مقدمة للسيد علي رافع بعد المراجعة والتوثيق
المعنى والمقصد من الألواح
إن “الألواح” كلمة مرادفة للصحف المكتوبة، على غرار قوله تعالى: {إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ}. فهي نصوص تتناول قوانين الحياة على مستويات مختلفة، وقد حُفظت بعناية إلهية. والفكرة الرئيسة هي أن هذه الألواح ليست وحياً أو أمراً إلهياً غيبياً، ولكنها فكر ومعارف ومعانٍ وردت للسيد رافع، فأراد أن يخرجها للناس.
كانت هذه النصوص في أصلها خطبَ جمعة، ثم جُمِعَت في أجزاء أو صحف مكتوبة. وكان السيد رافع يراجعها بعد كتابتها مراراً وتكراراً حتى يرضى عن صورتها النهائية، ثم تركها على هذه الهيئة قبل وفاته.
وقد وجدنا أنه من المفيد مراجعة هذه الألواح على نُسَخها الأصلية، لنطمئن قدر استطاعتنا إلى أن الكلمات المسطورة فيها خالية من أي زيادة أو نقصان أو تغيير، لكن هذا لا يمنع احتمال وجود بعض الأخطاء التي لم نلحظها، فالنص ليس منزَّلاً أو غير قابل للنقد، بل يمكن لمن يرى فيه ما يستدعي النقد أن ينقُدَه، طالما يستند إلى حجة وسند، وقد نتفق مع هذا النقد أو نختلف، فالأمر يرجع إلى فهم كل طرف للنص، مع الإقرار بأن وجود خلاف في بعض النقاط لا ينفي الاتفاق على أمور كثيرة. ونحن نحتفظ بحقنا في الرد على هذا النقد بما نفهمه من المعنى المقصود.
تحتوي هذه الألواح على وجه العموم على مفاهيم كثيرة ربما لم تُطرَق من قبل، ولذلك فهي تمثل النسخة الأصلية لبعض المفاهيم التي عرضها والدي. ونرجو أن يكون لها نفع وأثر إيجابي في فهم المعنى الحقيقي للإسلام والإيمان والإحسان، وللعبادات والمعاملات التي جاء بها الإسلام في صورته التي أُوحِيَت إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ويُعَدُّ هذا العمل نوعاً من التأمل فيما تلقيناه من الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى، فالقرآن الكريم نفسه فيه مما في صحفهما، وهو يرجع في أصوله إلى إبراهيم وموسى، بل وإلى آدم قبلهما. وبما أنه لم تكن هناك وسيلة متاحة لنقل هذه المعرفة عبر العصور، فربما يحمل العمل الذي نقوم به لمسة من تلك اللمسات، ويكون فيه فائدة للقارئ.
إن الدافع الأول لنشر هذا العمل هو نقل علمٍ تلقيناه، نرى أنه قد يكون مفيداً للآخرين. ونحن على استعداد تام لتوضيح أي تساؤل حول هذه المفاهيم، وتبيين ما قد يكتنفها من غموض بقدر فهمنا وعلمنا.
ما معنى “ما بين قبر ومنبر”؟
“الألواح” تمثل فترة ما بين التواجد المادي إلى الانتقال إلى عالم الروح، فالألواح جاءت ما بين قبر ومنبر؛ قبل القبر وبعد المنبر. كلمة “المنبر” ترمز للحياة، و"القبر" إلى الانتقال، فهي فترة بين الحياة والانتقال؛ ما بين انتقال إلى العالم الآخر وحياة على هذه الأرض. المنبر حياة على هذه الأرض، والقبر حياة بعد هذه الأرض، حياة روحية لا تغيب.
الرسالة الأساسية للألواح
لا نستطيع الادعاء بأننا نعرف كل ما أراده السيد رافع، لنقول إن هذا هو ما جاء به وهذا ما يبتغيه من هذه الصحف، لأنه لم يخبرنا مباشرةً بالهدف منها. إنما يرجع الأمر إلى فهمنا نحن لهذه الأحاديث، التي نعتقد أنها قد تضيء الطريق لمن يجدون أحيانًا في الإسلام نقاطًا يصعب عليهم استيعابها أو تقديرها؛ فربما توضح هذه الألواح وما تحويه تلك النقاط.
وبطبيعة الحال، لا ندعي أن الجميع سيوافقون على ما فيها من مفاهيم، فربما تكون هناك اعتراضات. لكننا لا نقول بوجوب التوافق على كل شيء، وإنما هي وجهات نظر ومواضيع تحفز العقول على التفكير أعمق في رسالة الإسلام. هذا هو اعتقادنا، وقد نكون مصيبين أو مخطئين في ذلك، ففي النهاية هي حرية الفكر التي لا يجب أن تُقيَّد بأي شكل من الأشكال، وإنما هي مجرد محاولة لدفع الإنسان إلى التفكير.
وهذا ما نحاول التركيز عليه دائمًا: ألا يُتصوَّر وجود مفهوم واحد للقضايا الجوهرية يجب أن يسود، أو أن هذا هو الحق المطلق وما سواه هو الخطأ المطلق. بل توجد دائمًا مساحات رمادية بين هذا وذاك، وربما يكون هذا الجزء الرمادي في مرحلة ما سببًا في دفع إنسان إلى التفكير بعمق أكبر، ومن ثم يستطيع نقل الأفكار بصورة أوضح.
هذه محاولة منا، قد نكون أصبنا فيها أو أخطأنا. فإن كان فيها من خطأ فهو خطؤنا في المقام الأول، وإن كان فيها من صواب فمرجعه إلى الأحاديث التي أدلى بها السيد رافع في خطب الجمعة وغيرها من المناسبات.
علاقة الألواح بــ “سيلفر برش”
يرتبط اسم “سيلفر برش” بموضوع شائك، وهو قضية الحيوات السابقة وفكرة أن للإنسان أكثر من حياة. وهو مفهوم شائع في ديانات الشرق الأقصى، كالهند واليابان وبلدان أخرى، كما يوجد في بعض الدول الغربية مثل إنجلترا، ويقوم على فكرة أن الإنسان قد يكون له أكثر من وجود على هذه الأرض. وهذا الفكر له من يقبله ومن يرفضه، ولا يعنينا هنا القبول أو الرفض، ولا ندّعي أن هذا هو الحق أو الباطل، وإنما نذكر أن هذا أمرٌ قد حدث ويحدث.
في الدائرة التي كان يقودها السيد رافع، كانت تُعقد جلسات روحية تخاطب فيها الأرواحُ البشر. لذلك، رأى السيد رافع أنه من باب إحقاق الحق أن ينسب الفضل إلى “سيلفر برش”، وهو في حقيقة الأمر روحٌ مرشدٌ. وقد لا يقبل الكثيرون ما سيُذكر الآن، ولكن المفهوم السائد حينها كان أن هذه الروح عاشت في حياة سابقة، أو ما يُعرف بالتناسخ، وتجسدت في شخص من الهنود الحمر في أمريكا. وقد أتت هذه الروح ببعض المعارف الروحية، وهي مسجلة في جلسات الدائرة التي كانت تُعقد في لندن بقيادة هانن سوافر، الذي كان رئيس اتحاد الصحفيين آنذاك في فترة الأربعينيات من القرن العشرين. وكانت هناك مجموعة من المصريين يؤمنون بهذه الفكرة ويتلقون اتصالًا روحيًا من خلال الروح المرشد سيلفر برش، وقد انضمت هذه المجموعة إلى السيد رافع الذي كان يتبنى منهجًا يجمع بين الجانب الإسلامي والإيمان بالروحية.
أما المجموعة الأخرى فكانت تؤمن بالروحية وحدها، بمعزل عن الدين، فحدث انفصال بين المجموعتين. واستمر الاتصال الروحي بين دائرة السيد رافع وسيلفر برش حتى عام ١٩٧٦، فعلى الرغم من أن السيد رافع قد انتقل عام ١٩٧٠، إلا أن الوسيط الروحي ظل موجودًا في الدائرة حتى ذلك العام.
ولعل السيد رافع رأى أنه من الصدق في التبليغ الإشارة إلى أن هذه المعاني، أو ما قاله وأدلى به، قد تأثر بهذا الاتصال الروحي. ولذلك رأى أنه من الأمانة ذكر ذلك على غلاف كتاب “الألواح”. كما توجد في نهاية بعض الخطب والأحاديث فقرات منسوبة إلى الروح المرشد سيلفر برش، اختارها السيد رافع بنفسه، ونشرت تحت عنوان “أضواء على الطريق”. وهذا هو سبب ظهور اسمه. على غلاف أجزاء “ألواح بين قبر ومنبر”.
ولهذا السبب، أسس السيد رافع “الجمعية الإسلامية الروحية” في بدايات الخمسينات من القرن العشرين،
لتعبر عن هذا الدمج والتناغم بين الروحية والإسلام. وقد جاء مسمى الجمعية نتيجةً لهذا الارتباط؛ ففي نظر السيد رافع، الإسلام ذو معنى ممتد لا ينتهي، ويأتي كل يوم بمفهوم جديد وصورة متجددة من التواصل، ومن هذا المنطلق ربط بينهما.