(١)

الله رحمته ونعمته وعظمته
في قربه وبعده

حديث ألقي بنادي إدارة قضايا الحكومة

٣٠ رجب ١٣٧٤ هـ - ٢٤ مارس ١٩٥٥ م

اللـهم إنك أنت أنت. كما تعلم. اللـهم أحي برحمتك قلوبنا، وأنر بحكمتك عقولنا، وزكي بهديك نفوسـنا، اللـهم تولنا فيما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم من أمرنا. اللـهم أقم بك فيك جـوارحنا ثناء لك فيك، ولجوءا إليك، واسـتعانة بك، وتوكلا عليك، إنك أنت مولانا ومحيانا، وأنت على كل شـيء قدير.

سـيدي الرئيس… أسـاتذتي… إخواني…

إني لأحمد اللـه إليكم أن هيأتم لي هذا المجلس الكريم منكم، لأتحدث إلى نفسي، في حديثي إليكم، مسـتمدا من نـور قلوبكم، ومن صادق رغبتكم في الاجتماع على اللـه في أنفسـكم.

وإني إذ أقول إني أتحـدث إلى نفسـي بلسـانكم أعني ما أقوله، فما اجتمع جمع في اللـه ذاكـرين له مثنين عليه متواصين فيه، طالبين المعرفة عنه، والمعرفة به، إلا كان هو معهم وجمعهم، وكان فيهم المتحدث والسـامع، وكان لهم الممد والمعين والراحم.

وإني إذ أتحدث عن اللـه، فإنما أتحدث عن رحمته وآلائه، وعظمته في قربه ونعمائه… فإنه تعالى كما يعلم، لا نحصي ثنـاء عليه ولا نحيط علما به. وقد أعلمنا على لسـان رسـله وعن طريق كتبه أنه معنا حيثما كنـا. وأنه قائم على كل نفس منا. وأنه هو الآخذ بنواصينا، وأنه هو المتولي لأمورنا والراحم لنا، والقريب منا. وينبهنـا إلى ذلك في قوله {وفي أنفسـكم أفلا تبصرون}[١] منبها إلى حيث نراه ونجده.

فإننا إذ نتحدث عنه تعالى تتجول عقولنا بالفكر فيه وهو منها قريب. وتستشـرف نفوسـنا لطلب معـرفته وهو معروف لنا بقيامه علينا في قيامنا. معروف لنا عن طريق الإدراك في هذا القيام والإحسـاس به.

فالإنسـان يا إخواني أشـرف مخلوقات اللـه، الغيبية والظاهرة. والإنسـان يا إخواني هو الكائن المتميز في مملكة اللـه وفي ملكوته. وهو الكائن الذي أوجده بعظمته وبقدرته ليتعارف إليه وليعرف عنده. وليعرف به إلى ما سـواه…

فهو الكينونة الحادثة على مثال من قديم من أمرها. فهو ذكر اللـه المحـدث على مثال من ذكر اللـه القديم به. وهو كلمة اللـه المرسـلة في وجـوده تعريفا عنه، وتعارفًا إليه، ومعرفة به في قيامها بذاتها من سـر قيامها عبدا له.

فإذا قلنا اللـه وذكرنا هذا اللفظ فإنه يتكيف في أفئدتنا على معان مختلفة بقدر إدراكنا فيه، وإدراكنا عنه، وتنزيهنا له.

هذا اللفظ الكريم الذي يطيب ترديده ويحلو الحديث عنه، وتقصر العقول عن الفهم فيه والإدراك له لفظ كريم جليل في ذاته عظيم في أسـراره. هذا اللفظ الذي نقوم بقيـامه، ونحيا من معانيه، وننعم بمغانيه، ويهيئنا به لمعرفته قياما به قائما علينا، وقائما بنا، وقائما فينا…

هذا اللفظ يا سـادة - نردده كثيرا ويجب أن نتأمله في ترديده، ونجعل هذا الترديد صادرا من أعماقنا محبة له واتحادا به وتوحيـدا له فنفكر به فيه. تفكيرنا فيه وتأملنا في آلائه وفي عظمته، وفي قربه منا، هذا هو الدين في جوهره. وهذا هو الذكر في مخبره.

فليس ترديد اللفظ بلا وعي لمعناه أو تفكير في آلاء اللـه معنا ذكرا للـه. ولكن تأملنا فيما هو بنا، وفيما هو حولنا، وفيما نقوم فيه من حياة، وردّ هذه الحياة إلى أصولها، والتفكير في حكمة اللـه فيها، وفي عظمـة اللـه معها مقترنة بما يبرز في كل لمحة وفي كل وقت من آياته ظاهرة لنا في حياتنا، وفي أنفسـنا وفيما هو حولنا.

هذا هو الدين إن طلبناه. وهذا ما يرشـدنا إليه رسـول اللـه عليه الصلوات، وهو يقول (تفكر ساعة خير من عبادة عام أو خير من عبادة سبعين عام)[٢]. فليس للمناسـك مرتبة متقدمة في أسـس الدين. ولا تأخذ وضعها بين أسسـه إلا بجوهرها لا بأشـكالها. فالعبـادة بالفكر هي التي تهييء النفس للزكاة والعقل للنور وتهيئ القلب للحياة.

وإننا إذ نذكر اللـه ونفكر فيه ونتأمل في حقيقة الأمر فإنما نتأمل في حياتنا وفي وجودنا وفي علة وجودنا وحكمة هذا الوجود وفي سـره. فإن نحن فعلنا ذلك وفعلنا بما جاء به هدي اللـه مع رسـله وهم في اللـه جميعا لا يفترقون وباجتماعهم يتكامل هديهم وتبرز حكمة ربهم، وتأملنا في كتب اللـه وكلها يهدف إلى هـدف واحـد لا يختلف، حققنا علـة خلقنا وحكمة إيجاد الموجد لنا بمحاولة الفهم في أسـرار حياتنا، وفي تطور نفوسـنا.

وإن الإنسـان لو تأمل في نفسـه يا سـادة، لعجز عن إدراك نفسـه في حقيقة الأمر، وسـيبقى عاجزا عن إدراكه لها في حدود ما يوجد بـها. وإن اللـه سـبحانه وتعالى في مَنِّه علينا بالإيجـاد لأنفسـنا بعاريـة نفسـه معنا مَنَّ علينا أيضا بالهدي منها في قوله {أعطى كل شـيء خلقه ثم هدى}[٣] فإذا تأملنا في قوله، {أعطي كل شـيء خلقه} تبين أن اللـه سـبحانه وتعالى أوجدنا كائنات مختارة ممكنة، أوجد فيها كفايتها من أسرار قدرته ومن سلطان حكمته. وهيأ لنا فينا أسباب التطور فيه بجهاز وجودنا من ذات عوالمه، بمحاولة تطهير أنفسـنا من أدرانها، وتجديدها بالحق تخلصا من موصوف الخلق عن طريق فعلها بذكره.

فلنتأمل في قوله {أيحسب الإنسان أن يترك سدى . ألم يك نطفة من مني يمنى . ثم كان علقة فخلق فسوى . فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى}[٤]

فالإنسـان لو تأمل في نفسـه وفي حياته هذه التي يحياها، وهو يعلم بدأها كما يعلم منتهاها، وقد تواجـدت له في هذه الحياة صورة مجسـمة متكاثرة في مظهر حيوات متعددة في حياة، تأمل كيف أنه تطور من علقة إلى مضغة إلى طفل إلى شـاب يافع إلى رجل قادر إلى شـيخ حليم ورع واع، وتأمل ما يمر عليه في حيواته هذه على قصرها كجزء في مدى حياته الحقيقية أوفي مدى حيواته القديمة والحاضرة والمسـتقبلة. وأقول حيواته لأننا كلنا والحمد للـه مؤمنون بالتبليغ، والتبليغ يرشـدنا أن لنا حياة روحية، قبل حياتنا الذاتية، وأن لنا حياة روحية بعد حياتنا المادية، وأن لنا حياة ماديـة بعثا من حياتنا الروحية، وأن حيواتنا القديمة والحاضرة والمسـتقبلة، حلقات متصلة في الحياة الكليـة لوجودنا… لوجودنا الحي من حياة اللـه الأبدية الأزلية، القائمة السـرمدية. وقد أمدنا بالحياة من حياته، وأمدنا بالحكمة من حكمته، وأمدنا بالقيام من قيامه، وأمدنا بالوجود من وجوده، وهيأ لنا أسـباب الصلة به بإدراكنا للحياة في إدراك حياتنا في أنفسـنا، فسـبحاننا من سـبحانه بكرمه وجوده، وهو القائل في حديثه القدسـي على لسـان نبيه (ما ظهرت في شـيء مثل ظهوري في الإنسـان)[٥] وهو إذ يشـير إلى هـذا التكريم يبرز القدسـي في الإنسـان مضافا إلى نفسـه في سـر نفوسـنا منه، موصولة به، مهيأة لمعرفته بحكمته، قادرة على الرجوع إليه بنعمائه وهديه. ويلفتنا إلى هذا الأمر الجليل الخطير في أنفسـنا في قوله {ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسـئا وهـو حسـير}[٦]، {فكشـفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}[٧]

وهو إذ يخاطب عبده ونبيه ورسـوله بهذا الخطاب إنما يخاطبنا جميعا به في قوله {لكم في رسـول اللـه أسـوة حسـنة}[٨]، وفي قوله له وهو ينبهنا في هذا القول هو { الذي يراك حين تقوم وتقلبك في السـاجدين}[٩].

فنحن إذ نتحدث عن اللـه متأملين متفكرين يجب أن نتجاوب في هذا التفكير وفي هذا الحـديث، متحررين بعض الوقت وبعض الشـيء من قيود ما توارثنا في العقيدة حتى يمكن لنا أن نصل إلى فهم كريم في اللـه…

اللـه سـبحانه وتعالى… لا إنكار على وجوده، ولا جحود لنا في أمر جوده. ولا خلاف بيننا على وحدانيته أيا ما كنا وعلى أي مذهب أو مشـرب أو دين ذكـرنا. فإلهنا في الحقيقة واحد وربنا في الحقيقة واحد. نحن على اتفاق لفظي فيه ولكنا على صدق أو خدعة في طلبه أو توهمه.

والذي يخدعنا فيه ويبعدنا عنه ظلمة نفوسـنا بأعمالنا في حقيقة الأمر، وتوارثنا لمعان تفصل بيننا وبينه معنا، وتباعد بيننا وبين الصلة به والإدراك له فينا، وهو في حقيقة الأمر منا قريب ولنا مجيب.

فلنتأمل في قوله {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}[١٠]

فنحن إذ نطلبه يحول بيننا وبين تحقيق هذا الطلب حوائل من سـوء الفهم وسـوء الإدراك، فبأي أسـلوب نطلبه؟ إننا نريد أن نتأمله أمـرا بعيدا عنـا غير قائم فينـا، غير قريب منـا، غير قائم بنا. فنحن إذ نطلبه على هذه الصورة نباعد بيننا وبينـه فى حقيقـه الأمر. ولكن إذا طلبنـاه فى قلوبنـا - وهي محل إفاضتـه ومحـل التـعارف إليه - وتأملنـا في المثل المضروبة منه تعالى لنا - ولسنا إلا مثالا لهذه المثل المضروبة - في صور عباده من كلماته وأنبيائه تلاقينا معه على الصراط المسـتقيم.

فلنتأمل في قولـه لمحمد عليه الصلاة والسـلام ومعنى القول {قد نرى تقلب وجهك في السـماء فلنولينك قبلة ترضاها}[١١]، ولنتأمل في تأمل إبراهيم عليه السـلام وهو يفكر فيتحسسـه في مظاهره الكونية من الشـمس والقمر والنجوم، فلا يجد في هذا غنية مشـبعة لما في غريزتـه من غريزة الطلب له وفطـرة الاجتماع عليـه. وكلنا في هذا المعنى إبـراهيم، وكلنا في هذا المعنى محمد. فلم تشـبع الشـمس ولا البيت الحـرام من مسـجد مكـة شـوق أحدهما إليه، أو يجد بأيهما غنية فيما يطلب.

فنحن إذ نقول لا إلـه إلا اللـه نردد هذا اللفظ بلا تأمل عميق فيـه، ونتوارث معنى في الوحدانيـة لا يهيئ لنا أسـبـــاب لا إلـه إلا اللـه. ولو تأملنـا في حديث رسـول اللـه وهو يقول على لسـان اللـه (لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن عذابي)[١٢]، وهـذا الحـديث القدسـي يؤيده قولـه تعالى في كتابه {واذكر ربك في نفسـك}… كيف تذكـره بعيدا عنك؟ {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين}[١٣]. ولنتأمل في قولـه {في بيوت أذن اللـه أن ترفـع ويذكر فيها اسـمه}[١٤]، وهو يشـير في هذا إلى قلوب العباد عامرة بـه مدركة لمعـاني الحياة فيها من حياته تعالى. ولنتأمل وهو يشـير إلى صلة عبدين فيه… محمد عليه السـلام في شـدة ضعفه وهو على الأرض بين أهلهـا مع رفيـق أعلى شـديد القـوى في السـماء، وهو يقول {علمه شـديد القـوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دني فتدلى فكان قاب قوسـين أو أدنى. فأوحى إلى عبـده ما أوحى. ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى}[١٥]؟ إن شـديد القـوى لم يوصف بمقام العبودية له. ووصف به صاحب الذلة له والضعف معه. والعبودية ألصق وصف بالحقائق الأقرب إلى اللـه.

إن اللـه سـبحانه وتعالى قريب منا مجيب لنا. فإذا قلنا أين اللـه؟ ومتى اللـه؟ وما اللـه؟ وكيف اللـه؟ ولِمَ اللـه؟ فلنتأمل في هذا التسـاؤل ونتجاوب عنه في أنفسـنا لأنفسـنا. فإن اللـه قد أوجد في غرائزنا حكمة طلبه، وغريزة طلبه، وغريزة الشـوق إليه، وغريزة الصلـة به لأننـا في الحق وفي الأمر الواقـع موصولون به قائمون به فعلا. وإن الذي نخشـى أن نفقده بغفلتنا في تطورنا بحقيقة هـذه الصلة إنما هو هذه الصلة نفسـها فنهلك ولا نربح. وقد كان بنا قائم. به صنعنا أنفسـنا بعملنا بعيدة عنه غريبة علينا، فتركنا لفعلنا وما هو إلا فعله بنا.

إن اللـه يُعرف بعظمته في هذه الحياة المحجوبة، فيأمر الحياة العارفة التي أسـفر لها بوجهه أن تقدسـه في الحيـاة المحجوبة لأنـه أعد هذه الحياة المحجوبة لأمر، ومطورها ومهيؤها به لمعرفة أسـمى وأرقـى من معارف هذه الحياة الظاهرة لها، العالمة ببعض الأمور عنه إبرازا منه لها لمجال من لانهائيته في طريقه للظهور…

لأننا في هذه الحياة المسـربلة بالحجاب وهو يقول لنا إنه قائم على كل نفس، ولم يجعل لنفس منـا على هذه النفوس سـلطانا، بل جعل سـلطانه قائما على كل نفس بما كسـبت مشـيرا إلى أن هذه النفوس المحدثة هي ذكر له محدث، ضرب لها مثلا من ذكر محدث من أنفسـهم أكرمـه بينها في كلماته، وكتبه، أو أنبيائه. فلنتأمله وهو يقول {ضرب ابن مريم مثلا}[١٦]، {إن مثل عيسـى عند اللـه كمثل آدم}[١٧]. ضرب ابن مريم مثلا لنـا جميعا. فإذا كان هو عليه السـلام كلمة من اللـه مطهرة، وعلما على معرفته وعلى نعمائه على عباده ظاهرين بنعمة اللـه، أكرمه اللـه معرفا عنه روحا من روحـه وكلمة من كلماته، فإنه في هذا مثل لنا جميعا نحيا على مثاله إن شـئنا، ويعدنا اللـه بعظمة قدرته وبنعمته وبعظمة عطائه وبقربه أن يهييء لنا أسـباب التواجد به إن طلبنا، حتى تسـتقيم لنا طريق التعارف إليه بقيامنا فيما هو قائم فيه من روح اللـه، ومن العلمية عليه كلمات له دالة عليه، متعرفة إليه، متشوقة لطلبه بغريزة الحياة، وروح الله فيها. وهو اذ قدم لنا مثالا آخر من جماع الكلمات المتكاثر بالكتب والأمهات فى محمد علية الصلوات، فلم يحرمنا بعظمة جوده نعمة أن نكون على مثال من عطاء اللـه له، على ما أبرز فينا من حسن الخلق المضروب فيه. وهذا ما يهدينا اليه رسول اللـه بلسان الحق وهو يقول: تخلقوا بأخلاق اللـه… إن للـه ثلاثمائة خلق من تخلق بإحداها دخل الجنة.

إذا تخلقنا بأخلاق اللـه! وكيف نتخلق بأخلاق اللـه؟ وما معنى التخلق بأخلاق اللـه؟ وهل تَخَلَّق محمد بأخلاق اللـه؟ …

إن من خُلُق اللـه سـبحانه وتعالي كما نعلم أنه حليم وأنه عليم وأنه خبير. ومن خلقه سـبحانه وتعالي أنه قادر وأنه خالق. فإذا تخلقنا بأخلاق اللـه الخالق بعظمة قدرته فيما وهبنا من قدرة من قدرته في حدود إمكانياتنا، مسـتمدة من إحاطة إمكانياته فَوجَّهنا القدرة المودعة فينا والمؤتمنين عليها وهي أمانته فينا، وجهناها لذواتنا ونفوسـنا، وهو الذي أعطى كل شـيء خلقه فزكينا أنفسـنا فيه كما هدانا، وتوجهنا إلى الوجهة التي وجهنا إليها برحمة هديه لتطورنا فيه تطورا يخرجنا من ظلمات أنفسـنا إلى نور معرفته قائمة بنا.

وإذا قلت إلى نور معرفته وهو الذي يعرِِّف عن نفسـه جل وعلا لمن يعرف بكشـف الغطاء عنه لنفسـه قائما به، مقربا تعريفه بقوله {اللـه نور السـموات والأرض}[١٨]، وهو يضرب لنا مثلا لهذا النور بمشـكاة فيها مصباح يوقد من شـجرة مباركة هي في الحقيقة شـجرة الجنس البشـري القديم بقدم اللـه، وقد جعل اللـه من مفرداته مثلا لنوره في وحدة من نور الكون للسـموات والأرض… فإذا قلت النور فإنما أعني هذا اللفظ بمعناه من الطبيعة، ومن الحقيقة بما اسـتطعنا أن ندرك في عصرنا الراهن من أسـرار عن الطبيعة كانت قبل هذا العصر خفية على الناس من أسـرار الكون.

فإن اللـه سـبحانه وتعالى وهو يقول { النور الذي أنزل معه }[١٩]، وهو يقول {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمـان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشـاء}[٢٠]، وهو الذي يقول {نور على نور يهدي اللـه لنوره من يشـاء ويضرب اللـه الأمثال للناس}[٢١]

فأوانينا يا إخواني هي مشـكاة اللـه المنيرة بنور الحياة، والقابلة في حقيقة أمرها لإفاضات النور الإلهي والاسـتزادة منه. فهي الأواني القابلة لاسـتقبال نور اللـه المفاض دائما من حضرة قدسـه وحضرة إحاطته، ومن وجوده المطلق الذي لا يحيط به محيط ولا يدركه مدرك، إلا بقدر ما يتفضل سـبحانه وتعالى على هذه القلوب من أنوار تهيئ لها أسـباب التعارف إليه قائما عليها، فاعـلا بها، كاشـفا حجب الغفلـة من أنفسـنا بإفاضة النـور مشـرقا في ظلمات هذه النفوس حتى نشـرق بنور وجوده، ونور معرفته ومعارفه…

فقيامنا -إن بدا لنا قيام- ظُلماني في مظهره إلا أنه قيام نوراني في جوهره. فإن نحن طلبنا اللـه نور السموات والأرض في نورانية حقائقنا، وإنارة طبائعنا بإفاضة نوره على نور حياتنا متعرضين إلى نعمائه، ورسـول اللـه يقول لنا (إن للـه في أيام دهركم لنفحات فتعرضوا لها)[٢٢]، فإن نحن تعرضنا لنفحات اللـه وهي منا دوما قريبـة، وإنها قديمة بقدمه، قائمة بقانون وجوده فى كل وقت، وفي كل عصر، وفي كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل حياة نحياها… إن نحن هكذا فعلنا لوجدنا اللـه قريبا كما وصف نفسـه بالإجابـة، ولوجدناه غفـورا كما وصف نفسـه بالمغفرة، ولوجدناه واحدا أحدا صمدانيا ماحيـا لوجودنا في عظمة وجوده، ظاهرا لنا فينا معلما ولنا هاديا، آخذا بنواصينا، مقيما لنا كلمة منه قائمة مشـرقة بنوره وبمعرفته، وبالحـديث عنه، وبطلب المزيد من نوره ومن رحمته ومن نعمته.

فلنتأمله وهو يقول {من اللـه ذي المعارج. تعرج الملائكة والروح إليه}[٢٣] فصاحب المعارج والعارج بالملائكة والروح تعالى سـبحانه عن المكان، وعن الزمان، وعن الكيفية. فهو إذ يعرج بنا إنما يعرج بنا في تطوير أنفسـنا فيه من معراج إلى معراج حيث نحن لا مكان، وحيث نحيا لا حيوان، وحيث نوجد لا زمان.

فهو سـبحانه وتعالى إن أخرجنا باصطفائه، وبإحياء قلوبنا بنوره وهي حية بحكمة إيجادها، لأخرجنا من دائرة العدم في عالم العدم في صورة الحياة من عالمنا-الذي يأخذ صورة التوقيت أو العدم- إلى حياة دانية قطوفها، مذللة سـبلها، مخرجا لنا بينه وبيننا في أعماق مداركنا، وفي أعماق حياتنا، مطمئنًا لنا بأن حياتنا فيه قائمة متصلة، مُدرِّكا لنا بأننا بذكـره لا نخيب ولا نفنى، بل تجري علينا نواميس الحياة الخالدة بما خلق لنا من نظام الغيبة بالموت والظهور بالحياة )المولد( …

كلنا ينشـد الحياة، وكلنا يخشـى الموت. وهو يقول لنا خلق لنا الموت والحيـاة ليبلونا، فهو إذ يشـير لنا أن الموت مخلوق لنا لاختبارنا فهو أمر عارض على حياة موجودة فعلا، فإذا نحن حققنا له حكمـة خلقه فينا وهو الذي خلقنا لعبوديتـه، وما عبوديته في حقيقة الأمر إلا تمهيد هذه الأواني العابدة له، أي المعبِّدة لأوانيها لحلول أنـواره ولإفاضـة معارفه وحكمته وأسـراره …

إن عبَّدنا أنفسَـنا وهو مُعبِّدها بحكمة خلقها للتعارف إليه، وهو إذ يسـمينا الإنسـان وهذا اللفظ في ذاتـه يحمل معنى حكمة خلقنا من معنـى (أُنسـان)… أُنس وأُنس. أُنسـنا به ربا عظيما كريما خالقا مدانيا، وأنه بنا معروفا لنا إذ يفاخر بنا على سـائر مخلوقاته بما أودع فينا من سـر طلبه على حجابنا، ومن سـر معرفته عندنا معروفا مع هذا الحجاب معرفة أرقى وأسـمى في ذاتها من معارف عوالم هو مسـفر لها بقربه، وبنعمائه، وبجلائه، وبنوره. وما بين الأُنس متصـلا والأُنس محجوبا تقوم وحدانية (الإنسـان) عارفا معروفا.

فأُنسـان هو أُنس العبد بربه، وأُنس الرب بعبده، و(إنسـان) إنس في قيوميته، وإنس في قيـامه هو إنسـان في وجوده. وإذ تحدثنـا عن لفظ (إنسـان) أو (أُنسـان) في معناهما نشـير إلى لفظ اللـه في معنـاه من حيث اللغة. لو تأملنا هذا اللفظ في الواقع وجدناه يدل على مراد اللـه فيـه لنا بترديده. هذا اللفظ يتكون من ثلاث مقاطـع (ال) وهـي أداة التعريف، و (لا) وهي حرف نفي و (هـو) وهو أول الأسـماء الحسـنى {هو اللـه الحي}، وإذا تأملنا إلى ما يعرفنا به الفقـه تعريفا لهذا اللفظ نجدهم يقولون هو اسـم علم دل على الذات الأقدس.

ال ـ لا ـ هو. هذا العلم الذي تسـمى بهذا الاسـم خرجت معرفته باللـه عنده وعند عارفه من كنزية احتجابه وغيبته إلى عظمته معروفا في صاحب هذه العلمية عليه. فهذا العلم في جوهره أقداسـا ما زال في كنزيته وغيبته، وفي حقيقة أمره هو إنسـان اللـه. هو نور اللـه القدسـي من نور إحاطته. هو قبضة نوره القدسـية المتعارفة في ذاتها إلى عين معناها فيها منها من الإنسـان، أو محدث ذكـره من نور اللـه الموجود المطلق. إنه عبد اللـه والتي منها خلق وجـودا عظيما تحجب بهذا النـور عن موجوداته، كما يشـير عليه الصلاة والسـلام إن للـه في عظمته حجب من نور وظلمة، لو أنه تكشـف لهذه الأكوان بغير هذه الحجب من نور وظلمة لاحترق الكون في علوياته وسـفلياته من سـبحات وجهه الكريم.

فاللـه المعبود والأقدس من الشـهود لا يشـير إليه لفظ، لأننا لو تأملنا في اللفظ لوجدنا أن هذا اللفظ كاسـم علم لا بد أن يتواجـد بترديده كاسـم محدود لمسـمى في الخاطر، ونحن نقول إن الاسـم يدل على المسـمى، ويحدد الاسـم طبعا مسـماه. فكيف يكون صالحا للتعريف عن الموجود اللانهائي؟

فهذا الاسـم إنما يشـير إلى ما نُعبِّد أنفسـنا له، كما نُدرك بتأملنا في معبودنا الذي نصفه بجميع المحامد.

فإننا إذ نردد لفظ اللـه فإنما يجول في خاطرنا هذا الخالق العظيم، والرب الكريم، والإلـه المقدس والموجود غير المشـارك في عظمته، وفي قدرته، وفي نعمائه، والذي عرفناه من إدراك وجودنا، ومن غريزة طلبنا للاتصال والتعارف بموجودنا القديم الذي نصلح بتعبيد أنفسـنا له للعلمية عليه معلوما لنا.

فإذا قلنا ال لا هو فإنما نعني القيام المدرك في ذاته بوجود الحق فيه مدركا عنده قائما به، يدرِّك به عند غيره على ما يدرك به عنده.

ونحن إذ نقول لا إلـه إلا اللـه وجب علينا أيضا التأمل والتحليل للفظ إلـه، فهذا اللفظ أيضا بما يحمل من معناه في اللغة يتكون من مقطعين: إلى… هو… وبذلك كان لفظ الجلالة لا إلى هو إلا ال لا هو. فإذا تأملنا في أنفسـنا طالبين، وذكرنـا اللـه معنا موجـودا مؤمنين، ونسـينا فـي اللـه أنفسنا منفصلة عن وحدانيته، وهو الذي يقول لنا {واذكر ربك إذا نسـيت}[٢٤]، كيف أذكر ربي إذا نسـيت؟ كيف أذكر وأنا ناسـي؟ ولكنه سـبحانه يوجهنا أنه إذا نسـينا أنفسـنا قادرة بما أودع فيها من قدرته، ورددنا ما فيها من قدرة إلى عظمة قدرته، وذكرنا أنفسـنا موجودة بوجوده ولم نذكرها منفصلة عن وجوده، ولا عن نعمة جـوده… إذا نسـينا انفصال هذه الصفات وهذه الكينونة عن القيام له سـبحانه وتعالى… إن فعلنا ذلك كنا له ذاكرين. فإن نحن ذكرناه على غير هذه الصورة كنا له غير ذاكرين، بل بأنفسـنا مسـبحين وله مباعدين، وهذا معنى واذكر ربك إذا نسيت أي إذا نفسك أنسيت. ولنتأمل في قوله تعالى {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون. لاهية قلوبهم}[٢٥]، وقوله {وأقم الصلاة لذكري}[٢٦].

فالإنسان في حقيقة أمره محل نعم الله، ونعمة الله عليه جليلة وعظيمة يعجز عن إدراكها، وعن فهمها. فإذا هو تأمل فهو ذكر لله سبحانه وتعالى، فإذا ذكر الله كثيرا فاستيقظ قلبه في الله بذكره، وحيا بذكره، كان هو في ذاته ذكرا محدثا في الله، وهذا معنى كلمة الله وروح منه - الذي ضرب مثلا لأمة محمد.

فإن نحن ذكرنا اللـه ونحن نسـأله أن يجعلنا جميعا من المردودين إلى أحضانه ربا كريما، قريبا، مجيبا، منعما… إن نحن هكـذا فعلنا دخلنا في حصن لا إلـه إلا اللـه. وإن نحن دخلنا في هـذا الحصن الكـريم القريب الداني بنعمتـه أمنـا من غضبته، وأمنا من عذابه، ورحمنا برحمته، ودنت منا قطوف الحيـاة، وقطوف النعمـة، وهو يقول {قطـوفها دانية}[٢٧]، {وجنـى الجنتين دان}[٢٨].

فنعمته في الحقيقة مدانية فلنتأمله وهو يقول {ولمن خاف مقام ربه جنتـان}[٢٩]، فنحن إن اسـتيقظنا في اللـه سـبحانه وتعالى حوَّل لنا هذه الحياة وهذه الدار إلى جنـة قطوفها دانية من نعمة معرفته، وانتقل بنا في حيواتنا من جنة إلى جنة. وإن نحن غفلنا عنه تعالى كان في هذا عذابنا، وما عذابنا إلا بعدنا عن الحياة بذكره ومن التعرض لنعمة الحياة به في حيواتنا قائمة. وبذلك نسـلك سـبيل الهلكة. وبذلك كانت هذه الـدار- كما يقول الرسـول- أول أبواب جهنم لأهل الغفلة عن هذا المعنى. وبذلك ينتقل الناس فيها من غفلة إلى غفلة يبعث فيها المرء على ما مات عليه. كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها. وإن هكذا واصلوا انتقلوا من دار إلى أسـوأ منها حتى يصل الغافل النار الكـبرى، ثم لا يموت فيها ولا يحيا لأنه سـلك سـبيل الهلكة ولم يسـلك سـبيل الحياة.

فالحياة في اللـه سـبحانه وتعالى قائمة مدانية ما اسـتحيينا اللـه في حياتنا، وما اتقينا اللـه في أعمالنا، وما ذكرنا اللـه في أنفسـنا، وما قمنا باللـه في حياتنا وقيامنا.

{وهو الذي في السـماء إلـه وفي الأرض إلـه}[٣٠]من هدي الإحاطة

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الذاريات - ٢١ ↩︎

  2. حديث شريف: “تفكُّر ساعة خيرٌ من عبادةِ ستين سنة.” تخريج الإحياء للعراقي، كما أخرجه أبو الشيخ في ((العظمة)) وابن الجوزي في ((الموضوعات)) باختلاف يسير. ↩︎

  3. سورة طه - ٥٠ ↩︎

  4. سورة القيامة - ٣٦-٣٩ ↩︎

  5. مقولة صوفية تبرز معنى أن الإنسان خليفة الله. ↩︎

  6. سورة الملك -٤ ↩︎

  7. سورة ق - ٢٢ ↩︎

  8. سورة الأحزاب - ٢١ ↩︎

  9. سورة الشعراء - ٢١٩:٢١٨ ↩︎

  10. سورة البقرة - ١٨٦. ↩︎

  11. سورة البقرة - ١٤٤ ↩︎

  12. حديث قدسي رواه الإمام علي بن أبي طالب عليهم السلام، المحدث العراقي، بإسناد ضعيف، االمصدر: تخريج الإحياء للعراقي. كما جاء بلفظ: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: سمعت جبرئيل عليه السلام يقول: سمعت الله عز وجل يقول: لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن (من ) عذابي.” بحار الأنوار، المكتبة الشيعية. ↩︎

  13. الأعراف - ٢٠٥. ↩︎

  14. سورة النور - ٣٦ ↩︎

  15. سورة النجم - ١٢:٥ ↩︎

  16. سورة الزخرف - ٥٧ ↩︎

  17. سورة آل عمران - ٥٩ ↩︎

  18. سورة النور - ٣٥ ↩︎

  19. سورة الأعراف - ١٥٧ ↩︎

  20. سورة الشورى - ٥٢ ↩︎

  21. سورة النور - ٣٥ ↩︎

  22. حديث شريف: “إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها”، رواه الطبراني في “الكبير” وذكره الغزالي في الإحياء. ↩︎

  23. سورة المعارج – ٤،٣ ↩︎

  24. سورة الكهف - ٢٤ ↩︎

  25. سورة الأنبياء - ٢-٣ ↩︎

  26. سورة طه - ١٤. ↩︎

  27. سورة الحاقة - ٢٣ ↩︎

  28. سورة الرحمن - ٥٤ ↩︎

  29. سورة الرحمن -٤٦ ↩︎

  30. سورة الزخرف - ٨٤ ↩︎