته على المعنى الجامع لها مع وجه له، فيجتمع بذلك غيب المجتمع على شـهادته فيصلح بشـقيه من الغيب والشـهادة، وهذا هو الحق المطلوب التعريف به، والعدل المطلوب للتذكير بضرورة إقامته.
إن الإنسـان بشـهادته أصبح ينتقل بسـرعة الصوت والضوء. وهو بغيبه يرى في هذا بطئا في الحـركة لأنه يسـتطيع الانتقال بصورة أسـرع من ذلك لو تحررت إرادته من سـلطان الطبيعة من جاذبية المـادة وجاذبية النور، وتحررت من قيود الضعف من غريزة الطبيعة إلى صفات ومعاني الإنسـان.
إن الإنسـان بشـهادته أصبح يعلم الكثير من أسرار الطبيعة، فأصبح يكشـف لنظـره ما يخفى على عينه بالتصوير تحت الأشـعة الحمراء، وبالنظر لما تحت الأشـعة السـينية، وما شـاكل ذلك مما تخفي أرض الأجسـاد أو أرض القيام من أحوالها، وما إلى ذلك من إمكانياته. ولكن الإنسـان بغيبه ما زال يرى قصور شـهادته. فهو لا يسـتطيع أن ينفذ إلى ما وراء الطبيعة سـواء قبل قيام الطبيعة أو بعد قيامها، وهذا من صفاته لأنه بمعناه ما قبل الطبيعة وما بعدها إن كشـف لنفسـه سـر نفسـه.
إن الإنسـان أجهد نفسـه لتوفير أسـباب الراحة لحياته القصيرة بالجسـد. ولم يجهد نفسـه قليلا لتوفير أسـباب الراحة لحياته الطويلة بالروح. ولو أجهد نفسـه لعرف أنه يسـتطيع أن يجعل من الجهد المبذول لراحة الجسـد طريقا لسـعادة وراحة الروح. فالحياة الطويلة ليس فيها عُملَة للتبادل إلا العلم والمعرفة. ووسـيلة الحصول عليهما من الأرض أيسـر، ومنالهما فيها أقرب. والمواصلة بالحصيلة أنتج وأثمر حيث عالم تقيمهما.
لو عرف الإنسـان قدر نفسـه لسـعى إليه الصلاح والفلاح ولعاش مع سـيد الطبيعة
إذا كنت أيها الإنسـان قد وصلت بعلمك وبمكنتك إلى ما وصلت إليه، فكيف بمن هو معك وأقرب إليك من حبل الوريد، أينما كنت، وكيفما كنت، والذي مهَّد بما علمك لما سـوف يعلمك؟ إن هذا هو النوع من الذي يجب أن نتحدث فيه، ومن العدل الذي يجب أن نوفره لأنفسـنا، منصفة منا، حتى إذا ما صلح منا صالح به، وإذا ما انتشـر هذا الصلاح فينا، كنا قوما صالحين بالحـق، انتشـر منا الحق في عالمنا وعلى أرضنا، فبدلت بنا الأرض غير الأرض، وبدلت لنا السـموات غير السـموات.
إننا نعيش على أرض لا نملكها وهي تملكنا. تملكنا لأننا تحت الطبيعة، ولأنها الطبيعة. وقد أوجدنا سـيد الطبيعة فوق الطبيعة لأننا منه وإن أظهرنا من الطبيعة وهي مظهره.
فإذا قلنا نحن خلقنا لنكون عبادا لله، فلأي رب، ولأي حق؟! للواسـع العليم، للكبير المتعال! إن الدين يطلب منا نحـن الذين نقوم تحت الطبيعة، وقد خلقنا من الطبيعة، أن ندين بالـولاء لسـيد الطبيعة، فنسـودها بطبيعتنا، ونقومها بنفوسـنا وجبلتنا. فإن قام فينا في الله قائـم به ما كان الله ليعذبنا وهو فينا، وإن أدركنا حكمته من خلقنا لنكونه فاسـتغفرنا من قيام أنفسـنا مع قيومه، ومن قيامنا غافلين إلى قيامه موحدين، أمهلنا ما عذبنا ولا أهلكنا. ألم يقل لنا في كتاب إحاطته مع تام كلمته {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يسـتغفرون}[٩] ألم يقل لنا كلمته وعبده عيسـى (لا الدينونة الآن على من دخل في قلب يسوع)[١٠]؟ ألم يعرِّف أنه من الحق والمؤمنون به منه فهم به من الحق، وهو في الحق وهم فيه، فهم به في الحق! فالناس بإيمانهم في كلمات الله وكلمات الله المخرجة هي من الله، والناس بها من الحق من الله. والله أكبر دائما. الله الأكبر من الروح، والأقدس من الذات في دوام من المعارج، ودوام من الرقي، وفي دوام من الطلب عند الملأ الأعلى وعند الملأ الأدنى.
لماذا تعطلون فعل الله وفعله ثابت لا تشـابهه أحداثكم
إن الذي كلم موسى وجعله كليمه ما عجـز عن مكالمتنا وجعلنا مكلميه. وإن الذي آوى محمدا وجعله يتيمه ما عجـز عن إيوائنا يتاماه. وإن الذي نفـخ في عيسـى من روح القدس وجعلـه كلمتـه ما عجـز عن أن يؤيدنـا بروح القدس ويجعلنا كلماته. وإن الذي اصطفى آدم ونوحـا وآل إبراهيم وآل عمران فجعلهم عباده ما تعطل له فعل باصطفاء لآدم وآل لآدم، وأن يذهب الرجـس عن أهل بيت لآدم، وأن يكرم أبناءً لآدم، يرفع ذكرهم، ويعلي أمـرهم، ويعقد جمعهم، ويؤلف بين قلوبهم، ويمتد فيهم بروحه وبنوره، ويتمهم ويتوفى نفوسـهم ويمسـكهم بيده.
هذا هو الدين على ما جاء به كل مؤسـس للدين. وهذا هو الحق على ما جاء به كل وجه للحق، قام بين الناس رسـولا من أنفسـهم. فهل مجتمعنا البشـري على ما نراه في هذا العصر مدرك لذلـك أو بقسـط وافر منه، أو مدرك لضرورة طلب ذلك والطواف حوله؟ إننا إن طلبنا ذلك وعملنا له، والحياة متعددة من حولنا، وهي أشـد ما تكون حاجة إلى الحق والعدل، فهو السـلام ننشـده وهو السـلم نفتقده.
لصالح من هذه الحرب المشـبوبة… ونحن لا نملك السـلاح ولا نحسـن الدفاع ؟!
إننا في حالة حرب مشـبوبة في أنفسـنا، قائمة بلا هوادة بين أبعاضنا من الضمير والوعي المصلحي، والعمل والاستسـلام، والضعف والمجاهدة بين الرجاء واليأس، بين الحياة والموت، كما هي مشـبوبة في بيوتنا بين الأب والابن، بين الزوجة والزوج، بين الأخ والأخ، كما هي مشـبوبة في مجتمعنا بين الحاكم والمحكوم، بين الراعي والمرعي، كما هي مشـبوبة في مدنية دنيانا المادية واقتصادياتها، ومدنية دنيانا المعنوية وألوانها وبين عقائدنا وعلومنا ونظمنا. نحن أحوج ما نكون لجنود الحق ولجنود العدل. نحن أحوج ما نكون لاسـتخراج الحق المطمور بين جوانحـنا والعدل المفقود بين جوارحنا. لقد تعلمنا عن طبيعة الكون وكشـفنا خوافيه، ولم نتعلم بعد عن طبيعة أنفسـنا فنكشـف شـيئا عن خوافيها. عملنا للكفاية الذاتية للدولة الواحدة والوطن الواحـد، ولم نعمل شـيئا لخدمة قيام الكفاية الذاتية للكائن من الفرد البشـري الواحد. تعلمنا وعلمنا كيف نحمي الشـعب من نفسـه والوطن من ضعفائه، ولم نتعلم أو نعلم عن حماية الكائن الفـرد من نفسـه ومن ضعفه. شـغلنا ما لا نملك مما حولنا، ولم يشـغلنا ما نملك مما فينا. ملكنا ما حولنا مما لا يخلد، وفقدنا ما فينا مما هو خالد.
تصارعنا على المعدوم المسـتهلك لنحوزه، وأفنينا الخالد من نفوسـنا في سـبيله. ولو تصارعنا على المعروف الخالد لنكونه وننشـره، لأحيينا الخالد من نفوسـنا، وأسـلكناها سـبيلها، بالدفاع عن الحرية في كل مجتمع كاملة شـاملة عاملة. إن عقولنا لا ترفض الحق ولا تأبى العدل ولا تجهلهما في أي مسـتوى من مسـتوياتها، ولكن نزوات النفس والذات منا في سـجن الأنانية ترفض الحق وتأبى العدل. وعلى أساس من هذه النزوات تقوم نظمنا وتنتظم مجتمعاتنا.
إن الكفر بالله، هو الكفر بالناس. وإن الشـرك بالله هو الانفراد بالعمل دون هديه. وإن الحرب معه، هي الحروب بيننا. وإن السـلام معه هو السـلم ندخله في مجتمعاتنا. وإن الدين مقامة أركانه إنما هو في نشـر السـلام والمحافظة عليه، ومقوضة أركانه في هدم السـلام باسـم الحمية للـدين أو للقومية أو للوطن أو للكرامة. واليوم نهدم السـلام باسـم السـلام. مقولات لا موقع لها من قلوب القائلين بها، ولا موضع لها فيما يصدر عنهم من أعمالهم.
إخواني سـادتي
لا تغيبوا ما عرفتم من أمر الدين. ولا تغيبوا الله ولا تسـوفوه. ولا تغيبوا الجزاء ولا تسـوفوه. ولا تغيبوا قيومية الحق عليكم ولا تسـوفوها. ولا تغيبوا السـاعة ولا تجاهلوها. فالسـاعة إن سـعدتموها هي في قيامكم لمحة يقظتكم، وإن شـقيتموها هي لمحة حياتكم، من عديد حيواتكم ستشـهدوها وقد فقدتموها.
إن للـه في أيام دهركم لنفحات فتعرضوا لها… وليكن الله هدفـكم ومبتغـاكم
إنكم من الله، وإنكم إلى الله، وإنكم في الله. وما هذه الحياة البشـرية اليوم إلا ما قبل إنسـان الحـق ينفعل بإرادة الظهور فيظهر، وما هو إلا إنسـانكم. هذه الذوات جلابيب مظهره يوم تحيا القلوب بهذه الصور لمتصورها، تتواجد به حياتها ومحركُها، وفي هذا ظهوره من غيبه، وسـفوره من كنزيته. فلا تضيعوا هذه الفرصة، وتعرَّضوا لنفحات الله من بينكم، وازرعـوا كلمة الله ما شـهدتموها في أرض ناسـوتكم من القلوب. واذكروا الله كثيرا في أنفسـكم بها، تُجلى قلوبكم من ظلامها وتُطهر من رانها.
هذا هو الحق يا إخواني على ما أريد أن أتواصى به معكم، وعلى ما أحب أن تدركوه في أنفسـكم. وإن ما أريد وما أحب، وما تريدون وما تحبون إنما هو من إرادة الله ومن حب الله. ولو تركت الأمر لقلبي يتحدث إلى قلوبكم ما توقف هذا الحديث بيني وبينكم، لأن القلب لا يعرف التوقف لفعله، كما لا يعرف البـدء أو الانتهاء لإرادته، ولكنه يعرف البدء والانتهاء لظهوره. وإن في حديث القلب إلى القلب تقوم الصلاة، ويقوم الفلاح، وتقوم بالامتداد الحياة، وما قام بالقلب متصل لا انقطاع له لانهائي، وما يبرز منه من الحق لانهائي، وما ينتشـر من عدله في وجوده لانهائي… لا نهائي في عظمته وسـعته، لانهائي في قيوميته وقربه.
أمرنا في الله هو الأمر الجلل وهو لب اليقين
فأمر الله معنا ميسـر إدراكه، وغير خفي شـأنه، وليس من العسـير كشـفه. فلا تعقدوا أموركم معه لأنفسـكم. ولكن الأمر الجسـيم، والشـأن الخطير، والوضع الدقيق، إنما هو أمر النفس فيه، وأمر كيان الناس من كيانه، وقيامهم من قيامه، ومعناهم لذكره، ومعناهم لإرادته في كونه، وقيامهم بأمره، عباد قدسـه وأعلام الأقدس في لانهائي وجوده.
والعمل للعلمية على الأقدس هو العمل لكسـب العبودية له والقيام بحقيتها فيه. وهذا هو طريقنا المسـتقيم لا يسـلك إلا باختيارنـا وإرادتنا مظهرا لإرادته وحكمته. وهذا هو طريقه المسـتقيم ما عـرفنانا منه وما قمنا به. وهذا أمر جليل تدور عليه حيـاة الفـرد والجماعة والبشـرية في جميع صورها وأزمانها وبقـاعها. وما سـميت هذه البشـرية باسـمها إلا بشـرى بكسـب معنى العبودية لقدسـها في الأقدس من قيامها.
لا إكراه في الدين وبصيرتك فيك هي مفتاح اليقين
من شـاء فليؤمن، ومن شـاء فليكفر. فما مشـيئتنا بالكفر أو الإيمان إلا مظهر مشـيئته على ما أحكم من أمـره في أمرنا. أفأنتم تكرهون النـاس حتى يكونوا مؤمنين! لا إكراه في الدين تبين الرشـد من الغي. فحـرية الناس أساس اسـتقامتهم في الدين. واسـتقامتهم في الدين أساس انتظامهم في المجتمع. وانتظامهم في المجتمع أساس قيام الحق فيهم وانتشـار العدل بينهم. أعطى كل شـيء خلقه، وهدى كل شـيء سـبيله.
نحن المحامون، جنود الحق وألوية العدل. ليكن هذا رائدنا فيما نقوم به من عملنا، ليكن هذا لب صلواتنـا، ولتكن مكاتبنا صوامعنا ليسـتقيم به عملنا، ويطيب ويتزكى به رزقنا، وتنمو به عناية الله لنا، وتنتشـر به عناية الله منا. به تسـتقيم أفعالنا في مجتمعنا كرواد له، ومعلمين فيه.
هذا هو الدين في المعاملة، وهذه هي الصلاة في الصلة، وهذا هو الحق في الخلق، وهذا هو الكل في الله. إن الله وراء الناس ما نظرناه، وإن الله في مواعين الأنفس ما لاقيناه.
إن الذين كفروا وصدوا عن سـبيل الله بوهم الدين، وبوهم اليقين وبوهم المعـرفة، وبوهم الصلة إذ يعرفون سـبيل الله كلاما تلوكه الأفواه وتقبله الآذان، أضل أعمالهم وفتن الضالين بهم، ومسـخهم علـى مكانتهم فما اسـتطاعوا مضيـا في أمـرهم، ولا إلى أهلهم يرجعون بكسـبهم. ومن يضلل الله فلا هادي له، ولا ولي له، ولا مرشـد له. والذين آمنوا بما أنزل من الحق وهو الحق من ربهم ممتدا، منتشـرا متكاثرا ما ينسـخ من آية يأتِ بخير منها أو مثلها، كفر عنهم سـيئاتهم وأصلح بالهم.
إن كلمات الله الطيبات هي شـجرات جنسـكم فاستظلوا بها
إن الذين آمنوا بكلمات الله لا انقطاع لها، ودخلوا في الحق ظاهرا بها، لا دينونة عليهم ما دخلوها، ولا خوف عليهم ما عرفوها، ولا حـرمان لهم ما طلبوها، ولا احتجاب لها في أنفسـهم ما جاهدوها. إنها كلمات الله المتصاعدة من شـجرة الجنس البشـري، كلمات طيبة من شـجرة طيبة أصلها ثابت، وفروعها في السـماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. وما الشـجرة الطيبة الثابت أصلها، المتصاعد فـرعها، إلا أنتم في معاني اجتماعكم ووحدتكم. وما كلماتها الطيبة كلمـات لله إلا مفرداتكم أصولا للجنس وأوادم لبيوت لله ترفع ويذكـر فيها اسـمه في معانيكم.
فاحرصوا يا إخواني على كسـبكم في دنياكم هذه، واكسـبوا أنفسـكم كلمات لله مع كلمات الله تترى بينكم، في أخـوة مرشـدة لا تنقطع. ولا تبقوا أنفسـكم في عزلة بذواتكم، وأقيموا الصلاة بالصلة بها، واعملوا للفلاح بكسـب صفاتها، واسـتعينوا بالصبر والصلاة ميسـرا لكم في يومكم، بعيدا عنكم في غدكم.
هدانا الله وإياكم سـواء السـبيل. والسـلام عليكم ورحمـــة الله وبركاته.
مصادر التوثيق والتحقيق
من مقولة من خطبة للإمام عليّ ـ كرم الله وجهه: “…اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطناً على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث ظاهره خبث باطنه…”. بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎
حديث شريف: “كما تكونوا يولَّ عليكم.” رواه الديلمي والبيهقي. ↩︎
من حديث قدسي: “… يا عبادي! إنَّما هي أعمالُكم تُرَدُّ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمَدْني ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَه.” الراوي: أبو ذر الغفاري. المحدث: ابن تيمية المصدر: مجموع الفتاوى، وحلية الأولياء حكم المحدث: صحيح. ↩︎
حديث شريف: “لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إنَّ رَحْمَتي سَبَقَتْ غَضَبِي”. صحيح البخاري ↩︎
سورة طه – ٤٣، ٤٤ ↩︎
سورة الرعد - ٣٣ ↩︎
الحديث الشريف: “كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ” أخرجه البخاري، ومسلم مطولا باختلاف يسير. ↩︎
عن علي ابن أبي طالب _ رضي الله عنه ـ قال: سألت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن سنته فقال: المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة. ا المحدث: العراقي. وصفه أنه موضوع، وذكره الغزالي في الإحياء، والقاضي عياض في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ومعظم المتصوفة. ↩︎
سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎
إشارة إلى الآية: “إِذًا لَا شَيْءَ مِنَ ٱلدَّيْنُونَةِ ٱلْآنَ عَلَى ٱلَّذِينَ هُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، ٱلسَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ ٱلرُّوحِ. لِأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ ٱلْحَيَاةِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ ٱلْخَطِيَّةِ وَٱلْمَوْتِ”. رُومِيَةَ ٨:١-٢ ↩︎